أخبار

أخلاقيات البحث على شبكة الإنترنت تقتضي التدقيق والتمحيص

مخاوف حول استخدام البيانات العامة تدفع إلى تحديث القواعد الإرشادية.

إليزابيث جيبني

  • Published online:
عمل فني لبانكسي في شلتنهام بالمملكة المتحدة. حاول العلماء التعرف على الهوية الحقيقية للفنان بالاستعانة بالبيانات العامة.

عمل فني لبانكسي في شلتنهام بالمملكة المتحدة. حاول العلماء التعرف على الهوية الحقيقية للفنان بالاستعانة بالبيانات العامة.

Matt Cardy/Getty

اشتهر الرسام الجرافيتي البريطاني بانكسي بإخفاء هويته عن الناس، لكنْ تَغَيَّر الأمر في العام الماضي، عندما قام باحثون بنشر ورقة بحثية أشارت إلى ربط بين مواقع رسوم بانكسي في الشارع، والمعلومات العامة التي تتضمن عناوين سكن الأشخاص وتحركاتهم المحتمَلة (M. V. Hauge et al. J. Spatial Sci. 61, 185–190; 2016). خلص الفريق الذي يقوده أكاديميون من جامعة كوين ماري في لندن إلى أن شخصًا ما حامت الشكوك في السابق حول كونه هو بانكسي كان هو الفنان مجهول الهوية.

ونظرًا إلى أن الدراسة استعانت ببيانات عامة، صرحت لجنة الأخلاقيات بالجامعة بأن العمل كان مُستثنَى من المراجعات الرسمية، ونصحت الأكاديميين - بصفة غير رسمية - بأنه لا بأس بالأمر، إذ إن صحيفة قومية إنجليزية كانت قد حددت بالفعل هوية الشخص المعنيّ على أنه بانكسي. ولكن من وجهة نظر بعض المتخصصين في علم الأخلاق، تسلِّط الورقة البحثية الضوء على مخاوف متزايدة حول المخاطر المحتمَلة للأبحاث التي تستعين بالبيانات العامة. يقول جيك ميتكالف، الخبير الأخلاقي التقني من مؤسسة "داتا آند سوسياتي" البحثية في نيويورك سيتي: "أعتقد أن هذه الدراسة ما كان يجب أن تُجرى من الأساس".

ميتكالف واحدٌ من عدة أكاديميين يدعون إلى وضع قواعد إرشادية جديدة، لتوجيه العلماء في تعاملهم مع المعضلات الأخلاقية المرتبطة بالبحث على شبكة الإنترنت. إن الوفرة غير المسبوقة في البيانات المتاحة على شبكة الإنترنت – إضافةً إلى أدوات تُستخدم لاستنباط أنماط محددة منها، مثل أداة تعلم الآلة – تفتح فرص بحثية تفوق أُطر العمل الأخلاقية الحالية المتعلقة بالخصوصية، والموافقة، والضرر، حسب تصريح تشارلز إس، خبير أخلاقيات البحث في جامعة أوسلو، وعضو جمعية باحثي الإنترنت. وكان مِن المقرر أن تناقش الجمعية كيفية تحديث القواعد الإرشادية في اجتماعها السنوي، الذي انعقد في التاسع عشر من أكتوبر الماضي في مدينة تارتو، في إستونيا.

يجري حاليًّا تدشين مجموعة كبيرة من المبادرات الشبيهة. ففي وقت سابق من العام الحالي، نشر مشروع "ساتوري" SATORI، الذي تموِّله المفوضية الأوروبية توصيات بشأن البحث على شبكة الإنترنت، كجزء من الجهود الرامية إلى توحيد مقاييس إرشادات أخلاقيات البحث، وتحديثها. وفي شهر سبتمبر الماضي، قامت مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية بتمويل دراسة تستمر لمدة أربع سنوات، بتكلفة 3 ملايين دولار أمريكي، تُسمى "بيرفيد" PERVADE، يشارك فيها ميتكالف، وتهدف إلى رصد التوجهات الفكرية إزاء أخلاقيات البحث عن البيانات، وإنتاج إرشادات للممارسات المثلى، وإنشاء أدوات لتقييم الأضرار المحتمَلة لهذه الأعمال. كما تجهِّز جامعات بريطانية أولى إرشاداتها حول أخلاقيات البحث على شبكة الإنترنت، بعد أن نشر مكتب النزاهة البحثية البريطاني - وهو كيان استشاري وطني - توصيات غير مُلزِمة حولها في ديسمبر الماضي.

وتتضمن الأفكار المشتركة التي تدور في فلك تلك الجهود، إعادة النظر فيما يُعَدّ بيانات "عامة"، والاستخدام الأخلاقي لمواقع التواصل الاجتماعي، والحاجة إلى النظر في الضرر المحتمَل لدراسة ما على المجتمع الأوسع، وكذلك على الأفراد. وهناك دول كثيرة لديها سبل تَحَقُّقٍ أخلاقية راسخة للأبحاث التي تتدخل في حياة البشر، لكنّ هذه المبادئ الموضوعة للدراسات الطبية والنفسية تنطبق على الأبحاث التي تُجرَى على البشر، وتعريفها غالبًا ما يَستثنِي البحث على شبكة الإنترنت، حسب تصريح ميتكالف.

في الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا، لا تُعَدّ الدراسات التي تستعين بالبيانات العامة (التي تشمل تلك المشتراة من طرف ثالث) عمومًا أبحاثًا معنيةً بالبشر؛ لأنها لا تَنفذ إلى معلومات خاصة ملموسة عن الناس. وهي لا تحتاج إلى التحقق منها من قِبَل مجلس مراجعة مؤسسي (IRB)، ولا تتطلب موافقة مستنيرة. وتضيف الإرشادات التي صدرت في عام 2013 أنه ينبغي – أحيانًا - على الباحثين أن ينظروا في مسألة طلب المراجعات، إذا ما افترَض شخصٌ ما على نحو خاطئ أن الوصول إلى معلوماته العامة مُقَيَّد، لكنّ مجالس المراجعة المؤسسية ليست مُلزمة بتبنِّي تلك المقترحات، وقد تَخْلُص لجان مختلفة إلى قرارات متباينة، كما يقول ميتكالف.

ومن جانبه، يرى بيتر هيدجيز - رئيس مكتب العمليات البحثية في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة - أنه حتى الباحثون الذين يستخدمون معلومات عامة بما لا يدع مجالًا للشك - مثل بيانات موقع "تويتر" - ينبغي عليهم مراجعة أخلاقيات عملهم.

"ثمة مَصْدر قلق رئيس، يتمثل في كيفية استخدام الشركات للبيانات المطروحة على شبكة الإنترنت لأغراض بحثية".

عندما تقوم لجان الأخلاقيات بتقييم دراسات البيانات، قد تكون آراؤها ضيقة الأفق بشكل كبير، كما يقول أنسجار  كوينِي، وهو مهندس ومتخصص في عِلْم الأخلاق بجامعة نوتنجهام بالمملكة المتحدة. فهي تميل إلى دراسة الضرر المباشر الواقع على الشخص المعنِيّ بالبحث، بدلًا من احتمالات إلحاق مشروع ما ضررًا واسع النطاق بالمجتمع. وقد احتدم هذا النقاش في سبتمبر الماضي، عندما قام باحثون في مجال الذكاء الاصطناعي، من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، بنشر نسخة ما قبل الطباعة من بَحْث تَنَبَّأ بكَوْن شخص ما مِثليَّ الميول الجنسية، بناءً على صورته الفوتوغرافية؛ حيث استعان البحث بصورٍ مستخلَصة من موقع للتعارف على شبكة الإنترنت (انظر: https://osf.io/zn79k). وقد وافق مجلس المراجعة المؤسسي لجامعة ستانفورد على الدراسة، لكنها أثارت حفيظة بعض الجماعات المؤيِّدة للسحاقيات، واللوطيين، وثنائيي الجنس، ومغايري الهوية الجنسية، والشواذ (الذين يُطلق عليهم اختصارًا LGBTQ)، الأمر الذي وصمها بالخَطِرة. قال ميشال كوشينسكي، مؤلف الدراسة الرئيس، إن العمل الذي قاموا به كان يهدف إلى حماية الناس، من خلال كشف تهديد قائم، بسبب التكنولوجيا المستخدَمة على نطاق واسع. وقد ناقش كوشينسكي وزميله يلن وانج النتائج التي توصلا إليها لاحقًا مع ممثلين من مجتمع LGBTQ، إلا أن كوينِي يقول إن النِّقاش كان ينبغي أن يتم سلفًا، وإنّ الدراسة كان يُفترض أن تتناول ملاحظاتهم.

يُعَدّ عِلْم الحاسب الآلي حقل ألغام بالنسبة إلى مجال أخلاقيات البحث على شبكة الإنترنت. فالباحثون في هذا المجال ليسوا معتادون على العمل مع المشاركين في الدراسات البشرية، وعادةً لا يأخذون في الاعتبار الأثر الأخلاقي لعملهم، كما يقول كوينِي، الذي استقصى سبلًا مختلفة نحو الأخلاقيات في تخصصات مختلفة. وثمة مَصْدر قلق رئيس باتفاق الأكاديميين، يتمثل في كيفية استخدام الشركات للبيانات المطروحة على شبكة الإنترنت لأغراض بحثية، يُتاح لهم الوصول إلى أغلبها بحقوق الملكية. ففي عام 2014 مثلًا، بَدَّلَت شركة "فيسبوك" موجزات الأخبار الخاصة بالمستخدمين، دون إشعارهم بذلك؛ بغية دراسة تأثير ذلك على مشاعرهم. وقد أجبرها ردّ الفعل العام العنيف على نشر بعض التفاصيل المتعلقة بعمليات المراجعة الداخلية الخاصة بفيسبوك (M. Jackman and L. Kanerva Wash. Lee Law Rev. Online 72, 442; 2016)، لكنْ يظل هناك قَدْر ضئيل من الشفافية في العموم حول آلية العمل في هذا الأمر، كما يقول كوينِي.

قد لا يَوَدّ الباحثون أن تُعَطَّل جهودُهم العلمية بالمراجعات الأخلاقية الرسمية، ما قد يكون مضيعةً للوقت، ويمثل مشقة كبيرة. إنّ التدريب الأفضل على الأخلاق البحثية هو أحد الحلول المطروحة، كما يقول كوينِي، لكنّ الإخفاق في التوفيق بين عِلْم البيانات، والتصورات العامة لما هو مقبول، يمكن أن يفضي إلى ردّ فعل عنيف، حسب تحذيراته. ويقول: "سينظر لنا العامة على أننا لا نختلف عن الكيانات المؤسسية، أو غيرها من الجماعات ذات المصالح الخاصة، الساعية وراء أجندة سرية".