أنباء وآراء

علم المواد: مغانط نانوية تعزز الكفاءة الكهروحرارية

يمكن تحسين التحويل المباشر للحرارة إلى كهرباء - وهي عملية عكسية تُعرف باسم الظاهرة الكهروحرارية - إلى حد كبير في بعض المواد، عن طريق دمج عدد قليل من الجسيمات النانوية المغناطيسية. 

ستيفن آر. بونا
  • Published online:

تتميز المواد الكهروحرارية بقدرتها على تحويل الحرارة المهدَرة إلى طاقة كهربائية، ولها تطبيقات في كل من توليد الطاقة، والتبريد. تقاس الكفاءة التي يجري بها التحويل، جزئيًّا، من خلال "معيار مقارنة الأداء الكهروحراري ZT. يشير زاو وزملاؤه1 في العدد الصادر في الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر في دورية Nature إلى إحراز تقدُّم ملحوظ في عملية البحث عن مواد كهروحرارية عالية الكفاءة. استخدم الباحثون مادة تعتمد على شبه الموصل أنتيمونيد الكوبالت CoSb3، لإثبات أن إضافة عدد قليل من جسيمات الكوبالت النانوية - بما يعادل 0.2% فقط من الكتلة الكلية للمادة - يزيد بقدر كبير من قيمة ZT. ويمكن أن تحسن هذه التقنية من كفاءة مجموعة واسعة من المواد الكهروحرارية.

تصف كمية ZT العديد من الخصائص المتعلقة بكيفية تدفق الحرارة والكهرباء عبر المواد. ولأن هذه الخصائص أصيلة في المواد، فإن كفاءة المبردات والمولدات الكهروحرارية مستقلة عن حجمها؛ على عكس الثلاجات التي تعمل بضغط البخار، أو محركات الاحتراق الداخلي، على سبيل المثال. ومن حيث المبدأ، يعني هذا أن الأجهزة الكهروحرارية تقدِّم أداءً متفوقًا على محركات الحرارة الميكانيكية في الحالات التي تتطلب طاقة أقل من 100 وات2.

غير أنه، على أرض الواقع، يؤدي ضعف كفاءة التقنيات الكهروحرارية الحالية وعدم قابليتها للتطبيق العملي إلى إقصائها بشكل كبير إلى مستوى التطبيقات التي تكون فيها مزاياها الأخرى مقارَنة بالأنظمة التقليدية - مثل الدقة، وقابلية التوسع، وعدم وجود اهتزازات - بمثابة تعويض عن ضعف كفاءتها. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدامها في تبريد كواشف المجاهر الإلكترونية، وتشغيل المسابر الفضائية التي تتجول بين الكواكب3.

ولأن المبردات الكهروحرارية تمثل أداة واحدة ضمن بضع أدوات عملية لتبريد المادة، فإن تحسين التكنولوجيا الكهروحرارية هو أمر من المرجح أن يكون ذا قيمة كبيرة لكل من توليد الطاقة، وتطبيقات التحكم في درجة الحرارة. وسوف يتطلب تحقيق هذا الهدف تحديد المواد أو الآليات الفيزيائية التي تعزز من قيمة ZT. ويُعَدّ بحث زاو وزملائه خطوة مهمة في هذا الاتجاه، لأنه أثبت إمكانية تعزيز ZT لمواد معينة، عن طريق استغلال الجسيمات النانوية المغناطيسية (المغانط النانوية). وكمثال على ذلك، فإنهم يدرسون مواد تعتمد على أنتيمونيد الكوبالت، مُطَعَّمة بجسيمات كوبالت نانوية.

ويُعَدّ الحجم الصغير هو أساس التأثير الكبير للمغانط النانوية على قيمة ZT. فتلك الجسيمات صغيرة للغاية إلى حد أن العزم المغناطيسي لذراتها، البالغ عددها 10000 ذَرَّة تقريبًا، يشير إلى الاتجاه نفسه؛ بحيث لا توجد مساحة كافية لتشكيل "نطاقات" مغناطيسية متعددة (الشكل 1أ). تتصرف جسيمات النطاق الواحد في الأساس وكأنها عزم مغناطيسي واحد فائق الحجم. إن جسيمات زاو وزملائه صغيرة للغاية، بحيث تصنع ظاهرة تُعرف باسم "البارامغناطيسية الفائقة"، وهي ظاهرة يستطيع فيها العزم المغناطيسي فائق الحجم تغيير اتجاهه على نحو عشوائي تحت تأثير تقلبات درجات الحرارة.

الشكل 1: نوعان من البِنْية المغناطيسية.

أ. جسيمات نانوية مغناطيسية (مغانط نانوية) صغيرة جدًّا، لدرجة أن العزم المغناطيسي لذراتها جميعًا يشير إلى الاتجاه نفسه؛ حيث لا توجد مساحة كافية لتشكيل "نطاقات" مغناطيسية متعددة. ونتيجة لذلك، تتصرف المغانط النانوية في الأساس وكأنها عزم مغناطيسي واحد. ب. على النقيض من ذلك، تتشكل نطاقات متعددة في المواد المغناطيسية الأكبر من المغانط النانوية، منتِجة بِنْية فسيفسائية، توجد فيها حدود واضحة بين النطاقات. ويوضح زاو وزملاؤه أنه يمكن استغلال سلوك النطاق الواحد للمغانط النانوية الصغيرة بما فيه الكفاية لتعزيز خواص المواد الكهروحرارية، التي تُستخدم في تحويل الحرارة إلى كهرباء.

أ. جسيمات نانوية مغناطيسية (مغانط نانوية) صغيرة جدًّا، لدرجة أن العزم المغناطيسي لذراتها جميعًا يشير إلى الاتجاه نفسه؛ حيث لا توجد مساحة كافية لتشكيل "نطاقات" مغناطيسية متعددة. ونتيجة لذلك، تتصرف المغانط النانوية في الأساس وكأنها عزم مغناطيسي واحد. ب. على النقيض من ذلك، تتشكل نطاقات متعددة في المواد المغناطيسية الأكبر من المغانط النانوية، منتِجة بِنْية فسيفسائية، توجد فيها حدود واضحة بين النطاقات. ويوضح زاو وزملاؤه أنه يمكن استغلال سلوك النطاق الواحد للمغانط النانوية الصغيرة بما فيه الكفاية لتعزيز خواص المواد الكهروحرارية، التي تُستخدم في تحويل الحرارة إلى كهرباء.

كبر الصورة

وعلى النقيض من ذلك، في الأحجام الكبيرة الأوسع نطاقًا من المواد المغناطيسية - كما هو الحال في مغناطيس الثلاجة - تتشكل نطاقات مغناطيسية متعددة. فعلى الرغم من أن العزم المغناطيسي لذرات مغناطيس الثلاجة، البالغ عددها 2310 ذرة تقريبًا، يشير إلى الاتجاه نفسه الذي تشير إليه أقرب جاراتها، فإنه من المفضل من منظور الطاقة أن تشير العزوم المغناطيسية الموجودة في مناطق بعيدة إلى اتجاهات أخرى (الشكل 1ب). ينتج هذا بِنْية نطاق مغناطيسي فسيفسائي، تفصل فيه حدود واضحة بين النطاقات المختلفة. ومن عدة نواحٍ، يشبه هذا الترتيب (وغالبًا ما يرتبط بـ) البنية الميكروية التي تتشكل في مجموعات من حبيبات بلورية، تُسمى عديدة البلورات، التي تفصل فيها الحدود بين الحبيبات ذات الاتجاهات البلورية المختلفة.

ويؤدي غياب النطاقات المغناطيسية في الجسيمات النانوية ذات البارامغناطيسية الفائقة إلى صبغها بخصائص مختلفة عن خصائص المغانط التقليدية. فعلى سبيل المثال، يجري تثبيت العزم المغناطيسي للجسيمات النانوية في اتجاه واحد عن طريق حاجز طاقة يمنعها من تغيير اتجاهها مجددًا. ومع ارتفاع درجة حرارة الجسيمات النانوية، تؤدي التقلبات الحرارية متزايدة النشاط في نهاية المطاف إلى تغيير جماعي في اتجاه العزوم المغناطيسية. ويوضح زاو وزملاؤه أن هذا التحول يحدث عند درجة حرارة حوالي 442 كلفنية في موادهم؛ وهي درجة حرارة أقل بقدر مناسب من درجات حرارة التشغيل المقترحة للأجهزة المعتمِدة على أنتيمونيد الكوبالت 3.

ويخلص زاو وزملاؤه إلى أن إضافة جسيمات الكوبالت النانوية تؤثر على خصائص المواد الكهروحرارية بثلاث طرق رئيسة: أولًا، يعمل كل جسيم نانوي يتألف من 10,000 ذرة معدنية تقريبًا، كمستودع لقُرَابة 10,000 إلكترون حر تقريبًا، مما يحسِّن التوصيل الكهربائي. ثانيًّا، تبعثر عزوم البارامغناطيسية الفائقة المتقلبة الإلكترونات بصورة انتقائية، مما يعزز من "معامل سيبك"؛ وهو مقياس للجهد الكهربائي الذي تنتجه المادة، كرد فعل للفرق في درجة الحرارة. وأخيرًا، فإن وجود جسيمات نانوية موزعة عشوائيًّا يعوق تدفق الحرارة.

يوضح الباحثون أن هذه العوامل الثلاثة تتضافر لتعزيز قيمة ZT في موادهم. وبصفة خاصة، وجد الفريق أنه عندما تشكِّل جسيمات الكوبالت النانوية 0.2% من الكتلة الكلية للمادة، تزداد قيمة ZT من حوالي 1.3 إلى قرابة 1.8. وهذه القيمة ليست أكبر قيمة تتحقق على الإطلاق؛ فقد ظهر مثل هذا الاختلاف في تقارير عديدة، زادت فيها قيمة ZT عن 2 في مواد معتمدة على تيلوريد الرصاص5،4PbTe، وسلينيد القصدير7،6SnSe، وفي وقت سابق من عام 2017، سلينيد النحاس Cu2Se 8. وما يميز البحث الحالي هو الزيادة النسبية الكبيرة في قيمة ZT، بالإضافة إلى أصالة الفكرة، وإمكانية تطبيقها على نطاق عام؛ حيث لاحظ الباحثون زيادة مماثلة في قيمة ZT عند استخدام جسيمات نانوية من الحديد، أو النيكل، بدلًا من الكوبالت، والأرجح أن هناك تركيبات من مواد أخرى، غير معروفة بعد، من شأنها أيضًا تعزيز قيمة ZT بفضل هذه الآلية.

ومن شأن تطبيق هذا المفهوم في نظم مواد أخرى أن يساعد على إثبات صحة تفسير زاو وزملائه لكيفية تحسُّن الكفاءة الكهروحرارية باستخدام المغانط النانوية والأسباب الكامنة وراء ذلك. غير أن، أحد عيوب هذه الدراسة يكمن في أنها لا تفسر تمامًا المبادئ الفيزيائية وراء تعزيز "معامل سيبك". إذ فَسَّر الباحثون ذلك التحسن باعتباره ناجمًا - جزئيًّا على الأقل - عن تغيرات في تشتت الإلكترونات. وإذا صَحَّ هذا التفسير، فإن موادهم يمكن أن تكون لها خصائص نقل إلكترونية أخرى مثيرة للاهتمام العلمي في درجات الحرارة المنخفضة جدًّا9.

تطرح نتائج الباحثين أيضًا افتراضًا أساسيًّا بأنّ الإلكترونات تتشتت - في المقام الأول - بعيدًا عن أنواع محددة من الاهتزازات في الشبكات الذرية للمواد، وليس بعيدًا عن الشوائب المتأينة، أو غيرها من الخصائص المشابهة. ويمكن اختبار هذا الافتراض تجريبيًّا، عن طريق تطبيق قياسات "معامل نيرنست" التي تعتمد على درجة حرارة؛ ومعامل نيرنست هو كمية مشابهة لمعامل سيبك، ولكن مع قياس الجهد الكهربائي بشكل عمودي على الفرق في درجة الحرارة المطبقة، وباستخدام مجال مغناطيسي مطبق في الاتجاه العمودي الثالث. كما أن وجود المغانط النانوية في مواد الباحثين يشير إلى أن المواد سوف تتفاعل بشكل مختلف مع المجال المغناطيسي، مقارنة بأشباه الموصلات التقليدية. وعلى وجه التحديد، سيكون لمعاملات "نيرنست" الخاصة بها إسهام إضافي، يمكن أن ينشأ عن ظواهر مختلفة كثيرة10. وسوف يتطلب قياس معاملات "نيرنست" الأساسية للمواد استخدام مجالات مغناطيسية قوية بما يكفي لتوحيد اتجاه كل العزوم المغناطيسية للجسيمات النانوية.

ومع ذلك، فإن نَقْل هذا المفهوم من مجال التجارب المختبرية إلى أرض الواقع يمكن أن يشكل تحديًّا لأسباب أخرى. فعلى سبيل المثال، يتطلب إنتاج جسيمات نانوية فلزية انتقالية سريعة التفاعل مع مكونات الهواء - مثل تلك التي استخدمها زاو وزملاؤه - خطوات تصنيع ومعالجة دقيقة، وليس واضحًا إلى أي مدى ستكون تلك الجسيمات النانوية المدمجة مستقرة في مواجهة التكتل والنمو عند تركها لفترات طويلة في درجات حرارة مرتفعة. كما أنه ليس من الواضح مدى سهولة العثور على تركيبات مواد واعدة أخرى؛ وذلك بسبب الحاجة إلى دراسة معاملات شديدة التفاوت، مثل مدى سهولة انتقال الإلكترونات من مستودعات الجسيمات النانوية الفلزية إلى الشبكة المحيطة بها. وسوف تتطلب مواجهة هذه التحديات وغيرها من التحديات تخطيطًا دقيقًا، ومزيدًا من التجارب. وفي الوقت نفسه، فإن نتائج الباحثين المشجعة تضيء مسارًا بحثيًّا، من المرجح الوصول فيه إلى المزيد من الاكتشافات.

ستيفن آر. بونا يعمل في "مركز الفحص المجهري والتحليل الإلكترونيين" بجامعة ولاية أوهايو، كولومبوس، أوهايو 43212، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: boona.1@osu.edu