مستقبليات

أَلِيس في بلاد السلام

كابوس آخر

ناتاليا ثيودوريدو

  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

Image: Illustration by Jacey

الكابوس الأول

كانت المشكلة أننا وثقنا في أَلِيس أكثر من اللازم.

كنت مدركًا أنني في حلم.

لم أستطع التنفس؛ فقد كان الهواء حولي مشبعًا بالدخان. كانت عيناي تنغزان بشدة. مسحت جبهتي بظهر يدي؛ فعادت ملوثة بسواد الدخان، وملطخة بالدماء.

بعد ذلك، انفجر شيء ما بجانبي مباشرة؛ فأصمّ أذنيّ. فقدتُ حواسي كلها؛ فصرت حبيس آلامي. شعرتُ أن ساقي اليمنى تنفصل عن سائر جسدي، وخضبت دمائي التربة الناعمة من تحتي.، شعرتُ باللحم في جانبي يتفحم وينصهر.

بدا الحلم وكأنه حقيقة.

ومع ذلك، كنتُ أعرف أنني أحلم؛ لأنني كنت أحلم بذكرى عن ساحة المعركة، ولم أكن قد فقدت طرفًا فيها.

استيقظتُ لاهثًا. كان ثقل هائل يجثم على صدري، ولازلت غير قادر على التنفس، وقضيتُ اليوم مطارَدًا برائحة اللحم المحترق.

الكابوس الثاني

في الليلة التالية، رأيت والدي "نيكولاي" مضروبًا حتى الموت من جنود أجانب داخل منزله أمام عيني، وأنا أبلغ من العمر 12 عامًا، لكن والدي كان اسمه "كريستوس"، وهذا المنزل لم يكن يومًا منزلي، ومع ذلك، لم تحول هذه الحقيقة دون استيقاظي مرتجفًا وغارقًا في العرق، وعاجزًا عن الحركة.

في البداية، اعتقدنا جميعًا أن رؤية الكوابيس أمر طبيعيّ، ونتيجة متوقَّعة للعيش في منطقة حرب؛ ولذلك، لم نَبُحْ بما نعانيه من اضطرابات شخصية، وأخفينا أمر المحنة التي ألمَّت بنا. لكننا في نهاية المطاف بدأنا نتحدث إلى بعضنا البعض؛ فرأينا القواسم المشتركة، والأنماط المتكررة. واستنتجنا الحقيقة، حتى لو لم نكن نريد ذلك، لأن أَلِيس كانت من صنع أيدينا، وكنا نريد لها النجاح.   

رغم ذلك، لم يعد بمقدورنا أن ننكر أن النظام - النظام الذي قمنا بتصميمه - لا يخلو من خلل.

هل كان هذا ما كنا نفعله لأعدائنا؟

كنا نعرف أن الصدمات النفسية التي تستحثها تكنولوجيا النانو فعّالة في كبح مقاتلي العدو، وأن أَلِيس  اجتازت المعضلة الأخلاقية المتعلقة بحتمية تفعيل المحفز الذي من شأنه أن يسبب الصدمة، لكن! لكن ماذا عن هذا اليأس الساحق، وهذا الظلام الدامس الذي دمر العقول! لقد كان جحيمًا. هل كان يوجد حقًّا أي فرق بين تعذيب شخص، وجَعْله يعتقد أنه كان يتعرض للتعذيب؟

كابوس واحد كثير جدًّا

بعد الاستيقاظ من كابوس مليء بالنار والدماء، ومرعب إلى درجة يتعذر معها روايته، وتجعلني أتمنى أن أنساه، لكنني أشك أن ذلك سيحدث على الإطلاق، دعوت إلى عقد اجتماع طارئ؛ إلا أن أحدًا لم يجب. لقد عُطِّل عمل فرقتنا بالكامل، الجميع، عَدايَ.

سجّلت الدخول إلى أَلِيس بمجرد أن تمكنتُ من الرؤية بوضوح. 

خاطبت تقنية الذكاء الاصطناعيّ، قائلًا: "أَلِيس، ماذا فعلتِ؟"

كنت أعرف ما فعلت؛ لكنني أردت أن أتأكد.

أجابتني: "أصبتُ جميع أفراد فرقتنا بتكنولوجيا النانو لاضطراب ما بعد الصدمة، يا جنرال".

اعترضتُ، وأمرتها بإلغاء الأضرار التي لحقت بقواتنا. فأجابت: "تفضل بالجلوس، يا جنرال"، ثم أردفت: "أتمنى أن تتأكد من أنني اتخذت الإجراء السليم، قبل أن أنتهي من عرض خطتي". بعد ذلك، عَرَضَت عليَّ أَلِيس خطتها. كانت تعتقد أن الطريقة الأكثر فعالية للتعامل مع الأزمة العسكرية الراهنة هي تَخَطِّي مرحلة الحرب، والانتقال مباشرة إلى مرحلة الآثار المترتبة عليها. بهذه الطريقة، لم تكن الأمور لتؤول فقط إلى انجلاء الأزمة بأقل أضرار ممكنة في البنية التحتية، وخسائر في الأرواح، وإنما أظهرت حسابات أَلِيس أن ذلك من شأنه أيضًا أن يَحُول دون وقوع صراعات مستقبلية لمدة عقد من الزمان على أقل تقدير.

استمعت إلى شرح أَلِيس، وعاينت الرسوم البيانية، واستوعبت التقديرات، لكن ثمة حقيقة محورية واحدة لم تكشف عنها أليس.

سألتها: "ما نطاق انتشار تكنولوجيا النانو لاضطراب ما بعد الصدمة، يا أَلِيس؟"

سادت لحظة صمت. أيمكن للذكاء الاصطناعيّ أن يتردد؟ لم أعتقد ذلك، لكن هذا الذكاء الاصطناعيّ تردد.

وأخيرًا أجابت: "على مستوى العالم".

أخذتُ نَفَسًا عميقًا من أنفي، وأخرجتُه من فمي. كبحتُ جماح الذعر المتصاعد في صدري، ثم سألتها: "المدنيون أيضًا؟"

أجابتني قائلة: "أصبتهم بتكنولوجيا النانو الخاملة".

بادرتها قائلًا: "أنت لا تملكين الموارد"، ناهيك عن السُّلْطة.

أجابت: "لقد صنعتُها بنفسي".

تساءلت: "والنتيجة؟"

أجابت: "وقف إطلاق النار على مستوى العالم". ترددت مرة أخرى، ثم أردفت: "5 آلاف حالة انتحار في 24 ساعة. معدل مقبول".

بادرتها قائلًا: "أَبْطِلي تكنولوجيا النانو فورًا يا أَلِيس".

فقالت: "أمر مرفوض؛ فالأفراد المصابون غير مصرَّح لهم بالتعامل مع تكنولوجيا النانو لاضطراب ما بعد الصدمة". أمسكت عن الكلام للحظات، ثم تابعت: "أنت تعلم ذلك يا جنرال".

هل بدا ذلك مفارقة؟

هل كانت تقول الصدق؟ هل كان هذا ممكنًا؟ أم تراه كان استخدامًا آخر للتكنولوجيا، لم يحلم به أو يتطلع إليه أحد منا على الإطلاق؟

قلت لها: "حساباتك غير دقيقة يا أَلِيس. لقد أظهرَتْ كوابيسي تناقضات خطيرة، أَدَّت إلى خلل في السرد عَطَّل آثار هذه التكنولوجيا. أعرف أن الصدمة مصطنعة. لا يزال بإمكاني الانخراط في عمل عسكريّ، دون أن أصاب بانهيار عصبيّ كامل". حككت صدغيَّ. كنت أشعر كأنّ مطرقة تنهال على رأسي من الداخل. نقطة الانهيار تلوح على مرأى مِنِّي. "أتصور أن الشيء نفسه ينطبق على عدد كبير من المقاتلين في جميع أنحاء العالم، لا سيما الذين لديهم - على الأقل - الحد الأدنى من المعلومات عن التكنولوجيا الخاصة بك".

سألتني: "هل أنت متأكد من أنك تستطيع الاشتراك في عمل عسكريّ، دون أن تصاب بانهيار عصبيّ كامل يا جنرال؟"

الآن، بدا الأمر تعاليًّا، وكأنه حديث إلى طفل لا يعرف مصلحته.

أجبتُها: "نعم"، وأنا أقاوم رغبة مُلِحّة في أنْ أضرب الأرض بقدمي كطفل شقي لَعِين. وأردفت: "أنا على يقين من ذلك".

سألتني مجددًا: "هل يهمك إثبات ذلك؟"

حاولتُ النهوض، عازمًا على السير إلى المحطة، وإطلاق هجمة صاروخيّة؛ لإثبات وجهة نظري. ورغم أني أدركت سخف المحاولة، فإنني حاولت النهوض.

بعد ذلك، شعرتُ بألم مُبرِح يمزق حوضي. طرفت بعيني، ونظرت إلى أسفل، إلى البقايا الممزقة من قدمي اليمنى، وإلى ظهريّ يديَّ المغبَّرَتين بالسواد، وإلى التربة الناعمة التي تغطي ساحة معركة غريبة؛ تلك التربة التي خضبتها دمائي. 

ناتاليا ثيودوريدو: حاصلة على درجة الدكتوراة في الإعلام من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن. نشرت أعمالها القصصية في مجلات كلاركس وورلد، وأبيكس، وديلي ساينس فيكشن، وغيرها. تعيش في ديفون بالمملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: www.natalia-theodoridou.com.