أنباء وآراء

الفيزياء التطبيقية: إشارات الكَمّ قد تغطي العالم قريبًا

توفر الاتصالات الكَمِّية العديد من المزايا، مقارنة بالطرق التقليدية، لكنها كانت مقتصرة على إرسال الإشارات عبر بضع مئات من الكيلومترات. وقد تمكنت دراستان حديثتان من التغلب على هذا القصور. 

إليني ديامانتي
  • Published online:

يمكن الانتفاع من الخصائص الكمية للضوء للتواصل بطرق غير ممكنة في الفيزياء التقليدية. فهي تتيح، على سبيل المثال، تبادل الرسائل المشفَّرة بمنتهى الأمان، كما تمكِّن من نقل معلومات حول شيء ما، دون الحاجة إلى إرسال الشيء نفسه. ولكنْ في قنوات الاتصال الكمية التقليدية - مثل الألياف البصرية - يُفقَد الكثير من الفوتونات مع زيادة مسافة الإرسال، وهو ما يحدّ بشدة من المسافة التي يمكن أن تفصل بين مُرسِل المعلومات ومُستقبِلها. في بحثين منشورين في عدد الأسبوع الأول من شهر سبتمبر بدورية Nature، يستعرض لياو وزملاؤه1، ورِن وزملاؤه2 اتصالًا كَمِّيًّا بين قمر صناعي يدور حول الأرض ومحطات أرضية، جرى فيه تقليل فقدان الفوتونات إلى أدنى حد، حيث إن الجسيمات تنتقل في المقام الأول عبر الفضاء الفارغ. وبذلك، نجح الباحثون في مَدّ مسافة الاتصال التي تحققت في دراسات سابقه4,3 مئات الكيلومترات؛ وتُعَدّ هذه علامة فارقة نحو الانتقال بالاتصال الكمي إلى نطاق عالمي.

يعتمد الاتصال الكَمِّي على تشفير المعلومات في خصائص الجسيمات الكمية، ويهدف إلى إرسال تلك المعلومات إلى أماكن بعيدة، والتحكم فيها بحيث تؤدي مهام محددة5. ومن بين المهام الرئيسة التي لا يمكن تحقيقها باستخدام وسائل نقل المعلومات التقليدية، ثمة مهمتان أساسيتان، هما "التعمية الكَمِّية"  (QKD)، و"النقل الآني الكَمِّي". في التعمية الكمية، يشترك طرفان في سلسلة من البتات، تُسمى "مفتاحًا"، وتكون معروفة لهما فقط، ويمكنهما استخدامها في تشفير وفك تشفير رسالة سرية بأمان تام. أمّا في الانتقال الآني الكَمِّي، يجري نقل الحالة الكمية لجسيم، دون إرسال الجسيم نفسه. وهذه المهمة تتطلب جسيمين في حالة تشابك كَمِّي؛ حيث يكون قياس حالة أحد الجسيمين محددًا لحالة الجسيم الآخر، حتى عندما تفصل بين الجسيمين مسافة كبيرة.

ورغم أنه يمكن من حيث المبدأ استخدام أي جسيم كَمِّي في هذه المهام، فإن الفوتونات هي الناقل المفضل للمعلومات في الاتصالات الكمية، لأنها أقل تأثرًا من الجسيمات الأخرى بالتغيرات التي تطرأ على بيئتها. وفي الحقيقة، تحققت عمليتا التعمية الكَمِّية، والنقل الآني الكَمِّي بنجاح في نُظُم فوتونية باستخدام كل من الألياف البصرية، وقنوات اتصال الفضاء الحُرّ، عبر مسافات وصلت إلى بضع مئات من الكيلومترات6,4، غير أن أي جهد لتوسيع نطاق الاتصالات في تلك القنوات سوف يصطدم حتمًا بالعائق الأساسي، المتمثل في الخسائر التي يتكبدها الضوء. وهذا القيد موجود أيضًا في الاتصالات البصرية التقليدية، ولكن في هذه الأنظمة التقليدية، يمكن تضخيم الإشارات وتجديدها؛ وهذا غير ممكن لنظرائها من الأنظمة الكمية.

في الفضاء، يمكن للفوتونات أن تقطع مسافات هائلة، دون عوائق تقريبًا، وثمة تكنولوجيا وبنية أساسية متطورة للأقمار الصناعية حاليًّا، من أجل الاتصالات العالمية والبعثات العلمية. ومن ثم، فقد خضعت مسألة الاتصالات الكمية المعتمِدة على الأقمار الصناعية لدراسات مستفيضة على مدار أكثر من عقد من الزمان، ولا سيما من قِبل اتحاد بقيادة نمساوية، يحاول استخدام المحطة الفضائية الدولية7، غير أن التحديات المقترنة بهذا المسعى هائلة؛ فقليلة جدًّا هي الحالات8 التي أمكن فيها تجاوز التجارب على الأرض، لتحاكي الاتصالات الفضائية؛ على الرغم من أن هذه التجارب تظل مفيدة للغاية كقاعدة اختبار9. جرى استخدام الأقمار الصناعية ذات المدارات المنخفضة10 أو المدارات الثابتة11 حول الأرض والأقمار الصناعية الميكروية المزودة بأجهزة كمية أساسية12؛ لتنفيذ بعض وظائف الاتصال الكمي، ولكن تحقيق تعمية كمية كاملة، أو نقل آني كمي كامل، اعتمادًا على الأقمار الصناعية، يتطلب قفزة تكنولوجية جديدة.

وهذا ما حققته مجموعتا لياو، ورِن؛ فقد استخدمت كلتا التجربتين قمرًا صناعيًّا في مدار أرضي منخفض (على ارتفاع حوالي 500 كم). صُمم ذاك القمر خصيصًا للاتصالات الكمية، وهو مجهز بعدة وحدات ضرورية لأداء مهام متنوعة. وشفر الباحثون المعلومات الكمية في استقطاب الفوتونات التي لها طول موجي قريب من طول الأشعة تحت الحمراء.

في تجربة التعمية الكمية التي أجراها لياو وزملاؤه، يوجد المُرسِل على القمر الصناعي، والمُستقبِل في محطة أرضية، وتفصل بينهما مسافة تصل إلى 1200 كم (الشكل 1أ). وهذا التكوين - المعروف باسم سيناريو الوصلة الهابطة - يتميز بأن الضوء يمر عبر الغلاف الجوي للأرض فقط في الجزء الأخير من مساره، مما يحدّ من آثار حيود الضوء؛ أي انحناء الضوء عند مروره حول حافة جسم ما، مثل السُّحُب.

الشكل 1: اتصالات كمية بعيدة المدى.

(أ) تسمح التعمية الكمية QKD لطرفين متصلين بمشاركة سلسلة من البتات، تُسمى "مفتاحًا" key، وتكون معروفة لهما فقط. ويمكن استخدام المفتاح لتشفير الرسائل السرية وفَكّ تشفيرها بأمان تام. وقد أثبت لياو وزملاؤه1 إمكانية حدوث تعمية كَمِّية بين جهاز إرسال على قمر صناعي، ومُستقبِل أرضي، حيث كان المفتاح مشفرًا في الحالات الاستقطابية للفوتونات. (ب) في النقل الآني الكَمِّي، يجري نقل الحالة الكمية لجسيم، دون الحاجة إلى إرسال الجسيم نفسه. وقد أشار رِن وزملاؤه2 إلى نقل الحالة الاستقطابية لفوتون من جهاز إرسال على الأرض إلى جهاز استقبال على قمر صناعي. ولتحقيق ذلك، أَنتَج الباحثون زوجًا من الفوتونات (X وY) في حالة تشابك كَمِّي - وهي حالة يكون فيها قياس حالة أحد الجسيمين محددًا لحالة الجسيم الآخر - وأرسلوا الفوتون X إلى القمر الصناعي (السهم البرتقالي)، ثم أجرى الباحثون قياسًا مشترَكًا للفوتون Y، وفوتون ثالث (Z)، وهو الفوتون المراد نقل حالة استقطابه آنيًّا. وأخيرًا، استخدموا نتائج هذا القياس لتحديد ما إذا كان استقطاب الفوتون X قد تَحَوَّل إلى استقطاب الفوتون Z (السهم الأخضر)، أم لا.

(أ) تسمح التعمية الكمية QKD لطرفين متصلين بمشاركة سلسلة من البتات، تُسمى "مفتاحًا" key، وتكون معروفة لهما فقط. ويمكن استخدام المفتاح لتشفير الرسائل السرية وفَكّ تشفيرها بأمان تام. وقد أثبت لياو وزملاؤه1 إمكانية حدوث تعمية كَمِّية بين جهاز إرسال على قمر صناعي، ومُستقبِل أرضي، حيث كان المفتاح مشفرًا في الحالات الاستقطابية للفوتونات. (ب) في النقل الآني الكَمِّي، يجري نقل الحالة الكمية لجسيم، دون الحاجة إلى إرسال الجسيم نفسه. وقد أشار رِن وزملاؤه2 إلى نقل الحالة الاستقطابية لفوتون من جهاز إرسال على الأرض إلى جهاز استقبال على قمر صناعي. ولتحقيق ذلك، أَنتَج الباحثون زوجًا من الفوتونات (X وY) في حالة تشابك كَمِّي - وهي حالة يكون فيها قياس حالة أحد الجسيمين محددًا لحالة الجسيم الآخر - وأرسلوا الفوتون X إلى القمر الصناعي (السهم البرتقالي)، ثم أجرى الباحثون قياسًا مشترَكًا للفوتون Y، وفوتون ثالث (Z)، وهو الفوتون المراد نقل حالة استقطابه آنيًّا. وأخيرًا، استخدموا نتائج هذا القياس لتحديد ما إذا كان استقطاب الفوتون X قد تَحَوَّل إلى استقطاب الفوتون Z (السهم الأخضر)، أم لا.

كبر الصورة

وعلى النقيض، أجري أعضاء فريق رِن تجربة النقل الآني الكَمِّي، مستخدِمِين سيناريو الوصلة الصاعدة، حيث يُرسَل الفوتون المنقول آنيًّا من محطة أرضية إلى جهاز استقبال على القمر الصناعي، عبر مسافة تصل إلى 1400 كم (الشكل 1ب). وتُعَدّ هذه البيئة أكثر صعوبة من الناحية التقنية من سيناريو الوصلة الهابطة، وقد اُختيرت بحيث تسهل الوصول إلى آلات التشابك الكمي المعقدة على الأرض، رغم أنه في تجربة أُجريت في وقت سابق من هذا العام، أظهرت المجموعة البحثية نفسها أنه من الممكن أيضًا استخدام مصدر أزواج فوتونية متشابكة على قمر صناعي13. ولتحقيق النقل الآني الكمي، أنتج فريق رِن زوجًا من الفوتونات المتشابكة، أُرسل أحدهما إلى القمر الصناعي، ثم قاموا بعد ذلك بقياس مشترك للفوتون الموجود على الأرض، وفوتون ثالث، وهو الفوتون المراد نقل حالة استقطابه آنيًّا. وأخيرًا، استخدموا نتائج هذا القياس لتحديد ما إذا كان استقطاب الفوتون على القمر الصناعي قد تحوَّل إلى حاله الفوتون الثالث، أم لا.

من وجهة نظر علمية، تُقَدِّم نتائج الباحثين دليلًا على إمكانية إجراء اتصالات كمية على مسافات تتجاوز 1000 كم، وهو أمر يستحيل حدوثه باستخدام وصلات أرضية. ولكن الأهم من ذلك كله أنها تُشكل إنجازًا هندسيًّا كبيرًا، أمكن تحقيقه بواسطة استثمار رائع في الموارد التقنية؛ فقد طوَّر الباحثون تقنيات بالغة التطور، ومن بينها نظام متطور لتتبُّع الضوء، يوفر مستوى عاليًّا من الدقة، وتقنيات تَزامُن، ومصادر وكاشفات فوتونات مدمجة، وخفيفة الوزن، ومعتمَدة للفضاء. وقد أدّت هذه التطورات إلى أداء يضاهي الاتصالات الكمية بالألياف الضوئية، وهي تفتح الطريق أمام حقبة جديدة من تجارب الاتصالات الكمية الفضائية التي تنقل الإشارات عبر مسافات أكبر من 1000 كيلومتر.

وستتمثل الخطوة التالية لتجارب التعمية الكمية في تحقيق تبادُل آمِن للرسائل بين موقعين بعيدين على الأرض، في وجود قمر صناعي يعمل كنقطة اتصال أساسية موثوق بها. وسيكون من الضروري أيضًا النظر في الانتهاكات الأمنية المحتملة الخاصة بأنظمة الأقمار الصناعية. وعلى الأرجح، سوف تتطلب زيادة نطاق تطبيقات تجارب التعمية الكمية قمرًا صناعيًا في مدار أعلى من ذلك الذي استخدمه الباحثون، وفوتونات ذات أطوال موجية أطول.

ولتحقيق النقل الآني الكمي في بيئة أكثر عملية14، سيلزم تشغيل مصدر الفوتونات المتشابكة على متن قمر صناعي. ويمكن أن يؤدي تحقيق ذلك - إلى جانب إمكانية استخدام مجموعات من الأقمار التي يُطلق عليها كويكبات الأقمار الصناعية15- في نهاية المطاف إلى شبكات اتصالات كَمِّية على نطاق عالمي، تضم الوصلات الأرضية، ووصلات الأقمار الصناعية. وقد تكون التطورات المشار إليها مفيدة أيضًا في محاولات دراسة الفيزياء الأساسية في الفضاء16؛ مما قد يثري فَهْمنا للمبادئ الأساسية التي تعزز تطبيقات الاتصالات الكَمِّية.

References

  1. Liao, S.-K. et al. Nature 549, 43–47 (2017). | article
  2. Ren, J.-G. et al. Nature 549, 70–73 (2017). | article
  3. Korzh, B. et al. Nature Photon. 9, 163–168 (2015). | article
  4. Ma, X.-S. et al. Nature 489, 269–273 (2012). | article
  5. Gisin, N. & Thew, R. Nature Photon. 1, 165–171 (2007). | article
  6. Diamanti, E., Lo, H.-K., Qi, B. & Yuan, Z. npj Quantum Inf. 2, 16025 (2016). | article
  7. Ursin, R. et al. in Proc. 59th Int. Astronaut. Congr. A2.1.3 (Int. Astronaut. Fed., 2008). | article
  8. Bedington, R., Arrazola, J. M. & Ling, A. npj Quantum Inf. 3, 30 (2017). |article
  9. Pugh, C. J. et al. Quantum Sci. Technol. 2, 024009 (2017). | article
  10. Vallone, G. et al. Phys. Rev. Lett. 115, 040502 (2015). | article
  11. Günthner, K. et al. Optica 4, 611–616 (2017). | article
  12. Takenaka, H. et al. Nature Photon. 11, 502–508 (2017). | article
  13. Yin, J. et al. Science 356, 1140–1144 (2017). | article
  14. Valivarthi, R. et al. Nature Photon. 10, 676–680 (2016). | article
  15. Liao, S.-K. et al. Preprint at https://arxiv.org/abs/1611.09982 (2016). | article
  16. Joshi, S. K. et al. Preprint at https://arxiv.org/abs/1703.08036 (2017). | article

إليني ديامانتي تعمل في "المركز الوطني للبحوث العلمية" CNRS بجامعة بيير وماري كوري، 75005 باريس، فرنسا.

البريد الإلكتروني: eleni.diamanti@upmc.fr