أنباء وآراء

سرطان: نهج دقيق لعلاج الأورام

ثمة تقدم يُحرز في استخدام الأساليب الشخصية لابتكار نماذج ورمية، في المختبر، وفي الجسم الحي، يمكن استخدامها للمساعدة في اتخاذ قرارات علاج السرطان بالأدوية، وزيادة فهْمنا لكيفية استجابة الأورام للعلاج.

رودريجو دينستمان، وجوزيب تابرنيرو
  • Published online:

يجمع العلاج الدقيق للسرطان بين أحدث الأفكار في بيولوجيا الورم من ناحية، والتقنيات المتطورة من ناحية أخرى، بهدف تحديد التغيرات الجينية التي يمكن مواءمتها مباشرة مع العوامل المضادة للسرطان. كَتَب باولي وآخرون1 في دورية "كانسر ديسكفري" Cancer Discovery ، موضِّحِين كيف تمكنوا من فتح فصل جديد في هذا المجال، عن طريق استخدام سلسَّلة الحمض النووي المأخوذ من العينات الورمية إلى جانب اختبار النماذج الخلوية المأخوذة من المريض. يتيح هذا استخدام اختبار الأدوية عالية الإنتاجية؛ لتقييم أنماط الاستجابة العلاجية؛ وبالتالي توسيع الخيارات لإعداد علاج للسرطان، مخصص للفرد.

دشَّن باولي وزملاؤه برنامج بحوث إكلينيكية، قام بسَلْسَلة الحمض النووي الخاص بمناطق ترميز البروتين من الجينوم في عينات من أورام المريض الفردية، إلى جانب الأنسجة السليمة، لدواعي المقارنة؛ لتحديد التغيرات الورمية النوعية التي قد تكون أهدافًا للعقاقير. إلا أن الباحثين سرعان ما أدركوا أن معلومات تسلسل الحمض النووي وحدها لم تكن كافية لتوجيه القرارات العلاجية في معظم الحالات.. فمِن بين 501 فرد مصاب بالسرطان خضعوا للاختبار — وصل مرض معظمهم إلى مرحلة متقدمة — كان لدى نحو 10% منهم فقط تغيرات جينية، يمكن مطابقتها مباشرة مع عوامل مستهدَفة، حائزة على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA. وشملت هذه النسبة أولئك الذين يمكن استهداف أورامهم باستخدام أدوية "مصرَّح بها لأمراض أخرى"Off Label drugs  من قِبل إدارة الغذاء والدواء، حيث يمكن إعادة استخدام عقار تم التصريح به؛ لاستهداف تغيُّر جيني في أحد أنواع الأورام؛ لعلاج أنواع أخرى من الأورام.

وعلى نقيض النتائج التي توصَّل إليها باولي وزملاؤه، وجد بحث2 درس عملية المواءمة بين السرطانات والعلاجات حالات تطابق في حوالي 40% من الأورام باستخدام معايير أقل صرامة، ولكنها تحظى بقبول واسع النطاق لـ"قابلية الاستهداف"، وهي أيضًا تشمل تغيرات الحمض النووي التي يمكن استهدافها بعوامل مصرح باستخدامها حاليًّا في التجارب الإكلينيكية فقط. ومع ذلك.. لم تأت نتائج سلسَّلة الحمض النووي بالنسبة إلى معظم المرضى الذين تم اختبارهم في كلتا الدراستين بمعلومات كافية؛ للسماح بتحديد العلاجات الشخصية، وذلك بسبب العدد المحدود من العلاجات الدوائية المطابقة المتوفرة.

"توفر العضيّات منصة واسعة النطاق، لاختبار درجة حساسية الأدوية".

وهذا ما دفع باولي وزملاءه إلى محاولة اتباع طريقة أخرى لتحديد المطابقات التي قد تكون فعالة بين الأورام والأدوية، فاستخدموا عضيّات؛ وهي بِنى خلوية مزروعة في المختبر في أنظمة زرع خلوي ثلاثية الأبعاد، تسمح بالاحتفاظ بالتفاعلات بين الخلايا، وبين الخلايا والمصفوفة خارج الخلوية المحيطة بها. هذه المزارع الخلوية - المأخوذة من الخلايا الورمية للمرضى - توفِّر حفظًا أفضل للخصائص البيولوجية للأنسجة، مقارنة بما تقدمه مَزارع الخلايا أحادية الطبقة الأكثر شيوعًا. وتوفر العضيّات منصة واسعة النطاق لاختبار درجة حساسية الأدوية بطريقة تقدّم وقت تحول سريع مقبول، وهو ما قد يتيح إمكانية الاستخدام الإكلينيكي على أساس النتائج التي تم الحصول عليها.

اختبر باولي وزملاؤه مكتبة شاملة تضمّ قرابة 160 مركّبًا، باستخدام العضيّات، مما مكَّنهم من تحديد الأدوية والتوليفات الفعالة التي حدّت من نمو الخلايا السرطانية. وقد جرى التحقق من صحة النتائج التي توصلوا إليها في جسم حي، عن طريق زرع خلايا العضيّة في فئران مصابة بنقص المناعة؛ لتوليد نماذج شخصية تُعرف باسم "الطعوم الأجنبية المشتقة من المريض" patient-derived xenografts (PDXs) ، وهو معيار عالي الدقة للتقييم قبل الإكلينيكي لعلاجات السرطان (الشكل 1). تقدِّم دراسة باولي وزملائه واحدًا من أول الأمثلة على النهج المعتمِد على العضيّات، الذي يَستخدِم اختبار الأدوية عالية الإنتاجية، إلى جانب التحقق من الأدوية في الطعوم الأجنبية المشتقة من المرضى من العضيّات نفسها.

الشكل 1: العلاج الشخصي للورم.

بَحَثَ باولي وآخرون1طريقة لاختيار العلاجات الدوائية الشخصية للمرضى المصابين بالسرطان. وعندما جرت سلسلة الحمض النووي الورمي المأخوذ من المرضى، بغرض تحديد التغيرات النوعية للورم، كان حوالي 10% فقط من الأورام التي درسوها يحتوي على تغير متوافق مع علاج دوائي متوفر للاستعمال القياسي في العيادة. ولتحديد خيارات العلاج الدوائي للأورام غير المرتبطة بأهداف دوائية معروفة، أنشأ الباحثون في المختبر مزارع خلوية ثلاثية الأبعاد من الخلايا الورمية، تعرف باسم العضيّات. استُعملت هذه الخلايا لاختبار الأدوية عالية الانتاجية للتعرّف على الجزيئات التي أدت إلى الحدّ من نمو خلايا السرطان. وتم تقييم أكثر الأدوية المحددة نجاحًا باستعمال نماذج من الفئران تحتوي على خلايا مزروعة من العضيات، تُعرف باسم "الطعوم الأجنبية المشتقة من المرضى" PDX. إنّ هذا النهج يولد خيارات علاجية محتملة لاستهداف ورم فردي، ولم يجر اختبار العلاجات المقترحة على المرضى في هذه الدراسة.

بَحَثَ باولي وآخرون1طريقة لاختيار العلاجات الدوائية الشخصية للمرضى المصابين بالسرطان. وعندما جرت سلسلة الحمض النووي الورمي المأخوذ من المرضى، بغرض تحديد التغيرات النوعية للورم، كان حوالي 10% فقط من الأورام التي درسوها يحتوي على تغير متوافق مع علاج دوائي متوفر للاستعمال القياسي في العيادة. ولتحديد خيارات العلاج الدوائي للأورام غير المرتبطة بأهداف دوائية معروفة، أنشأ الباحثون في المختبر مزارع خلوية ثلاثية الأبعاد من الخلايا الورمية، تعرف باسم العضيّات. استُعملت هذه الخلايا لاختبار الأدوية عالية الانتاجية للتعرّف على الجزيئات التي أدت إلى الحدّ من نمو خلايا السرطان. وتم تقييم أكثر الأدوية المحددة نجاحًا باستعمال نماذج من الفئران تحتوي على خلايا مزروعة من العضيات، تُعرف باسم "الطعوم الأجنبية المشتقة من المرضى" PDX. إنّ هذا النهج يولد خيارات علاجية محتملة لاستهداف ورم فردي، ولم يجر اختبار العلاجات المقترحة على المرضى في هذه الدراسة.

كبر الصورة

من بين 145 عينة تتكون من 18 نوعًا مختلفًا من الأورام، تَمَكَّن الباحثون من توليد 56 مزرعة للعضيّات الخلوية، و19 نموذجًا من الطعوم الأجنبية المشتقة من المرضى من خزعات أُخذت إمّا من الأورام الأولية، أو من عينات أنسجة الخلايا السرطانية التي انتقلت إلى مواقع أخرى، والتي تُعرف باسم "النقائل". ووضعوا وصفًا مفصلًا لنتائج سلسَّلة الحمض النووي الورمي، واختبار الاستجابة لجرعة الدواء عالية الإنتاجية في العضيّات، والتحقق من صحة النتائج في الطعوم الأجنبية المشتقة من المريض، لأربعة مرضى. حُدّدت الأدوية المستهدفة الفعالة في المختبر، وعلى أساس نتائج المسح الثانوي للأدوية، اختيرت التوليفات العلاجية الأمثل؛ للتحقق منها في الجسم الحي، إلا أنه من المهم أن نلاحظ أن النظم العلاجية الفردية المقترحة لم تُختبر في المرضى، وبالتالي لم يتمكن الباحثون من إثبات أن أدويتهم المختارة الناجحة فعالة إكلينيكيًّا. يدرك الباحثون أيضًا أن الصعوبات في الحصول على العوامل الحائزة على الموافقة أو العوامل التجريبية من أجل الاستعمال غير المصرح به ما يزال يمثل تحديًا كبيرًا، يحدّ من اختبارها إكلينيكيًّا، استنادًا إلى البيانات المستمدة من هذا النوع من منصات الطب الدقيق.

كانت جدوى استخدام عينات الورم المأخوذة من المريض من أجل فحص حساسية الأدوية عالية الإنتاجية، وتكاملها مع التنميط الجينومي، من أجل إعادة تصميمها، قد ثبتت سابقًا3 في دراسة ركزت على حالات اللوكيميا التي لم تستجب للعلاج الكيميائي. وعند استخدامها على نحو غير مصرح به من باب التعاطف (حيث يعاني الأفراد من حالات تهدد حياتهم، ويصرح بحصولهم على أدوية غير مجازة خارج إطار تجربة إكلينيكية)، تلقى الأفراد الذين يعانون من اللوكيميا توليفات من العوامل المستهدفة التي كان يتوقع أن تكون فعالة، بناء على اختبارات حساسية الأدوية، وكانت هناك إفادات مُبَشِّرة بحدوث استجابات قصيرة الأجل. ومع ذلك.. وجد مؤلفو البحث3 أيضًا أدلة على أنه مع تقدم حالات اللوكيميا لدى المرضى، أصبحت الأورام مقاوِمة لتلك العوامل التي تم اختبارها في المختبر، وحساسة لعوامل أخرى على الأرجح، وكشفت سلسلة الحمض النووي عن مجموعة متنوعة من التغيّرات الجينية المرتبطة بتطور المرض.

إن القدرة على استخدام منصات اختبار الأدوية - استنادًا إلى الورم بغرض التوقع الدقيق للاستجابات الإكلينيكية - تعتمد على الخلايا المستزرَعة التي تحتفظ بالخصائص الجزيئية والبيولوجية المعقدة للأورام التي أُخذت منها. وعلى الرغم من أن الحمض النووي الورمي والصور النسخية محفوظة بشكل معقول في النماذج الخلوية قبل الإكلينيكية عند مقارنتها بالأورام الأصلية للمرضى4، فإن ثمة اختلافات في البيئات المكروية المناعية والوعائية الدموية. إن الأدوية التي تثبط نقاط الفحص في الجهاز المناعي والتفاعلات بين الخلايا الورمية والخلايا المحيطة بها، والمعروفة باسم "الخلايا السدويّة"، لن يتم تحديدها باستخدام عضيّات مشتقة فقط من الخلايا السرطانية.

وإضافة إلى ذلك، فإن العضيّات عادة ما تحتوي على تعبير عال عن الجينات المشاركة في الاستجابة لملامسة المواد الغريبة، والجينات المشاركة في العمليات الأيضية التي قد تؤثر على نمو الخلايا السرطانية وبقائها على قيد الحياة4. كما إن الاستجابة العلاجية الملاحظة في العضيّات قد لا تضمن حدوث استجابة لدى المرضى، نظرًا إلى الاختلافات في العمليات التي تُنشط جزيئات الدواء في النماذج قبل الإكلينيكية، وفي البشر. وبالإضافة إلى ذلك، فإن عُمْر النصف للمركبات وتركيزها الأقصى في موقع الورم قد يختلف اختلافًا كبيرًا عند مقارنة التجارب بين المختبر، والجسم الحي.

وعلى الرغم من هذه الاختلافات، التي يمكن أن تكون حاسمة عند اختيار نظام النموذج الأمثل لفحص الأدوية، فإن الأنماط التي لوحظت للاستجابة للأدوية كانت متسقة إلى حد ما بين العضيّات وأنظمة الطعوم الأجنبية المشتقة من المرضى في الدراسات التي أجراها باولي وزملاؤه، وغيرها من الدراسات4. ربما يحسّن التقدم التكنولوجي في المستقبل من قدرتنا على توقّع النتائج الإكلينيكية. وقد تشمل تطورات كهذه تجارب على عضيّات تضم مجموعة متنوعة من أنماط خلوية مختلفة، مثل الخلايا السّدَوِيّة، لمحاكاة بيئة مكروية في الجسم الحي، إضافة إلى نماذج "إنسانية" أكثر من الطعوم الأجنبية المشتقة من المرضى في الفئران المصابة بنقص المناعة، التي تحتوي على خلايا مناعية بشرية، مما قد يسهل البحوث الهادفة إلى تعزيز العلاجات المعتمِدة على المناعة.

إننا نعتقد أن الإمكانات الحقيقية لمكتبات العضيّات المأخوذة من المرضى ستتكشف عندما يتمكن الباحثون من توليد قواعد بيانات مشتركة كبيرة تسمح بدراسة الارتباطات المعقدة بين علم جينوم الأورام وحساسية الأدوية، وتحديد توليفات العوامل المستهدفة، التي قد يكون أداؤها أفضل من معظم العلاجات الكيميائية القياسية المستخدَمة عادةً في علاج أورام معينة. إن الاستجابات الإكلينيكية المستهدفة أحادية العامل، التي اختيرت بسبب تغيرات جينية محددة عادة ما تكون قصيرة الأجل، وفي معظم الحالات لا يمكن اختيار التوليفات الدوائية الأكثر فعالية على أساس نتائج سلسلة الحمض النووي، وبحوث السرطان المنشورة.

وقد يثبت أن نوعين مرتبطين من التحاليل لهما رؤية ثاقبة بمجرد وصف العديد من الحالات، وبعد أن تصبح تلك "البيانات الضخمة" المجمّعة متاحة للنمذجة. النوع الأول هو مقارنة متقاطعة لمقاييس الاستجابة الدوائية للعوامل التي تعمل بآليات مختلفة، إذ يمكن لمجموعة من الأدوية تتميز بأنماط عالية الترابط للحساسية عبر العيّنات أن ترسّخ التوليفات العلاجية، على الرغم من التباين الجينومي الكامن، والتنوع النسخي في أي ورم معين. والنوع الثاني هو الربط ما بين حساسيات الأدوية، وعلم جينوم الأورام. ويمكن بعد ذلك اختيار توليفات الأدوية ذات التأثير التآزري، حتى عندما تكون البيانات الجينومية هي المتاحة فقط.

قد يتمكن نهج الطب الدقيق - الذي وصفه باولي وزملاؤه - من المساعدة على سد الفجوة القائمة بين فهم علم جينوم السرطان، وتطوير تصميم العلاج الشخصي. ورغم أن هذا النهج لم يُختبَر، إلا في عدد قليل من المؤسسات البحثية، إلا أن استخدام منصة اختبار عضيّات عالية الإنتاجية قد مكّن من اكتشاف استهداف دوائي غير متوقع لبعض التغيرات المصاحبة للورم5،6. وقد سمح هذا النهج بتحديد تطابق حساسية الأورام للأدوية الجاري تقييمها في التجارب الإكلينيكية7.

ولتسهيل تطبيق إكلينيكي أوسع لهذا النهج، يجب تحسين معدل نجاح إنشاء عضيّات من عينات الأورام، ويجب البحث في مصادر بديلة للخلايا السرطانية (مثل عينات الدم)؛ لتجنب الاعتماد على الخزعات المتكررة من النقائل لدى الأفراد المصابين بالأورام الصلبة. وعند اقتران تقنية فحص الأدوية بواسطة العضيّات بالتحاليل الجينومية التي تُجرى مع مرور الوقت، لفهم تطور النسائل الحساسة للأدوية، والمقاوِمة لها، قد تتمكن تلك التقنية من تمهيد الطريق للحصول على أفضل العلاجات التكيفية والديناميكية والشخصية حقًّا لسرطانات المراحل المتقدمة.

References

  1. Pauli, C. et al. Cancer Discov. 7, 462–477 (2017). | article
  2. Massard, C. et al. Cancer Discov. 7, 586–595 (2017). | article
  3. Pemovska, T. et al. Cancer Discov. 3, 1416–1429 (2013). | article
  4. Schütte, M. et al. Nature Commun. 8, 14262 (2017). | article
  5. van de Wetering, M. et al. Cell 161, 933–945 (2015). | article
  6. Crespo, M. et al. Nature Med. 23, 878–884 (2017). 
  7. https://www.clinicaltrials.gov/ct2/show/NCT01351103

رودريجو دينتسمان يعمل في مؤسسة "فال ديبرون لعلم الأورام"، برشلونة 08035، إسبانيا، وكذلك في "سيج بيونِتْووركس"، سياتل، الولايات المتحدة الأمريكية.

جوزيب تابرنيرو يعمل في قسم الأورام الطبية بمستشفى فال ديبرون الجامعي، جامعة أوتونوما في برشلونة، برشلونة 08035، إسبانيا.

البريد الإلكتروني: rdienstmann@vhio.netjtabernero@vhio.net