أخبار

إصلاح الحمض النووي في الأجنة المستنسخة

طريقة للتحرير الدقيق لجينات الأجنّة البشرية، تبشِّر بعلاج لأحد أمراض الدم.

ديفيد سيرانوسكي

  • Published online:
تصحيح الطفرة الجينيّة المرتبطة بمرض بيتا ثلاسيميا سيوفِّر على المصابين عناء نقل الدم؛ للحفاظ على حياتهم.

تصحيح الطفرة الجينيّة المرتبطة بمرض بيتا ثلاسيميا سيوفِّر على المصابين عناء نقل الدم؛ للحفاظ على حياتهم.

MAURO FERMARIELLO/SPL

انتهج فريقٌ من الباحثين في الصين نهجًا جديدًا لإصلاح الجينات المرتبطة بالأمراض في الأجنّة البشرية. كوَّن الباحثون أجنّة مستنسخة، مصابةً بطفرةٍ جينيّة تتسبب في أحد أمراض الدمّ، الذي قد يؤدي إلى الوفاة، ثم قاموا بتصحيح الحمض النووي فيها بدقَّة؛ ليكشفوا بذلك عن إمكانيّة منْع حدوث الحالة المرضية تلك في المراحل الأولى من النمو.

هذا التقرير الذي نُشر بتاريخ 23 سبتمبر في دوريّة "بروتين آند سِل" 1Protein & Cell هو الأحدث في سلسلة تجاربٍ أُجريت لتحرير جينات الأجنّة البشرية. ويقول العلماء إن هذا النهج يَستخدم سلسلة مدهشة من الابتكارات.  فبدلًا من استبدال أقسام كاملةٍ من الجينات، قام الفريق – الذي يرأسه جونجو هوانج من جامعة صن يات-سِن في جوانزو بالصين - بتعديل حروفٍ أو قواعد مفردة من الحمض النووي، باستخدام تقنية للتحرير الجيني الدقيق، صُمِّمَت في الولايات المتحدة.

كما كان فريق هوانج هو أول من استخرج الطفرة المسؤولة عن حدوث مرضٍ "منحسِرٍ"، وهي طفرة يتسبب فيها وجود نسختين معيبتين من أحد الجينات. ولأنه سيكون من الصعب على الباحثين إيجاد عشراتٍ من الأجنّة المصابة بهذه الطفرة المزدوجة النادرة، تجاوَز الفريق هذه العقبة بتخليق نسخ جنينيّة من خلايا جلد المريض.

يقول شوكرات ميتاليبوف، المتخصص في عِلم الأحياء الإنجابية بجامعة أوريجون للصحة والعلوم في بورتلاند، الذي كان رائد استنساخ الأجنّة البشريّة (انظر: Nature 497, 295-296; 2013)، ويعمل على التحرير الجيني في الأجنّة: "كنت أفكِّر في سبب قيامهم بالاستنساخ، ثم قرأت البحث، وقلتُ في نفسي: رائع.. هذا مدهش. لم أكن لأفكِّر في أن أفعل هذا أبدًا".

وتم نشر ثماني دراسات عن التحرير الجيني في الأجنّة البشرية، حتى الآن، من مناطق مختلفة حول العالم، خَمْس منها خلال شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين فقط. ولم يسمح أيّ من باحثي هذه الدراسات للأجنة أن تنمو لأكثر من 14 يومًا. وقد كان لكلٍّ من هذه الدراسات أغراضٌ مختلفة، فبعضها تمّ لاختبار تقنيّات التحرير الجينيّ، والبعض الآخر لتحرير جيناتٍ مختلفة مرتبطةٍ بأمراض، وأخرى للكشف عن الآليّات الكامنة في مراحل النموّ الجنينيّ المبكرة. قاد فريق هوانج البحث الأول، الذي نُشِرَ في إبريل عام 2015، والذي استخدم فيه الباحثون المركّب الإنزيمي "كريسبر-كاس9" CRISPR-Cas9؛ لتشذيب الكروموسومات في مواقع معيّنة، واقتطاع الحمض النوويّ، واستبداله بمواد وراثية أخرى3.

وفي أحدث هذه الدراسات1، استخدم فريق هوانج "تحرير القواعد"، وهو تعديلٌ على تقنية كريسبر-كاس9، يُوَجِّه إنزيمًا معينًا إلى أكثر من تتابع جينيّ محدد؛ لكنه لا يقوم بقص الحمض النووي، بل يبطل إنزيم كاس9، ويربطه بإنزيمٍ آخر يمكنه استبدال أزواج قاعديّة منفردة في الحمض النووي. يتضح حتى الآن أنه يمكن لهذه التقنية أن تحوِّل قواعد الجوانين (G) إلى أدينين (A)، وقواعد السيتوزين (C) إلى ثيامين (T). وثمة مئات الأمراض الوراثية تسبِّبها التغيّرات في القواعد المفردة، أو ما يُسمَّى بـ"الطفرات النقطيّة"، ومن ثم فإن استخدام تقنيّة التحرير هذه في المرحلة الجنينيّة قد يساعد على درء الإصابة بهذه الأمراض.

اختار فريق هوانج طفرةً واحدة شائعة في الشعب الصينيّ، وهي تحوّل قاعدة الأدينين إلى جوانين في منطقةٍ معيَّنة من الجين HBB، ما قد يؤدي إلى الإصابة بمرض بيتا ثلاسيميا - وهو أحد أمراض الدم المنحسِرة - الذي يرتبط بالإصابة بدرجة شديدة أو مميتة من فقر الدم. عادة ما يحصل الباحثون على الأجنّة من عيادات التلقيح الصناعي (المعروف اختصارًا بـIVF)، لكن نادرًا ما يكون لدى هذه العيادات أجنّة تحمل نسختين من الطفرة النادرة نفسها. لذا بحث فريق هوانج عن شخصٍ مصابٍ بمرض الدم هذا، واستخلصوا بعضًا من خلايا جلده، واستخدموا تقنيات الاستنساخ؛ لتخليق أجنّة تحمل التركيب الوراثي نفسه.

"إن معدَّل الإصلاح جيِّد جدًّا، وهو يَعِد بالكثير بكلّ تأكيد".

يذكر أعضاء الفريق في بحثهم أنه من أصل عشرين جنينًا مستنسخًا، تمكَّنوا في ثمانية أجنة من تحويل قاعدة الجوانين مرة أخرى إلى أدينين في إحدى نسختيْ الجين، أو في كلتا النسختين (قد يكون إصلاح نسخةٍ واحدةٍ فقط كافيًا لعلاج مرضٍ منحسِرٍ). ومع أن ذلك المعدَّل يُعتبر أقلّ مما يسمح باستخدام هذه التقنية إكلينيكيًّا، إلا أنه معدلٌ عالٍ، مقارنةً بالمعدَّلات التي حققتها دراسات أخرى في التحرير الجيني. يقول جايتان بورجيو، المتخصص في عِلم الوراثة بالجامعة الوطنية الأسترالية في كانبرا: "إن معدَّل الإصلاح جيِّد جدًّا، وهو يَعِد بالكثير بكلّ تأكيد". ويقول هوانج: "تفتح دراستنا مسارات جديدة لعلاج مرض بيتا ثلاسيميا، وأمراض وراثيّة أخرى".

ويحذِّر العلماء من أنه لم يتمّ إصلاح جميع الخلايا في الأجنّة الثمانية. وتُعَدّ هذه الأجنّة أجنةً "فسيفسائية"، أي أنها تتضمن مزيجًا من الخلايا ذات التركيبات الجينيّة المختلفة، ما قد يشكِّل خطرًا. يقول ديتر إجلي، وهو عالِم الأحياء المتخصص في الخلايا الجذعية بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك: "يبدو هذا عملًا جيدًا، إلا أنه يبين أن مشكلة الفسيفسائيّة تظل تحديًا قائمًا أمام أي صورةٍ من صور التحرير الجيني في الأجنّة البشرية".

كما يتساءل بعض العلماء عما إذا كان فريق هوانج قد بحثوا بما يكفي في التغيرات الجينيّة غير المقصودة، ويُطلق عليها "الآثار غير المستهدفة"، التي ربما تكون قد حدثت بفعل عملية تحرير القواعد، رغم أن الباحثين قد ذكروا عدم عثورهم على أي من هذه التغيّرات.

يقول هوانج إن التجارب المستقبليّة ستكون أشمل، إلا أن هذه الدراسة الأولى كانت إثباتًا ناجحًا لمبدأ أنه يمكن استخدام تقنيّة تحرير القواعد لتصحيح طفرة مرضيّة في جنين بشري. ربما لا تتمكن تقنية كريسبر-كاس9 التقليديّة من إصلاح الأجنّة، إذا ما كانت نسختا الجين معيبتَين، إلا أن ذلك ما زال غير واضح. فعلى سبيل المثال، في شهر أغسطس الماضي، أعلن فريق ميتاليبوف4 استخدامهم تقنية كريسبر-كاس9 لإصلاح طفرةٍ في جين، يمكنها أن تؤدي إلى ظهور مرضٍ في القلب، قد يكون مميتًا، وذلك باستخدام نسخة الجين الأخرى السليمة، باعتبارها قالَبًا.

ويقول هوانج إنه يخطط مستقبلًا لطلب خلايا بيضيّة ونُطفية من متبرِّعين لديهم نسخةٌ واحدة طافرةٌ من الجين – فهم لا يتأثرون بالمرض، لكنهم حاملون له فقط - واستخدام هذه الخلايا لإنتاج أجنّة. بعض هذه الأجنّة سيكون حاملًا لنسختين طافرتين، وبعضها سيكون حاملًا لنسخةٍ واحدة، إلا أن هوانج يرغب في تحرير كِلا النوعين. ويطرح ذلك الفكرة الجدلية بأنّ التحرير الجيني يمكن استخدامه ليس فقط لمنع الإصابة بأمراضٍ شديدة، وإنما أيضًا لإزالة احتمال أن يصير الناس حاملين للمرض. يقول هوانج: "يمكن لتقنية تحرير القواعد أن تقوم بإصلاح الموقع الطافر، ومنع انتقاله إلى الجيل التالي".

 

References

  1. Liang, P. et al. Protein Cell http://dx.doi.org/10.1007/s13238-017-0475-6 (2017). 
  2. Komor, A. C., Kim, Y. B., Packer, M. S., Zuris, J. A. & Liu, D. R. Nature 533, 420–424 (2016). | article
  3. Liang, P. et al. Protein Cell 6, 363–372 (2015). | article
  4. Ma, H. et al. Nature 548, 513–519 (2017). | article