أخبار

ما زالت هناك أسرار لدى "كاسيني" لتُدْلِي بها

 صحيح أن المركبة الفضائية كاسيني قد ماتت، لكنْ يمكن لبياناتها أن تساعد في الكشف عن عُمْر حلقات كوكب زحل، ومصدر مجاله المغناطيسي.

ألكسندرا فيتز

  • Published online:
أعضاء فريق "كاسيني" يواسون بعضهم البعض أثناء تلاشي آخِر إشارة للمركبة الفضائية في الخامس عشر من سبتمبر الماضي.

أعضاء فريق "كاسيني" يواسون بعضهم البعض أثناء تلاشي آخِر إشارة للمركبة الفضائية في الخامس عشر من سبتمبر الماضي.

ROBYN BECK/AFP/GETTY IMAGES

في تمام الساعة 4:55 صباحًا بتوقيت كاليفورنيا في يوم 15 سبتمبر الماضي، وقف مئات العلماء يشاهدون مشروع حياتهم يحترق. فقد تفككت مركبة الفضاء "كاسيني" Cassini في الغلاف الجوي لكوكب زحل، في خطوة أخيرة لإنهاء المهمة؛ بهدف منْع المسبار من تلويث أيّ مِن أقمار الكوكب - ومِن بينها قَمَرَا "تيتان"، و"إنسيلادوس" - التي قد تحتوي على علامات لوجود حياة.

شملت الصور الأخيرة التي أرسلتها "كاسيني"  في الساعات التي سبقت موتها مَنظرًا تسلسليًّا، يظهر فيه القمر إنسيلادوس في أثناء غروبه خلف زحل، فضلًا عن صورة مقرّبة لبعض حلقات الكوكب.

ماتت إشارة الراديو الأخيرة للمركبة كما كان مقررًا، عندما دخل المسبار الغلاف الجوي للكوكب بسرعة حوالي 113,000 كيلومتر في الساعة، عند نحو 10 درجات تقريبًا شمال خط استواء زحل. وفي أثناء غوص كاسيني لتلقى مصيرها النهائي، أرسلت المركبة دفعة بيانات صادرة من مطياف الأيونات والكتل المحايدة، الخاص بها. تقيس هذه الأداة التركيب الكيميائي للغازات، وقد أتاحت للعلماء أول اتصال مباشر بالغلاف الجوي لكوكب زحل. ومن شأن تلك البيانات أن تكون "هي النتيجة الأكثر إثارة علميًّا" بين نتائج نهاية المهمة، كما يقول رالف لورينز، عالِم الكواكب بمختبر الفيزياء التطبيقية في جامعة جونز هوبكنز في لوريل في ميريلاند.

وعلى الأرجح، سوف تظهر اكتشافات عديدة حول أقمار زحل، وحلقاته، وتركيبه الداخلي خلال الأشهر القادمة. ففي الفترة بين شهر إبريل، وتوقيت موت المركبة، أتمت سلسلة من 22 دورة، سارت فيها بين الكوكب العملاق وحلقاته، وهو منظور لم يُلتقط من قبل.

في أثناء هذه الدورات، قام جهاز تحليل الغبار الكوني في المركبة - الذي حلَّل حجم الجسيمات الصغيرة وتركيبها - بقياس تركيب المادة الموجودة في حلقات زحل الرئيسة بشكل مباشر للمرة الأولى، كما يقول ساشا كيمبف، عالِم الفيزياء المتخصص في مجال الفضاء بجامعة كولورادو بولدر. ويضيف: "إن مجموعة البيانات ثرية ومدهشة، فترقبوا الآتي".

قد تتمكن بيانات الغبار من الإجابة على سؤال قائم منذ أمد بعيد، وهو: كم يبلغ عمر الحلقات؟ وبدراسة كيفية تساقط الغبار على الجسيمات الثلجية بالحلقات، وتلويثه إياها، يمكن للفريق تقدير عمرها. يرى بعض العلماء أن الحلقات تبلغ من العمر مليارات السنين، في حين يعتقد آخرون أن عمرها في حدود 100 مليون سنة، أو أقل. ويقول كيمبف إن فريقه من المفترض أن يتوصل إلى الإجابة على ذلك قريبًا، وأنّ من شأن معرفة ذلك أن تساعد الباحثين على تضييق الاحتمالات المطروحة لكيفية تكوُّن الحلقات.

تساعد قياسات الجاذبية التي قامت بها المركبة العلماء على تحديد معلومات أساسية أخرى بدقة. وعن طريق تحليل تأثير جاذبية الحلقات على "كاسيني" - وهي قوة يكون أفضل قياس لها عند اندفاع المسبار بين الحلقات والكوكب - يقوم الباحثون بتنقيح تقديراتهم لكتلة الحلقات، وكذلك كتلة لب الكوكب، كما يقول لوشيانو إييس، عالِم الكواكب بجامعة روما لا سابينزا.

وتعد كتلة الحلقات بمثابة وسيلة لإعادة التحقق من صحة حسابات أعمارهم؛ فكلما كانت كتلة الحلقات أكبر، كان عمرها أكبر. ومن خلال التحليل الأوَّلي لبيانات الدورات النهائية الكبيرة للمركبة، حصل إييس وزملاؤه على أفضل تقديراتهم للكتلة حتى الآن. يقول إييس: "لا يمكننا الإفصاح عن أيّ قيم الآن، ولكن هذا هو أول دليل لدينا على أنه في الغالب لم تتكوّن الحلقات مع الكوكب". وبمقارنة تلك النتائج مع تقديرات جهاز تحليل الغبار الخاص بالمركبة، يأمل الباحثون أن يتمكنوا من حسم مسألة عُمْر الحلقات بشكل نهائي.

 

لغز مغناطيسي

وبالفعل، توصَّل مقياس المغناطيسية الخاص بالمركبة "كاسيني" إلى بعض الاكتشافات غير المتوقَّعة. فقد اتضح أن محور دوران زحل ومحوره المغناطيسي متحاذيان بشكل شبه تام، كما تقول ليندا سبيلكر، عالمة مشروع البعثة بمختبر الدفع النفاث (JPL) الخاص بوكالة "ناسا" في باسادينا، في كاليفورنيا. وقد حيَّر ذلك الباحثين، حيث أشارت النماذج إلى ضرورة وجود انحراف طفيف على الأقل بين المحورين، كي يظل للكوكب مجال مغناطيسي.

"تشير النتيجة إلى أننا إلى الآن لا نفهم حقًّا بنية زحل الداخلية، وكيفية تولَّد دينامو الكوكب"، كما تقول ميشيل دورتي، عالمة الفيزياء المتخصصة في عِلْم الفضاء في كلية لندن الإمبراطورية. وهي تقدِّر أن الأمر سيستغرق من ثلاثة إلى ستة أشهر إضافية؛ لتحليل البيانات، وفَهْم ما تعنيه بالضبط.

وسوف يتطلب الوصول إلى اكتشافات أخرى محتملة أن يقوم الباحثون بجمْع كل مجموعات البيانات الصادرة من المركبة خلال مدة دراستها لكوكب زحل، التي استمرت 13 عامًا. ويشمل ذلك مشاهدة تغيُّر الكوكب وأقماره بمرور الوقت، مع العلم بأن سَنَة واحدة على زحل تعادل حوالي 29 سنة على كوكب الأرض. تقول بوني بوراتي، عالمة الكواكب بمختبر الدفع النفاث: "أمامنا نصف موسم كامل من التغيرات على زحل، وقمر تيتان؛ لدراسته".

ولَدَى فريق المركبة "كاسيني" تمويل يكفي لعام آخر؛ لاستخلاص مزيد من الأسرار من البيانات، لكنْ في الوقت الحالي لم تُقَرَّر عودة بعثات أمريكية إلى كوكب زحل، إلا إذا تمكَّن الباحثون من إقناع وكالة "ناسا"، أو وكالات فضاء أخرى بالعودة إلى هناك.