تعليقات

يبلغ تأثير العلماء ذروته حين ينعمون بِحُرِّية التنقل 

تقول كاسيدي آر. سوجيموتو وزملاؤها إن تحليلًا للتنقل العالمي للباحثين يُظْهِر أن تقييد حركة العلماء من شأنه أن يضرّ بالمنظومة العلمية بأكملها.

كاسيدي آر. سوجيموتو
  • Published online:
قياس التنقلات العالمية للباحثين سيساعد على تقييم آثار الإجراءات السياسية على العِلْم.

قياس التنقلات العالمية للباحثين سيساعد على تقييم آثار الإجراءات السياسية على العِلْم.

SPENCER PLATT/GETTY IMAGES

تنذِر الاضطرابات السياسية الأخيرة بحقبة تزداد فيها النزعة الانعزالية في ميدان العلوم، وهو الأمر الذي قد تكون له آثار سلبية خطيرة على التعاون البحثي، وقدرة العلماء على التنقل. ففي شهر سبتمبر الماضي، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حظر السفر الثالث خلال عام واحد، ليعلِّق دخول مواطني عدة دول إلى الولايات المتحدة، ويفرض قيودًا على تجديد تأشيرات كثيرين غيرهم. تسببت هذه الإجراءات في بقاء العلماء عالقين بالخارج، كما مَنَعَت مَن هم بداخل الولايات المتحدة مِن المشارَكة في أي فعاليات علمية دولية. وفي مارس الماضي، بدأت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي رسميًّا إجراءات قطْع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. ونتيجة لذلك، تواجه المؤسسات البحثية البريطانية احتمال حدوث هجرة جماعية للباحثين غير المقيمين، المنتمين إلى دول الاتحاد الأوروبي، ولذا، سيتحتم عليها التغلب على الكثير من العقبات، لتتسَنَّى لها المشاركة في مشروعات التعاون الأوروبية، أو الحصول على تمويل لها. وإضافة إلى ذلك، فإن قائمة الدول التي تتخذ مثل هذه الإجراءات الانعزالية — وقائمة الإجراءات نفسها — آخذة في الازدياد.

ولتقييم آثار هذه الإجراءات السياسية، فنحن بحاجة إلى طُرُق أفضل لقياس قدرة الباحثين على التنقّل. فبرغم أن حجم وتركيبة القوة العاملة في مجال العلوم ثابتة إلى حدّ ما، وهو ما يتم التعرف عليه من خلال الاستقصاءات والسجلات المحلية 1، فإن المعلومات المتوفرة عن وتيرة تنقُّل الباحثين، والوجهات التي يقصدونها، والشبكات التي يكوِّنونها، ومدى أهمية تحركاتهم على الأثر العلمي لعملهم أقل بكثير2

نستعرض هنا تحليلًا جديدًا، يستند إلى سجلات تضم 14 مليون ورقة بحثية، أعدّها قرابة 16 مليون شخص مميز، ونُشرت في الفترة ما بين عامي 2008، و2015. كشفت دراستنا أن حوالي 96% من الباحثين يرتبطون بجهة بحثية واحدة فقط؛ وقد صنفنا هؤلاء تحت بند "غير متنقِّلِين"، بينما أدرجنا حوالي 4% (أكثر من 595 ألف باحث) تحت بند "المتنقِّلِين"؛ بمعنى أنهم كانوا ينتمون إلى أكثر من جهة بحثية خلال تلك الفترة. وقد كشف تحليلنا عن نزعات مدهشة.

تفاعُل متسلسِل

خلال فترة الدراسة، فقدت أوروبا وآسيا أعدادًا كبيرة من الباحثين، في حين اجتذبت أمريكا الشمالية أعدادًا هائلة منهم. وأعرب الكثير من المعلِّقين عن انزعاجهم من "استنزاف العقول"، أو "استقطاب العقول"، على افتراض أن البلدان المُستقطِبة تحصد نصيب الأسد من الثروة العلمية على حساب البلدان التي نشأ فيها هؤلاء العلماء، غير أن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا من ذلك (انظر: "دوران العقول").

وجدنا أيضًا أن أغلب العلماء لم يقطعوا صلتهم ببلادهم الأصلية، وإنما بنوا سلسلة من الانتماءات البحثية، ربطت البلدان ببعضها، فيما عاد الكثير من الباحثين إلى أوطانهم. وبناء عليه، فإن "دوران العقول" ربما يمثل المصطلح الأنسب للإشارة إلى حركة العلماء المعاصرين 3.

وقد اضطلعت دول مختلفة بأدوار متباينة في دوران صفوة العلماء (أولئك الذين تحظى أبحاثهم بنِسَب اقتباس مرتفعة)، لكنْ بِغَضّ النظر عن أماكن وجود الباحثين، أو الدول التي يتوقفون بها خلال تنقُّلهم، أو الدول التي أتوا منها، فإنه في المتوسط تزيد معدلات اقتباس أعمال الباحثين المتنقلين بنسبة 40% عن الباحثين غير المتنقلين (انظر: معلومات تكميلية؛ جدول S7). ويتسبب غلق الحدود في تقييد حركة دوران هؤلاء العلماء المتميزين.

كبر الصورة
كبر الصورة

كبر الصورة

قصص عن المنشأ

تأخذ دراستنا بعين الاعتبار البلد المذكور عند إعلان الباحث عن الجهة البحثية التي ينتمي إليها لدى نشر ورقته البحثية الأولى، ونعدّ هذا البلد هو بلد النشأة العلمية (يجب عدم الخلط بين بلد النشأة العلمية، وبين بلد الميلاد). وبعد ذلك، نتتبع ما إذا كان الباحث قد انتقل أو أضاف مؤسسات جديدة ينتمي إليها في بلدان أخرى على مدى السنوات الثماني التي تغطيها هذه الدراسة.

تركِّز الفكرة التقليدية عن التنقل على الباحثين المهاجرين؛ أي هؤلاء الذين بدأوا نشر أبحاثهم في بلد ما، ثم انتقلوا إلى بلد آخر، ثم قرروا في وقت ما قَطْع علاقتهم بالبلد السابق. وقد شكلت هذه المجموعة أقل من ثلث الباحثين المتنقلين في دراستنا (27.3%، أو 162,519 باحثًا). أما النسبة الأكبر، فكانت من نصيب مَن نُطْلِق عليهم مسمَّى "مسافرين"؛ وهم العلماء الذين يظلون على اتصال ببلدان نشأتهم العلمية طوال حياتهم المهنية، في الوقت الذي يضيفون فيه المزيد من الارتباطات البحثية الدولية لأنفسهم (72.7%، أو 433,375 باحثًا). وما يقرب من نصف هؤلاء المسافرين "لا ينتمون إلى جهة واحدة"؛ أي أنهم كانوا ينتمون إلى أكثر من جهة بحثية في السنة الأولى للنشر، ويحافظون على انتمائهم إلى هذه الجهات في كل سنة من سنوات النشر.

تَكْشِف شبكات الدوران التي ترصد أعداد الباحثين وتدفُّقهم عن أهمية دور الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وكندا، وألمانيا كهمزات وصل بارزة في الشبكة العلمية العالمية (انظر: الشكل التكميلي S2). هذا، وسوف تترتب على انعزال هذه الدول عواقب وخيمة. ورغم أن المملكة المتحدة ليست لها صفة محورية بشكل خاص في هجرة الباحثين في نطاق دول الاتحاد الأوروبي، فإنها تؤدي دورًا بارزًا؛ إذ تمثل جسرًا يعبر عليه العلماء الأوروبيون إلى مناطق أخرى من العالم (انظر: الشكل التكميلي S2). وقد تتسبب السياسات الانعزالية التي تنتهجها المملكة المتحدة في تفكُّك هذه الشبكة على نحو يؤدي إلى إعادة توجيه العلماء عبر دول أخرى.

ويتجلى المزيد من الأنماط إذا نظرنا فقط إلى المهاجرين والمسافرين المنتمين إلى جهة واحدة ممن تنقَّلوا بين القارات وداخلها، ونشروا أول أبحاثهم في عام 2008، ونشروا ثماني ورقات بحثية على الأقل خلال فترة الدراسة. وبالطبع، يعني قصر فترة الدراسة أننا نركز على صغار العلماء، لكن الدراسة تتجنب الخلط بينهم وبين كبار العلماء الذين تختلف تحركاتهم وشبكاتهم على الأرجح.

ضمّت هذه المجموعة 12,064 باحثًا، تملك أوروبا أكبر حصة منهم (35%)، تليها آسيا وأمريكا الشمالية بنسبة الربع تقريبًا من كل بلد منهما (انظر: "التنقلات"). وتربط بين قارّتَي آسيا وأمريكا الشمالية علاقة وطيدة؛ إذ إن غالبية العلماء المتنقلين ممن تشير منشوراتهم الأولى في عام 2008 إلى انتمائهم إلى جهات بحثية بآسيا صارت لهم انتماءات بحثية في أمريكا الشمالية بحلول عام 2015، كما إن أكثر من ثلث العلماء المتنقلين من أمريكا الشمالية قد انتهى بهم المطاف في قارة آسيا. ويمكن تفسير هاتين النزعتين في ضوء الظاهرة الأساسية نفسها، المتمثلة في تدفق الطلاب الآسيويين إلى الولايات المتحدة (إذ ينشر بعضهم أبحاثه قبل وصوله إلى الولايات المتحدة، فيما ينشر آخرون أبحاثهم بعد ذلك)، وعودتهم لاحقًا إلى آسيا.

ونلاحظ أن أوروبا قد فقدت 22% من الباحثين، فيما فقدت آسيا 20%، وفي المقابل، حصدت أمريكا الشمالية حوالي 50% (انظر: الجدول التكميلي S4). وشكَّل العلماء الأوروبيون أكبر نسبة من العلماء المتنقِّلِين في كل بلد تقريبًا، باستثناء البلدان الآسيوية التي تستقطب أغلب باحثيها من أمريكا الشمالية (انظر: "تبادل العلماء").

ومن المثير للاهتمام أيضًا معرفة مدى مسؤولية بلدان معينة عن تقديم باحثين ذوي تأثير مرتفع، ورعايتهم؛ وهو ما يمكننا تقييمه عبر مراجعة نتائج الاقتباسات للباحثين المتنقلين، قبل انتقالاتهم وبعدها (انظر: "مخطط التنقل").

وتُعَدّ الدول الواقعة في أمريكا الشمالية وشمال أوروبا من أقوى الدول المنتِجة للباحثين؛ فهذه الدول تستثمر في الباحثين المتنقِّلِين الذين تحظى أعمالهم بنِسَب اقتباس كبيرة قبل تَنَقُّلهم. كذلك فإن الدول نفسها متميزة في الرعاية؛ إذ تتعرف على المواهب مبكرًا، وتوفِّر أرضًا خصبة للعلماء؛ لتحقيق أثر كبير فور وصولهم. كذلك فإن المناطق الآسيوية متميزة في الاستقطاب؛ إذ تجتذب إليها باحثين مرموقين، تحظى أعمالهم بنِسَب اقتباس مرتفعة، حتى قبل وصولهم. وتُعرف منطقة أوقيانوسيا بقدرتها على احتضان العلماء؛ إذ ينتسب إليها علماء يدركون ما لديهم من إمكانات هائلة، فور انتقالهم إليها.

يميل بعض مسارات الهجرة للارتباط بالعلماء الذين تحظى أعمالهم بأرقام اقتباس كبيرة. ويميل العلماء من أمريكا الشمالية ممن يحققون أعلى تأثير إلى الانتقال إلى شمال وغرب أوروبا، وبنسبة أقل إلى جنوب شرق آسيا. أما العلماء المتنقِّلون ذوو الأثر الكبير ممن ينتمون إلى شمال أوروبا، فتستقطبهم دول جنوب أوروبا؛ بينما تستقطب أوقيانوسيا وشرق آسيا العلماء المتنقلين ذوي الأثر الكبير ممن ينتمون إلى غرب أوروبا.

ويُنْتِج العلماء المتنقلون المنتمون إلى أوقيانوسيا أعمالًا بحثية ذات أثر كبير، حين يصلون إلى أمريكا الشمالية وجنوب أوروبا. أما العلماء الذين ينتمون إلى وسط وغرب آسيا (ومنهم علماء الدول التي حظرت الإدارة الأمريكية السفر إليها)، فقد حققوا أعلى معدلات اقتباس في الأبحاث التي أجروها في أمريكا الشمالية وأوروبا. ومن المرجح أن يتسبب حظر دخول العلماء المنتمين إلى هذه الدول إلى نزوح العلماء المتميزين إلى دول أخرى.

وبِغَضّ النظر عن المنطقة، فإن عملية التنقل بين الجهات البحثية تؤثر بالإيجاب فيما يتعلق بالاقتباسات. ففي كل المناطق، يحظى العلماء المتنقلون بنِسَب اقتباس أعلى لأبحاثهم، مقارنة بنظرائهم من الباحثين غير المتنقلين. وتتفاوت الميزة حسب المنطقة؛ إذ يحظى العلماء المتنقلون من أمريكا الشمالية بنسبة اقتباس تزيد فقط بمقدار 10.8% على زملائهم غير المتنقِّلِين، لكنْ في حالة علماء شرق أوروبا المتنقلين، يبلغ الفارق 172.8%.

 معايير التنقل

بالطبع تعاني طريقتنا من بعض أوجه القصور؛ إذ لا يمكننا الجَزْم بأن "بلد المنشأ الأكاديمي" يمثل بلد المَوْلِد، أو التدريب الأكاديمي، أو التوظيف الأكاديمي؛ فهي – أي طريقتنا - تبين فحسب متى بدأ الباحث في نشر الأبحاث، فإذا كان الباحثون من بعض الدول يفضِّلون عدم النشر في البداية في دورية مفهرسة في قاعدة بيانات "شبكة العلوم"، فإن معاييرنا ستقلل من قدر التنقل من هذه الدول. كما أن هؤلاء الذين يُعَدُّون "غير متنقلين" ربما يكونون "على وشك التنقل"؛ ما يعني أنهم لم ينتقلوا بعد. وإضافة إلى ذلك، فإن فحص أوراق بحثية خلال فترة أقل من العقد من الزمن، والتركيز على المقالات المنشورة في دوريات، ووضْع قيود على عدد من المنشورات قد ينطوي على تحيُّز إلى مجالات معينة في التحليل. كذلك فإن دراستنا لا تنظر إلى معدلات التنقل داخل كل دولة؛ ففي حالة البلدان الكبرى، مثل الولايات المتحدة، قد تكون لهذه المعلومات دلالة كبيرة.

القدرة على التنقل تزيد، وتتعقد، وتتعرض لتهديدات متزايدة.

وتبدو هناك حاجة ماسة إلى مؤشرات تَنَقُّل، تسهُل مقارنتها على المستوى الدولي، فيما يخص العاملين في ميدان العلوم، لا سيما في حقبة يزيد فيها التنقل، ويتعقَّد، ويتعرض لتهديدات متزايدة. إننا بحاجة إلى مؤشرات توفِّر تقييمات أكثر دقة وديناميكية عن عملية تبادُل رأس المال البشري، وأثر ذلك التبادل على الاقتصاد المعرفي، خاصة أن "المسافرين" - في تحليلنا - يمثلون غالبية العلماء المتنقلين. وتوفِّر هذه الدراسة نقطة بداية.

قد يحتجّ البعض بأن التعاون يمكن أن يستمر، حتى في حالة تقييد التنقل، لكنْ برغم التقدم الكبير في الحوسبة، فإن التعاون غالبًا ما يبدأ ويستمر من خلال التفاعلات الشخصية4. وهكذا، فإن تقييد القدرة على التنقل قد يؤثر بالسلب على المنظومة العلمية التي تعتمد - على نحو متزايد - على التعاون الدولي5.

إن إحداث خلل بالشبكة العلمية القائمة ستكون له آثار خطيرة على الكثير من الدول، ومن بينها الدول الأكثر إنتاجًا ورعاية للعِلْم، مثل الولايات المتحدة، فالولايات المتحدة تستفيد كثيرًا من مركزيتها في شبكة المعرفة العالمية، ومن الاستثمارات التعليمية من الدول الأخرى، كما إن إسهاماتها الرائعة هي - بدرجة كبيرة - من صنع باحثين وُلِدوا بالخارج، وتعلموا بالخارج6. كذلك فإن الانعزال قد يضر بالدول المستفيدة من دور الولايات المتحدة في الرعاية؛ فهي تستثمر في باحثين يَفِدون من آسيا، ومن دول أخرى، ثم يعودون إلى أوطانهم.

وثمة دول قد تجني بعض فوائد هذا، فالانعزالية التي تمارسها الدول المركزية قد تتمخض عنها مكاسب لدول أخرى منافِسة. على سبيل المثال، ارتفعت نسبة طلبات التقدم إلى الدراسات العليا في كندا، منذ تولِّي الإدارة الأمريكية الجديدة سدة الحُكم (انظر: go.nature.com/2fjc4i)، لكن إذا لم تتوفر القدرات العلمية الكافية في هذه الدول الأخرى، فإن الموهبة العلمية لن تحظى بالرعاية التي تحظى بها الآن. وإذا توفرت لدينا معايير ببليومترية دقيقة لقياس أثر التنقل، يمكننا أن نختبر آثار هذه التغيرات السياسية في العقود القادمة.

وثمة أمر واضح بالفعل، فالعلماء المتنقِّلون عالميًّا يمثلون أقلية، إلا أنهم أصحاب التأثير الأكبر حول العالم. ومن ثم، فإن تقييد حركة العلماء سيضر بالمنظومة العلمية بأكملها.

كاسيدي آر. سوجيموتو أستاذ مساعد في علم المعلومات بجامعة إنديانا في بلومنجتون بالولايات المتحدة، وهي أستاذ زائر في مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا بجامعة لايدن في مدينة لايدن بهولندا. Nicolas Robinson-Garcia, Dakota S. Murray, Alfredo Yegros-Yegros, Rodrigo Costas, Vincent Larivière.