افتتاحيات

أزهار وفيرة

ينبغي أن تتضافر جهود القائمين على الحدائق النباتية حول العالم؛ من أجل حفظ النباتات المعرَّضة لخطر الانقراض.

  • Published online:

في عام 1915، كتب أرثر هِل - المدير المساعد للحدائق النباتية الملكية في كيو - قائلًا: "ثمة ثلاثة أشياء حفزت الإنسان على مر العصور للسفر بعيدًا في جميع أنحاء الكرة الأرضية؛ وهي الذهب، والتوابل، والعقاقير". (A. W. Hill Ann. Missouri Bot. Gard. 2,185-240; 1915).

وتابَع هِل مؤكدًا أن التوابل والعقاقير كانتا الباعث على إنشاء بعض الحدائق النباتية الأولى. على مدار السنين، شهد هذا الاختصاص تحولًا وتوسعًا؛ حيث أفسحت مستودعات المواد الطبية والأعشاب القديمة المجال أمام مؤسسات كبيرة، مهمتها إسعاد الجماهير، وتثقيفهم، وشكَّلت - في الوقت ذاته - مركزًا لإجراء البحوث، وللحفظ البيئي.

في دراسة نُشرت في الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر بدورية "نيتشر بلانتس" Nature Plants، تم تسليط الضوء على ثمار هذه الجهود؛ حيث كَشَفَ مسح لـ1,116 مجموعة نباتية أن هذه المؤسسات تمتلك نباتات تمثل حوالي 30% من جميع أنواع النباتات في العالم (R. Mounce et al. Nature Plants http://dx.doi.org/10.1038/s41477-017-0019-3; 2017)، كما تستطيع  هذه الحدائق دعم درجة عالية من التنوع في مواجهة الضغوط المتزايدة لمضاعفة إيراداتها، ما يثبت مهارة العاملين في هذه المؤسسات.

ومع تعرُّض 20% من إجمالي التنوع النباتي في العالم لخطر الانقراض، أكدت الدراسة أيضًا أن ثمة مجال للتطوير عندما يتعلق الأمر بعمليات الحفظ. فعلى سبيل المثال، تشوب المجموعات التي شملتها الدراسة خلل في التوازن، إذ تنتمي 76% من الأنواع المفقودة إلى المناطق الإستوائية، بينما تُمثَل بالتأكيد أقل من 5% من النباتات اللاوعائية، مثل الطحالب. (ورغم أنه بإمكان بنوك البذور استعادة بعض من التوازن، فإنه لا يزال من الأفضل حفظ بعض الأنواع كعينات حية).

يعكس ذلك في بعض جوانبه عدم موضوعية البيانات، إذ لم تتضمن الدراسة سوى حوالي ثلث الحدائق النباتية في العالم، كما أن الحدائق ذات الموارد الأقل يقل احتمال أن تقوم بإرسال معلومات عن مجموعاتها النباتية إلى إحدى قواعد البيانات، إلا أن البيانات تشير أيضًا إلى أهمية تركيز جهود الحفظ على الأصناف المهملة.

وبالنظر إلى الموارد المحدودة، فإن أفضل طريقة للقيام بذلك هي تنسيق الجهود بين الحدائق النباتية. وبالفعل قامت بذلك حدائق حيوانات كثيرة منذ فترة طويلة. وفي عام 2011، وَحَّدَ مجتمع بحوث المحاصيل جهوده؛ من أجل المحافظة على الموارد الوراثية النباتية الضرورية للزراعة. كما تبنَّت الحدائق النباتية في جميع أنحاء العالم الاستراتيجية العالمية لحفظ النباتات، التي اعتمدتها اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع الحيوي في عام 2010. ولتحقيق هدف هذه الاستراتيجية في حماية 75% على الأقل من أنواع النبات المعرَّضة للخطر - المُدْرَجة ضمن المجموعات النباتية - بحلول عام 2020، يجب أن تتعاون الحدائق لهيكلة وتعزيز جهودها من أجل الحفظ.

وثمة أمارات على أن نهجًا كهذا في طريقه إلى الانطلاق؛ فالحدائق النباتية - رغم حالة الاستعلاء التي تتفشى فيها من حين إلى آخر - لديها تاريخ من التعاون، من شأنه أن يوفر تربة خصبة لتبنِّي نهج محدد الأهداف؛ موجه نحو الحفظ. لذا، يتعين على القائمين على هذه الحدائق الاضطلاع بدور إيجابي في حفظ النبات، وعدم الاقتصار على توعية الجماهير بأهمية ذلك. فمَن غير الحدائق يمكنها احتضان أكثر النباتات تطلبًا وصعوبة على مستوى العالم في ظروف إنباتها؛ لتنمو في أرض جديدة، أو أن تجبِر بذرة عنيدة على الإنبات؟

"تستطيع حدائق نباتية أكثر أن تسوِّق نفسها للجماهير كـ"حُمَاةٍ" لنباتات العالم".

مِن بين النماذج الجيدة لهذه الجهود، الاجتماع المزمع عقده في إبريل 2018، حيث سوف يلتقي خبراء في زراعة أشجار الرودودِنْدرون بالعاملين في الحدائق النباتية من مناطق في العالم تستضيف أنواع الرودودندرون المهدَّدة بالانقراض. ويمكن أن يُعتبر هذا الجهد بمثابة اختبار حالة مثالي للحدائق النباتية؛ فأشجار الرودودندرون من الأشجار العملاقة البديعة، إذ تحظى أزهارها الساحرة بتقدير البستانيين حول العالم، ما يعني أن حفظها محل اهتمام جماهيري. وفي الوقت ذاته، تتأثر هذه الأشجار تحديدًا بدرجة كبيرة بالتغيرات المناخية، وتفقد بذورها قدرتها – في أغلب الأحوال – على البقاء والنمو عند تخزينها؛ ما يجعل الزراعة الحية ذات أهمية خاصة.

ومع تدشين جهود من هذا النوع، تستطيع حدائق نباتية أكثر أن تسوِّق نفسها - بصورة منطقية - للجماهير كـ"حُمَاةٍ" لنباتات العالم، وأن تجذب الزائرين لمشاهدة ما فيها من أنواع نادرة. وقد نَفَّذَ القائمون على "حدائق كيو" ذلك بصورة رائعة؛ عندما أنقذوا نبتة زنبق الماء الرواندية الصغيرة (Nymphaea thermarum) من الانقراض في عام 2009، من خلال بذل جهود شاقة؛ لمعرفة كيفية إنبات بذورها. وقد شجعت الحملة الإعلامية عن هذا النبات الجماهيرَ على المجيء إلى الحديقة، ومشاهدة إحدى العينات المعدودات في العالم، التي لا تزال على قيد الحياة. (في هذه الحالة، ربما حققت هذه الاستراتيجية نجاحًا كبيرًا، إذ كان الجمهور متعطشًا بشدة لمشاهدة نبتة زنبق الماء، إلى درجةٍ جعلَتْ أحد اللصوص يسرق واحدة ويهرب بها في عام 2014).

مِن الممكن – بل ومِن الضروري - أن تُسَخِّر حدائق نباتية أكثر مهاراتها الفريدة؛ للعمل على حفظ التنوع النباتي. وقد تطورت بالفعل حدائق كثيرة، بحيث أصبحت أكثر بكثير من مجرد مجموعات من التوابل والعقاقير. وبالتنسيق الأفضل، يمكن لمزيد من هذه الحدائق تحقيق نجاح أكبر.