أنباء وآراء

علم الفلك: رؤية واضحة لأجواء نجمية مضطربة

رسم خريطة الحركة الديناميكية للغازات في الغلاف الجوي الخارجي لعملاق أحمر ضخم، ما يقدم أدلة بشأن الآلية الغامضة التي تتسبب في فقدان النجوم العملاقة لكتلتها، من خلال الرياح النجمية.

جيل إتش. شايفر
  • Published online:

تَفقِد النجوم التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بحوالي تسع مرات قدرًا ضخمًا من كتلتها على مدار حياتها، بسبب الرياح النجمية؛ تلك العملية التي توفر العناصر اللازمة لتكوين الأجيال التالية من النجوم، ولتشكيل الكواكب. في عدد دورية Nature الصادر في الأسبوع الثالث من شهر أغسطس، يعرِض أوناكا وزملاؤه1 أول خريطة ثنائية الأبعاد توضح سرعة الغازات عبر سطح نجم عملاق أحمر؛ وهو نجم هائل الحجم في مرحلة متأخرة من تطوُّره. تُبيِّن الخريطة تكتلات ضخمة من تيارات الغاز الصاعدة والهابطة في طبقة الغلاف الجوي الخارجية للنجم، وتشير كذلك إلى أن الحمل الحراري وحده لا يمكن أن يكون مسؤولًا عن رفع المواد بعيدًا عن أسطح النجوم العملاقة، مثلما كان يُعتقد في السابق.

درَس أوناكا وزملاؤه نجم قلب العقرب، وهو أكثر نجوم كوكبة العقرب سطوعًا (الشكل 1). يُعرف النجم بهذا الاسم بسبب لونه الأحمر، وموقعه في جسد حيوان العقرب الذي تتخذ الكوكبة هيئته. تُقدر كتلة قلب العقرب بحوالي 15 مرة أمثال كتلة الشمس، وهو على مشارف نهاية حياته. وعليه، فقد تطور إلى عملاق أحمر عظيم، تمددت2 طبقاته الخارجية نحو الخارج لتصل إلى نصف قطر بلغ 3.2 وحدة فلكية (الوحدة الفلكية الواحدة تعادل متوسط المسافة بين كوكب الأرض والشمس). ويعني هذا أنه لو كان هذا النجم يقع في مركز المجموعة الشمسية؛ لامتدت طبقاته الخارجية إلى ما بعد مدار كوكب المريخ بكثير. ويُعَدّ قلب العقرب واحدًا من أقرب العمالقة الحمراء إلينا، ما يجعله واحدًا من أكبر الأجرام التي يمكن مشاهدتها من على سطح الأرض من حيث الحجم الظاهري.

الشكل 1: قلب العقرب.

يظهر في الصورة العملاقُ الأحمر الضخم قلب العقرب، أكثر النجوم سطوعًافي كوكبة العقرب. يعرض أوناكا وزملاؤه1أول خريطة ثنائية الأبعاد، توضح سرعة الغاز عبر سطح قلب العقرب. وتكشِف الخريطة عن الحركات المضطربة للغاز في غلافه الجوي.

يظهر في الصورة العملاقُ الأحمر الضخم قلب العقرب، أكثر النجوم سطوعًافي كوكبة العقرب. يعرض أوناكا وزملاؤه1أول خريطة ثنائية الأبعاد، توضح سرعة الغاز عبر سطح قلب العقرب. وتكشِف الخريطة عن الحركات المضطربة للغاز في غلافه الجوي.

 Tony & Daphne Hallas/SPL

تتسم النجوم العملاقة الضخمة بوجود بقع ساخنة كبيرة على سطحها3، كما أن أغلفتها الجوية مُعقدة؛ فهناك مناطق تمتد إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف نصف قطر النجم، وتحتوي تلك المناطق على تكتلات من غاز ذرِّي ساخن (اكتُشِفَ من خلال قياس انبعاثات الأشعة فوق البنفسجية4)، وتحتوي - في الوقت ذاته - على غاز جزيئي أكثر برودة بكثير (اكتُشِفَ من خلال قياس انبعاثات الأشعة الراديوية، والأشعة تحت الحمراء القريبة2). وإذا نظرنا أبعد قليلًا باتجاه الخارج، نجد أن النجوم العملاقة الضخمة كثيرًا ما تكون محاطة بأغلفة كبيرة من الغبار6، يمكن أن تمتد إلى مسافات تزيد على 100 وحدة فلكية.

أحد التفسيرات الشائعة لتلك السمات هو أن خلايا الحمل الحراري الكبيرة - وهى كميات من المواد التي تتحرك بفعل تيار الحمل الحراري - ترفع الغاز بعيدًا عن سطح النجم7. وفيما تتحرك المواد بعيدًا، يمكن أن يتشكل الغبار في الطبقات الخارجية الأبرد، ويعصف به بعد ذلك الضغط الذي تمارسه الإشعاعات الكهرومغناطيسية للنجم6 لمسافات أبعد نحو الخارج. ومن ثم، فإن ذلك التدفق نحو الخارج يحمل معه الغاز بعيدًا، من خلال عملية تُعرف باسم "السَّحْب اللزج"، غير أن اختبار تلك الفرضية بمزيد من التفصيل يتطلب تقنيات، يمكنها قياس حركة الغاز في طبقات الغلاف الجوي أعلى سطح النجم بدقة مكانية عالية.

يُعَدّ الوصول إلى تلك الدقة لنجوم غير الشمس أمرًا عسيرًا؛ إذ يبعد نجم "قلب العقرب" 170 فرسخًا فلكيًّا (550 سنة ضوئية) عن كوكب الأرض8، كما أن قطره يكّون زاوية مقدارها 37.6 ملِّي ثانية قوسية فقط مع السماء. وقد تَغَلَّب أوناكا وزملاؤه على تلك المشكلة باستخدام تليسكوب "مقياس التداخل الكبير جدًّا"، الموجود في المرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي. وعلى نحو أكثر تحديدًا، استخدموا أداة تُدعى "آمبر" AMBER، تعمل على تجميع الضوء من تليسكوبات، يبلغ قُطر كل منها 1.8 متر، لتحاكي معًا تليسكوبًا يبلغ قطره الفعّال 82 مترًا؛ ونجحوا بذلك في توفير حوالي سبعة من عناصر الدقة - وهى أجزاء من الصورة، يمكن التمييز بين بعضها البعض - عبر سطح نجم "قلب العقرب".

قام الباحثون أيضًا بتوزيع الضوء؛ من أجل تسجيل خطوط طيف منفردة لجزيئات أول أكسيد الكربون في الغلاف الجوي العلوي لنجم "قلب العقرب". ولاحظوا أن الخطوط الطيفية لمواضع مختلفة على السطح النجمي كانت مُزَاحَة نحو اللون الأزرق، أو الأحمر بالنسبة إلى الخطوط الموجودة في الطيف الذي لم تعالَج دقته من الناحية المكانية؛ ويشير ذلك إلى أن الغاز كان يتحرك نحو سطح النجم، في حالة الإزاحة نحو اللون الأزرق، أو بعيدًا عنه، في حالة الإزاحة نحو اللون الأحمر. وعن طريق حساب سرعة الغاز من خطوط الطيف المُزَاحَة نحو الأزرق، والأحمر في مواضع مختلفة، تَمكَّن الباحثون من بناء صورة  "دوبلرجرام" ثنائية الأبعاد للنجم؛ وهى خريطة تُبيِّن أيًّا من أجزاء غلاف "قلب العقرب" الجوي العلوي يتحرك نحو سطح النجم، أو بعيدًا عنه. وبذلك، يصبح هذا هو أول "دوبلرجرام" أمكن الحصول عليه لنجم غير الشمس.

وقد كشف التحليل الذي أجراه أوناكا وزملاؤه للانبعاث المتصل من نجم "قلب العقرب" (وهو ذلك الجزء من الطيف، الذي يقع خارج خطوط الطيف) أن سطح النجم أملس في أغلبه، إلا أن الصور التي استُخلصت من داخل خطوط الطيف كشفت عن بقعتين متوهجتين كبيرتين على سطح النجم، كما كشفت عن غلاف جوي غير منتظم الشكل، يمتد إلى الخارج نحو 1.7 نصف قطر نجمي. وتشير خريطة السرعة التي وضعها الباحثون إلى أن تلك السمات غير المتماثلة هى تدفُّق من جزيئات الغاز، التي ترتفع وتهبط مرة أخرى إلى أسفل نحو سطح النجم بسرعات تصل إلى 20 كيلومترًا في الثانية.

وقد جرى الاستدلال على حركة الغاز في الأغلفة الجوية للنجوم العملاقة الحمراء الضخمة سابقًا من خلال القياسات الطيفية، التي لم تُعالج فيها الدقة المكانية لسطح النجم9، وكذلك من خلال شرائح أحادية البعد، مأخوذة لسطح النجم، جرت معالجة دقتها المكانية2,10. وتكشف الرؤية الشاملة التي حققها أوناكا وزملاؤه أن حركة الغاز على هذا النحو تشبه الحركة الناجمة عن تيارات الحمل الحراري، ولكن الكثافة المرصودة وامتداد الغلاف الجوي الخارجي أكبر بكثير مما تتنبأ به نماذج الحمل الحراري الخاصة بالنجوم الضخمة حاليًّا. ويشير ذلك إلى أن السيناريو القائل برفع المواد عن السطح بفعل تيارات الحمل الحراري ليس كاملًا، وأنه، بلا شك، ثمة آلية إضافية مؤثرة تسهم في رفع الكمية المرصودة من المواد لتلك الارتفاعات التي نراها فوق سطح النجم. فعلى سبيل المثال، قد تكون الإشعاعات المنبعثة من النجم تمارس ضغطًا على الجزيئات، بالإضافة إلى ذلك الذي تمارسه على الغبار، بحيث يتشكل الغبار على نحو أقرب إلى النجم مما كان متوقعًا، ومن المحتمل أيضًا أنه ينبغي تضمين تأثير الدوران والمجالات المغناطيسية في نماذج الحمل الحراري11.

يُعَدّ عمل أوناكا وزملائه مجرد لمحة خاطفة لخريطة السرعة الخاصة بنجم "قلب العقرب". ومع ذلك، ثمة أدلة2,10 على أن حركة الغاز في الأغلفة الجوية للنجوم العملاقة الضخمة يمكن أن تتغير بشكل كبير على مدار فترة سنة. ربما أصبح من الممكن الآن تتبُّع تلك الحركات بمرور الوقت؛ لرصد كيفية تشكُّل تكتلات الغاز، وكيفية تحرُّكها بعيدًا عن سطح النجم. وإضافة إلى ذلك، إذا أمكن تطبيق تقنية "أوناكا" وفريقه على خطوط الطيف لذرات وجزيئات بخلاف أول أكسيد الكربون - التي توجد على أعماق مختلفة من الغلاف الجوي للنجوم العملاقة الضخمة - فمِن شأنها أن توفر رؤية ثلاثية الأبعاد للحركات في الغلاف الجوي التي يمكن أن تساعدنا في التعرف على القوة الدافعة للرياح النجمية.

ويُعَدّ اكتشاف القوة الدافعة أمرًا مهمًّا، لأن من شأنه أن يحسِّن فهْمنا لكيفية تأثير فقدان الكتلة على تطور النجوم العملاقة12. وتلك النجوم تلعب دورًا كبيرًا في علم الفلك؛ فالكتلة المفقودة من خلال رياحها النجمية - بالإضافة إلى انفجارات السوبرنوفا في نهاية حياتها - تُثري الغازات الموجودة بين النجوم بالعناصر الكيميائية التي يتم إنتاجها في قلب النجوم العملاقة. وتصبح تلك العناصر هي اللبنات الأساسية للكواكب التي ستتشكل حول الأجيال القادمة من النجوم. وإضافة إلى ذلك، فإن السطوع الشديد للنجوم العملاقة والتوهج الشديد المصاحب لانفجارات السوبرنوفا، يعنِيان أنه يمكن استخدامهما كمجسات لدراسة بنية النجوم في المناطق البعيدة من الكون، وبيئتها، وتاريخ تشكلها. ولكي نفهم ذلك، ينبغي أن نكون قادرين على نمذجة كيفية تطوُّر النجوم العملاقة على مدار حياتها بدقة.

References

  1. Ohnaka, K., Weigelt, G. & Hofmann, K.-H. Nature 548, 310–312 (2017). | article
  2. Ohnaka, K. et al. Astron. Astrophys. 555, A24 (2013). | article
  3. Tuthill, P. G., Haniff, C. A. & Baldwin, J. E. Mon. Not. R. Astron. Soc. 285, 529–539 (1997). | article
  4. Gilliland, R. L. & Dupree, A. K. Astrophys. J. 463, L29–L32 (1996). | article
  5. Lim, J., Carilli, C. L., White, S. M., Beasley, A. J. & Marson, R. G. Nature 392, 575–577 (1998). | article
  6. Marsh, K. A., Bloemhof, E. E., Koerner, D. W. & Ressler, M. E. Astrophys. J. 548, 861–867 (2001). | article
  7. . Schwarzschild, M. Astrophys. J. 195, 137–144 (1975). | article
  8. van Leeuwen, F. Astron. Astrophys. 474, 653–664 (2007). | article
  9. Cassinelli, J. P. Annu. Rev. Astron. Astrophys. 17, 275–308 (1979). | article
  10. Ohnaka, K. et al. Astron. Astrophys. 529, A163 (2011). | article
  11. . Arroyo-Torres, B. et al. Astron. Astrophys. 575, A50 (2015). | article
  12. Smith, N. Annu. Rev. Astron. Astrophys. 52, 487–528 (2014). | article

جيل إتش. شايفر تعمل في مرصد "تشارا آراي" بجامعة ولاية جورجيا، ماونت ويلسون، كاليفورنيا 91023، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: schaefer@chara-array.org