أنباء وآراء

رياضيات: منبوذ يجد مأوى

يُعتبر "المنبوذون" pariahs لبنات أساسية لفرع من الرياضيات، يُطلق عليه "نظرية الزُّمَر". ولم يكن يبدو أن هناك علاقة تربطهم بالفيزياء وغيرها من مجالات الرياضيات، لكنْ تم مؤخرًا اكتشاف وجود هذه العلاقة.

تيري جانون
  • Published online:

فكرة الزمرة هي في صميم مجال الرياضيات؛ فهي ببساطة مجموعة من الإجراءات، يُطلق عليها اسم "عناصر". وعلى سبيل المثال، يشكل تناظر مثلث متساوي الأضلاع زمرة من ستة عناصر (ثلاثة انعكاسات، وثلاثة دورانات)، ويشكّل خلط 52 ورقة كوتشينة زمرة تحتوي على حوالي 6710Χ8 عنصر (وهي الأساليب المختلفة التي يمكن ترتيب الأوراق بها). وإذا كان هناك أمر جوهري في مجال الرياضيات، فإنه عادة ما يكون جوهريًّا أيضًا في مجال الفيزياء. وبالفعل، تُعتبر زمرة "لورنتز" هي في صميم نظرية النسبية الخاصة لآينشتاين، وتعد زمرة القياس هي أساس النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات1. إلا أن هناك زُمَرًا معينة، يُطلق عليها اسم "المنبوذين" أو pariahs، كان يُعتقد أن ليس لها صلة بعالَم الفيزياء، لكنْ في بحث نُشر مؤخرًا بدورية "نيتشر كوميونيكيشنز" Nature Communications، كتب دنكان وزملاؤه2 عن اكتشاف صلة من هذا النوع، ما قد تكون له انعكاسات على مجالي الرياضيات، والفيزياء.

يتم تحديد نقاط على مساحة مسطّحة، من خلال الإحداثيين "س" و"ص" الخاصين به. ولأن هذين الإحداثيين هما بمثابة زوج من الأرقام، يمكن الإشارة إلى المسطح بأنه ثنائي النطاق space-2. وبالمثل، يمكننا أن نتحدث عن شيء ثلاثي النطاق (إذا أدرجنا بُعْدًا ثالثًا)، ورباعي النطاق (إذا أدرجنا الزمن أيضًا)، وهكذا. ويمكن للزمر العمل على نطاق بعدد n-space)n)، حيث n هو أي عدد بين 1، واللانهاية، من خلال إعادة قياس النقاط مثلًا، أو تدويرها، أو عكسها. هذه الإجراءات أو العناصر - المعروفة بأنها أشكال تمثيل - مفهومة جيدًا، وقابلة للحوسبة، وهي تبرز في العديد من مجالات الرياضيات والفيزياء. على سبيل المثال، كل جسيم في فيزياء الطاقة العالية يقابله تمثيل لزمرة "لورنتز"2.

يفكر البشر بشكل اختزالي؛ إذ نتمكن من فهم شيء معقد من خلال مكوّناته الأساسية. فمثل تجميع وتركيب مكعبات "ليجو"، يمكن الحصول على زمرة كبيرة عن طريق تجميع وتركيب زُمَر أصغر (وعادةً أبسط). نقوم بذلك من خلال وضع الزمر الأصغر جنبًا إلى جنب، ثم السماح لها بالاتصال مع بعضها البعض، من خلال اتصال أحادي الاتجاه، ما يماثل تركيب سنون أحد مكعبات "ليجو" في الجانب السفلي لمكعب آخر. والمثال النموذجي لذلك هو جمع أعداد متعددة الأرقام، فعند جمع 27 و45، نقوم أولًا بجمع 7 و5 في عمود واحد؛ لنحصل على العدد 12، ثم "ننقل" الرقم 1 ونجمعه مع الأعداد 2 و4 في العمود الثاني. وبذلك، فنكون قد قمنا بتركيب نسختين مما يُعرف باسم زمرة الجَمْع "مودولو 10"، (نسخة واحدة لكل عمود)، مع حدوث اتصال أحادي الاتجاه، عن طريق عملية "نقل" الرقم.

ومثلما يمكننا كتابة أي عدد كمضروب من أعداد أولية (على سبيل المثال، 60 = 22 × 3 × 5)، يمكننا أيضًا كتابة أي زمرة على شكل تركيب لما يُطلق عليها "زُمَر بسيطة". يمكن اختزال نظرية الزُّمَر – إلى حد ما - في فهم الزمر البسيطة (مكعبات ليجو)، والطرق المختلفة التي يمكن تركيبها بها. كان من بين الإنجازات العظيمة في مجال الرياضيات في القرن العشرين تحديد القائمة الكاملة للزمر البسيطة، التي تحتوي على عدد محدود من العناصر3. كل هذه الزمر تقريبًا تنتمي إلى واحدة من 18 "عائلة لانهائية"، فعلى سبيل المثال، تتكون الزمرة البسيطة رقم n في إحدى العائلات من نصف الطرق التي يمكن بها ترتيب عدد n من أوراق اللعب، إلا أن هناك أيضًا 26 زمرة معزولة، يُطلق عليها اسم "المتفرّقات".

يتعلق عمل دنكان وزملائه بهذه المتفرّقات. أكبرها يُعرف بـ"الوَحْش"، أو the monster، إذ يحتوي على حوالي 5310Χ8 عنصر3، وجميع المتفرّقات الأخرى، ما عدا 6. يُطلق على الستة الباقين مِزاحًا اسم "المنبوذين" أو pariahs. كان من الممكن أن يكون كل متفرّق مفصولًا تمامًا عن جميع مجالات الرياضيات والعلوم الأخرى؛ لكن "الوَحْش" يلعب دور مهم؛ فأشكال تمثيله تظهر في الدالات القياسية4.

تُعَدّ الدالات القياسية بالنسبة إلى الأعداد المركبة كالدّالات الدورية – مثل جيب الزاوية (sine)، وجيب تمام الزاوية (cosine)- إلى الأعداد الحقيقية. (الأعداد المركبة هي كميات، يُعَبَّر عنها في صورة a + bi، حيث a وb عددان حقيقيان، وi هو الجذر التربيعي الموجب للرقم -1). وبشكل أدق، يمكن تصوُّر المنحنيات القائمة على الأعداد المركبة على أنها سطوح، والدالات في معظم المنحنيات المعقدة دالات قياسية. وقد أُطلق على ملاحظة أن دالات قياسية معيّنة يتم بناؤها من أشكال تمثيل "الوحش" اسم monstrous moonshine، أو "ثرثرة وحشية".

وقد كان هذا الاكتشاف غير متوقع تمامًا، إذ يفسر علماء الرياضيات في الوقت الحاضر الوجود الفعلي لهذه الملاحظة من خلال اقتراح أن هناك نظرية مجال كَمِّي ثنائية الأبعاد، ترتبط بنظرية الأوتار، وتناظرها هو "الوحش". تَظهر الدالات القياسية بشكل طبيعي في نظرية الأوتار، ويرجع ذلك – جزئيًّا - إلى كون الأوتار تتتبع السطوح في أثناء تحركها. ففي عام 1998، حصل عالِم الرياضيات ريتشارد بورشيردز على ميدالية "فيلدز"، وهي تُعتبر أعلى تكريم في مجال الرياضيات؛ لإسهامه في هذا العمل5 (وَرَدَ وَصْف القصة في المرجع 6).

على مر السنين، تم اكتشاف ملاحظات أخرى من هذا النوع (moonshines)، تربط زمر متفرّقات أخرى بدالات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالدالات القياسية. وعلى سبيل المثال، تنطوي ملاحظة "ثرثرة ماثيو"Mathieu 7moonshine على زمرة متفرّقة يطلق عليها البعض الزمرة الأكثر تميزًا على الإطلاق، إذ إنها تبرز في العديد من السياقات المختلفة. ويبدو أن كل هذه الملاحظات ترتبط بنظرية الأوتار، إلا أن الكيفية المحددة للارتباط تظل غامضة. والمهم أن أيًّا منها لم يتضمن المنبوذين. ما حمل علماء الرياضيات على الاعتقاد في أنه من المحتمل أن يكون هؤلاء منبوذين حقًّا، وذلك مثل مكعبات "ليجو"، التي تبدو غريبة جدًّا، حتى إنها لا تكون مناسبة تمامًا.

واستنادًا إلى عملهم السابق8، اكتشف دنكان وزملاؤه صلة بين أشكال تمثيل إحدى الزمر المنبوذة – تُسمَّى زمرة "أونان"O’Nan group) 9) - ونظرية المنحنيات البيضاوية، وهي منحنيات معقدة، تتخذ شكل سطوح كعك "الدونَت". لدى زمرة "أونان" حوالي 1110Χ5 عنصر9، وهو ما يقترب من المتوسط بالنسبة إلى زمرة منبوذة. وتعطي أشكال تمثيلها أشكالًا قياسية (ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالدالات القياسية)، تحتوي على معلومات معقدة حول المنحنيات البيضاوية.

أما ملاحظة "moonshine"، التي اكتشفها دنكان وزملاؤه، فلها نكهة مختلفة نوعًا ما عن نكهة الاكتشافات السابقة، حيث مِن الصعب - على وجه الخصوص - رؤية صلة ممكنة بنظرية الأوتار. ولذلك، لا يزال الدور الذي تقوم به زمرة "أونان" في الطبيعة غير واضح. وإضافة إلى ذلك، فإن العلاقة المحددة بين أشكال تمثيلها والمنحنيات البيضاوية تحتاج إلى المزيد من الإيضاح. ويثير اكتشاف الباحثين أيضًا مسألةَ ما إذا كانت هناك ملاحظات من النوع نفسه (moonshines) للمنبوذين الآخرين، أم لا، ولكنْ سيتطلب ذلك المزيد من البحث.

من الصعب دائمًا قياس أهمية نتيجة رياضية، من دون الإدراك المتأخر، الذي يأتي بعد مرور سنوات عديدة عليها، إلا أن دنكان وزملاءه قد أشاروا إلى باب جديد. ولا نستطيع أن نجزم إنْ كان مدخلًا إلى خزانة جديدة، أم منزلًا، أم عالمًا كاملًا، لكن النتائج بالتأكيد غير متوقعة، ولن ينظر أحد إلى المنبوذين بتلك النظرة القديمة بعد ذلك. 

References

  1. Weinberg, S. The Quantum Theory of Fields Vol. 1 (Cambridge Univ. Press, 2005). 
  2. Duncan, J. F. R., Mertens, M. H. & Ono, K. Nature Commun. 8, 670 (2017). | article
  3. Elwes, R. Plus Mag.; https://plus.maths.org/content/enormous-theorem-classification-finite-simple-groups (2006).
  4. Conway, J. H. & Norton, S. P. Bull. Lond. Math. Soc. 11, 308–339 (1979). | article
  5. Borcherds, R. E. Invent. Math. 109, 405–444 (1992). | article
  6. Gannon, T. Moonshine Beyond the Monster (Cambridge Univ. Press, 2006).  
  7. Eguchi, T., Ooguri, H. & Tachikawa, Y. Exp. Math. 20, 91–96 (2011). | article
  8. Duncan, J. F. R., Mertens, M. H. & Ono, K. Preprint at https://arxiv.org/abs/1702.03516 (2017). 
  9. O'Nan, M. E. Proc. Lond. Math. Soc. 3rd Ser. 32, 421–479 (1976).

     | article

تيري جانون يعمل في قسم العلوم الرياضية، جامعة ألبرتا، إدمنتون، ألبرتا T6G 2G1، كندا.

البريد الإلكتروني: tgannon@math.ualberta.ca