أنباء وآراء

نمذجة السرطان: الخطوة التالية للارتقاء 

زراعة خلايا ورمية للمرضى في الفئران، لإنتاج نموذج للتحليل، ولاختبار الأدوية. ووضع توصيف شامل لمجموعة من النماذج الخاصة بالأورام الصلبة في الأطفال، وإتاحته مجانًا.

مارك إيه. موراكامي، وديفيد إم. واينستوك

  • Published online:

أعاق شُحّ العينات الورمية المتاحة ونماذج الفئران دراسة السرطانات النادرة. وقد مَكَّنَت التطورات الحديثة زرع الخلايا الورمية البشرية في الفئران التي تعاني من نقص المناعة، بنسبة نجاح عالية. ففي بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، قَدَّم ستيوارت وزملاؤه1 تحليلًا شاملًا للأورام الصلبة في الأطفال، التي زُرِعت ونمت في الفئران، وأظهروا كيف يمكن استخدام هذه النماذج، للتوصل إلى العلاجات المستهدفة المحتملة للأشخاص المصابين بسرطانات نادرة.

يلاقي أقل من 20% فقط تقريبًا من الأطفال المصابين بالسرطان في الولايات المتحدة حتفهم بسبب المرض2، ويرجع ذلك - بشكل رئيس - إلى توليفات فعالة بدرجة مذهلة من العلاج الكيميائي. وَضَعَت هذه النظم العلاجية استنادًا إلى اختبارات إكلينيكية تجريبية وتراكمية مهمة. إلا أن المبدأ المقبول لدينا ولدى سوانا من علماء بيولوجيا السرطان هو أن الاكتشاف العلمي الأساسي وحده يمكنه أن يفضي إلى تطورات جذرية. وثمة حاجة إلى علاجات أفضل من تلك المتاحة حاليًّا؛ للتقليل من سميّة العلاج طويلة الأمد إلى أدنى حد ممكن بين الأطفال المصابين بالسرطان، ولكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الأطفال المصابين بالسرطان يتلقون خدمة جيدة نسبيًّا بالعلاجات المتاحة، مقارنة بالبالغين. ووفقًا لما ورَد عن المعهد الوطني الأمريكي للسرطان، يقل معدل الوفيات السنوي الناجمة عن السرطان في الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 20 سنة، بما يعادل 300-500 مرة عن معدّلها في الأشخاص الذين تجاوزوا سن الخامسة والستين.

وثمّة مبدأ آخر مقبول على نطاق واسع أيضًا، وهو أن هناك حاجة إلى مزيد من الأنظمة النموذجية غير باهظة الثمن، التي تسهل معالجتها، وتلتقط بدقة الجوانبَ المميزة للأورام البشرية؛ من أجل تحسين فهْمنا للسرطان؛ واستهدافه. وفي هذا الصدد، فإن توفُّر فئران تعاني من نقص المناعة، وتفتقر إلى الخلايا التائية والبائية، والخلايا القاتلة الطبيعية3، وتمتلك بالتالي قدرة محدودة على رفض الأورام البشرية، قد جعل من السهل إنماء أورام بشرية في هذه الفئران؛ لتوليد ما يُعرف بالطُّعم الأجنبي الورمي المأخوذ من المرضى (ويُسمى اختصارًا PDX). يمكن تحضير أعداد كبيرة من هذه النماذج بسهولة، كما يمكن تجميد الخلايا الورمية التي تنمو في الفئران، ثم إذابتها في وقت لاحق؛ لإعادة زرعها في فئران أخرى. ويمكن أيضًا استخدام الخلايا الورمية للإنماء سويّ الموضع، ويُقصد به إنماء الخلايا في جزء أنسجة الفئران المماثلة لتلك التي أُخذ منها الورم البشري. ويمكن تعديل الخلايا وراثيًّا؛ للتعبير عن جزيئات تتيح تتبُّعها داخل الجسم، كما يمكن تعديل الفئران، بحيث تتضمن سمات البيئة المصغرة المحيطة بالورم البشري4.

ذَوَتْ غالبية الطعوم الأجنبية الأولية المأخوذة من المرضى في المختبرات الفردية، أو الهيئات التجارية. ومع مرور الوقت، أخذ يتضح أكثر فأكثر أنه على الرغم من أن تلك الطعوم تقدِّم بعض المزايا التي تتفوق بها على الخطوط الخلوية المزروعة في المختبر، أو النماذج الاعتيادية للفئران، التي تنمي نسخة من الورم البشري داخل فأر، فإن لها عيوبها الكبيرة، فمثلًا، عندما تُحقن فئران مختلفة بأجزاء من عينة الورم نفسها، تستطيع الطعوم الأجنبية تلك - الآخِذة في النمو - أن تحمل تغيرات جينية وواسمات من سطوح الخلايا، وأنماطًا نسخية5 مختلفة بشكل كبير. كما يمكن لسلالة الفئران المستخدَمة في عملية زرع الطعوم أن تؤثر بشكل كبير على بيولوجيا هذه الطعوم5. وهكذا، فكل فأر يحتضن طُعمًا أجنبيًّا من هذا النوع يُعتبر نموذجًا فريدًا، يُعرف وفقًا لظروف التجربة. وكثيرًا ما يُطرح السؤال التالي على المتخصصين في هذه الطعوم الأجنبية: "هل هذه النماذج هي الأورام الأصلية نفسها؟" والجواب هو: لا. إن السؤال عن كونها هي نفسها الأورام الأصلية يشبه السؤال الذي يحمله عنوان رواية فيليب ديك "هل تحلم الروبوتات بخرفان آلية؟" Do Androids Dream of Electric Sheep? (دبلداي، 1968)؛ فالسؤال يخلط – بطريق الخطأ - بين التوقعات الزائفة للطبيعة، والطبيعة نفسها.

تأتي الفائدة الكبرى لتلك الطعوم الأجنبية - حتى الآن على الأقل - من السهولة النسبية لتوليدها. إذ يمكن الآن دراسة العديد من السرطانات النادرة، التي لا تتوفر لها فئران مهندَسة وراثيًّا، أو خطوط خلوية في المختبر، وذلك باستخدام الطعوم الأجنبية الورمية المأخوذة من المرضى. كما تم توليد تلك الطعوم من أورام أشخاص مصابين بمرض مقاوِم للعلاج؛ ما قد يساعد على نمذجة السرطانات التي تَستعصِي على العلاج، التي يتم تقييمها عادةً في التجارب الإكلينيكية المبكرة6،4. وقد أجريت التجارب العلاجية التي تحاكي المرحلة الثانية من الدراسات المجراة على البشر باستخدام 20 نموذجًا - أو أكثر - من الطعوم الأجنبية الورمية المأخوذة من المرضى. ويمكن لهذه الدراسات أن تعطي وصفًا للتغاير في الاستجابات للأدوية عبر نماذج متعددة، وتوجّه تطوير الفحوص المختبرية التي تتوقع الاستجابة العلاجية، وتنتقي الخلايا النادرة في الورم، التي تنمو داخل الجسم في أثناء العلاج الدوائي7،6.

وثمة الآن مستودعات عديدة تضم مئات - أو ربما آلاف - الطعوم الأجنبية الورمية المأخوذة من المرضى، التي تمثل مجموعة واسعة من الأورام، وكانت قد وُلِّدت من مرضى عُولجوا بالعلاج الكيميائي، أو بالعوامل المستهدفة. العديد من هذه المستودعات مصادر مفتوحة (أي تتوفر فيها النماذج مجانًا)، بما فيها أكثر من400  طُعم أجنبي من الأورام الصلبة من البالغين8، و300 ورم دموي من الأطفال والبالغين6، فضلًا عن أعداد كبيرة أعدّتها اتحادات أخرى9. وقد ولّد ستيوارت وزملاؤه أكثر من 60 نموذجًا للطعوم الأجنبية تلك، الخاصة بالأورام الصلبة في الأطفال، ضمن عملهم، كجزء من مجموعة تُعرف باسم "شبكة الأورام الصلبة في الأطفال".

ويقدم ستيوارت وزملاؤه مجموعة بيانات ضخمة بشكل مدهش، حيث قام الباحثون بإنماء 148 عينة من 15 نوعًا من الأورام إنماءً سويّ الموضع، وأفادوا بتحليل 1,173 شريحة تحتوي على عينات خلوية، تمت دراستها باستخدام تقنيات كيميائية هيستولوجية مناعية، و102 تسلسل للجينوم الكامل لطعوم أجنبية ورمية مأخوذة من المرضى، و102 نمط نسخي. كما أشار الباحثون أيضًا إلى تسلسل واسع مستهدَف للحمض النووي بالمناطق الجينومية ذات الأهمية، وحللوا تسعة تعديلات مختلفة لبروتينات الهيستون الرابطة للحمض النووي. وقد استخدموا المجهر الإلكتروني، كما وَلَّدوا خطوطًا خلوية لخمسة أنواع من أورام الطعوم الأجنبية المأخوذة من المرضى. ورصدت شاشة اختبار العقاقير الخاصة بهم أكثر من 500 ألف نقطة قياس. وقد تضمّن تقريرهم عما قاموا به داخل الجسم: هندسة وراثية لخطوط خلوية متعددة لطعوم أجنبية مأخوذة من المرضى، من أجل وَسْم الخلايا لتصويرها، ودراسة على الفئران؛ للبحث في ضبط جرعات العلاج بالعقاقير، ودراستين للفعالية على الفئران؛ للبحث في تجريع الأدوية المتعددة. ومن شأن مجموعة بيانات واسعة كهذه أن توفِّر العديد من الفرص للباحثين في هذا المجال؛ لمتابعة البحث في التغيرات الجينية، والبصمات النسخية، وحساسيات العقاقير التي حددها ستيوارت وزملاؤه.

وسيتطلب تحقيق أقصى فائدة من الاكتشاف باستخدام نماذج الطعوم الأجنبية تلك مستوى غير اعتيادي من الشفافية، والمعايرة، وإتاحة الوصول. وباعتبارنا مسؤولين عن تمويل البحوث، وأبطالًا بالنسبة إلى الأفراد المصابين بالسرطان، يجب ألا نقبل بأقل من ذلك. وقد أتاحت شبكة الأورام الصلبة في الأطفال نماذجها مجانًا، ومن بينها تلك التي وصفها ستيوارت وزملاؤه، ووزعتها بالفعل على أكثر من 120 باحثًا في 11 بلدًا. ومن المفترض أن تساعد الأساليب التي وضعها ستيوارت وزملاؤه المراكز الأخرى على إجراء أنواع مماثلة من الدراسات. والخطوة التالية للارتقاء بالمجال، ستتمثل في تشكيل اتحاد أكبر من المستودعات، يوائم بين توصيف النموذج، والتوزيع، والبنية التحتية لقاعدة البيانات (الشكل 1).

الشكل 1 | نماذج ورمية لسرطانات الأطفال. 

أعلن ستيوارت وزملاؤه1 عن توليد وتحليل نماذج فئران لعدد من أنواع سرطان الأطفال. زرع الباحثون خزعات ورمية مأخوذة من مرضى في فئران تعاني من نقص المناعة، وتتقبل بسهولة الأنسجة البشرية؛ لتوليد نماذج للطعوم الأجنبية المأخوذة من المرضى (PDX). وقد وضعوا توصيفًا لهذه النماذج باستخدام تقنيات متعددة، من بينها الفحص المجهري، وتحليل تسلسل الحمض النووي، واختبروا العقاقير في فئران زُرع فيها بعض نماذج الطعوم الأجنبية تلك. جمّدت عينات من الخلايا الورمية لتلك الطعوم الأجنبية، بحيث يمكن إذابتها فيما بعد، وزرْعها في فئران أخرى؛ بغرض تحليلها في المستقبل. أنتجت مجموعات أخرى أيضًا نماذج لتلك الطعوم الأجنبية من أنواع مختلفة من الأورام البشرية8،6. والخطوة الأساسية التالية في هذا المجال هي إنشاء مستودع مركزي، متاح لإدارة ومشاركة البيانات المستقاة من دراسات الطعوم الأجنبية تلك من مجموعات مختلفة. وهناك حاجة إلى مثل هذا النهج؛ لتسهيل التقدم في تحديد الأساليب العلاجية التي يمكن اختبارها في التجارب الإكلينيكية.

أعلن ستيوارت وزملاؤه1 عن توليد وتحليل نماذج فئران لعدد من أنواع سرطان الأطفال. زرع الباحثون خزعات ورمية مأخوذة من مرضى في فئران تعاني من نقص المناعة، وتتقبل بسهولة الأنسجة البشرية؛ لتوليد نماذج للطعوم الأجنبية المأخوذة من المرضى (PDX). وقد وضعوا توصيفًا لهذه النماذج باستخدام تقنيات متعددة، من بينها الفحص المجهري، وتحليل تسلسل الحمض النووي، واختبروا العقاقير في فئران زُرع فيها بعض نماذج الطعوم الأجنبية تلك. جمّدت عينات من الخلايا الورمية لتلك الطعوم الأجنبية، بحيث يمكن إذابتها فيما بعد، وزرْعها في فئران أخرى؛ بغرض تحليلها في المستقبل. أنتجت مجموعات أخرى أيضًا نماذج لتلك الطعوم الأجنبية من أنواع مختلفة من الأورام البشرية8،6. والخطوة الأساسية التالية في هذا المجال هي إنشاء مستودع مركزي، متاح لإدارة ومشاركة البيانات المستقاة من دراسات الطعوم الأجنبية تلك من مجموعات مختلفة. وهناك حاجة إلى مثل هذا النهج؛ لتسهيل التقدم في تحديد الأساليب العلاجية التي يمكن اختبارها في التجارب الإكلينيكية.

كبر الصورة
قَدَّم ستيوارت وزملاؤه إسهامًا مهمًّا في نمذجة السرطان بشكل عام، ونمذجة الأورام الصلبة في الأطفال بشكل خاص. وهم يقدمون واحدًا من أكثر مستودعات الطعوم الأجنبية المأخوذة من المرضى، الموصوفة بشكل شامل حتى الآن. هذا، وسوف تخدم مجموعات البيانات الشاملة التي بنوها الباحثين في جميع أنحاء العالم، ونأمل أن تجلب ثقافة السخاء والمشارَكة، التي ستعود بالنفع على الجميع.

References

  1. Stewart, E. et al. Nature 549, 96–100 (2017). | article
  2. Smith, M. A., Altekruse, S. F., Adamson, P. C., Reaman, G. H. & Seibel, N. L. Cancer 120, 2497–2506 (2014). | article
  3. Shultz L. D. et al. J. Immunol. 174, 6477–6489 (2017). | article
  4. Aparicio, S., Hidalgo, M. & Kung, A. L. Nature Rev. Cancer 15, 311–316 (2015). | article
  5. Klco, J. M. et al. Cancer Cell 25, 379–392 (2014). | article
  6. Townsend, E. C. et al. Cancer Cell 29, 574–586 (2016). | article
  7. Byrne, A. T. et al. Nature Rev. Cancer 17, 254–268 (2017). | article
  8. Gao, H. et al. Nature Med. 21, 1318–1325 (2015). | article
  9. . Kaiser, J. Science http://dx.doi.org/ 10.1126/science.aag0653 (2017). | article

مارك إيه. موراكامي، وديفيد إم. واينستوك يعملان في قسم طب الأورام، معهد دانا فاربر للسرطان، بوسطن، ماساتشوستس 02215، الولايات المتحدة الأمريكية. ديفيد إم. واينستوك يعمل أيضًا في معهد برود التابع لمهعد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفرد، بوسطن.

البريد الإلكتروني: dweinstock@partners.org