أخبار

جبل جليدي يكشف منظومةً بيئيةً سرية

يسارع علماء الأحياء إلى دراسة البيئة الحياتية المكتشَفة تحت الجرف الجليدي "لارسن سي" في القارة القطبية الجنوبية، قبل أن تتغير. 

جو مارشانت
  • Published online:
الجبل الجليدي المنفصل يماثل حجمه مساحة ولاية ديلاوير.

الجبل الجليدي المنفصل يماثل حجمه مساحة ولاية ديلاوير.

Copernicus Sentinel-1 via BAS

يسارع علماء الأحياء إلى زيارة منطقة كُشف عنها حديثًا في المحيط الجنوبي، فور توفُّر شروط السلامة في الإبحار إلى هناك. فقد انفصل واحد من أكبر الجبال الجليدية المعروفة عن الجرف الجليدي "لارسن سي" في شبه الجزيرة القطبية الجنوبية في شهر يوليو الماضي. ومع ابتعاده وتحرُّكه إلى داخل بحر "وِدِل"، يكشف مساحة من قاع البحر، تبلغ 5,800 كيلومتر مربع، كان الجليد يحجبها لفترة تصل إلى 120 ألف سنة. وإذا استطاع الباحثون الوصول إلى تلك المنطقة بسرعة كافية؛ فستتاح لهم الفرصة لدراسة النظام البيئي الموجود في الأعماق، قبل تَغَيُّره بفعل فقدان الجليد.

يقول يوليان جوت، عالِم البيئة البحرية في معهد ألفريد فيجنر للأبحاث القطبية والبحرية في بريمرهافن في ألمانيا: "لا يمكنني تصوُّر وجود تحوُّل أكبر من هذا في الظروف البيئية في أي نظام بيئي على كوكب الأرض".

من الصعب على العلماء المتخصصين في دراسة القارة القطبية الجنوبية الاستجابة بسرعة للأحداث المفاجئة، إذ إن السفن المُجَهَّزة للأبحاث القطبية تتطلب عادة حجزًا مسبَقًا قبل الموعد بعدة أشهر، إنْ لم يكن سنوات. وقد تَحَدَّد بالفعل موعد لبعثة بحثية ألمانية، يقودها بوريس دورشيل، رئيس قسم قياس الأعماق البحرية في "معهد ألفريد فيجنر"، لزيارة منطقة لارسن. وسوف تتضمن البعثة مسحًا للتنوع الحيوي في المنطقة المكشوفة حديثًا، وذلك في مارس عام 2019.

وجدير بالذكر أن آمال الوصول إلى هذه المنطقة في موسم الصيف الحالي بالقطب الجنوبي معلَّقة على هيئة المسح البريطانية للقطب الجنوبي (BAS) في كامبريدج. وقد شرعت الهيئة في تقديم طلب عاجل مدفوع بحدث انفصال الجليد، قادته كاترين لينس - عالمة أولى بالهيئة، متخصصة في التنوع الحيوي - لإرسال سفينة بحثية في مطلع عام 2018. وينظر أحد مجالس التمويل البريطانية الطلب الآن. كما يدرس باحثون من كوريا الجنوبية ما إذا كانوا سيقومون بتحويل مسار بعثة مخطَّط لها لجزر شيتلاند الجنوبية، أم لا، حسب قول هيونج شول شين، عالِم أحياء المحيطات في المعهد الكوري للبحوث القطبية في إنتشون.

وإذا ما نجح مقترَح هيئة المسح البريطانية للقطب الجنوبي؛ ستكون هذه هي المرة الأولى التي يتمكن فيها علماء الأحياء البحرية من استكشاف منظومة بيئية كهذه بسرعة، بعد انفصال الجبل الجليدي. انفصلت أجزاء قريبة من الجرف الجليدي في "لارسن إيه." في عام 1995، وفي "لارسن بي." في عام 2002، لكنْ مضت سنوات عديدة قبل أن يتلاشى الجليد البحري تمامًا من المحيط، ويتمكن علماء الأحياء من زيارة المنطقة بأمان. كان جوت هو أول مَن وصل إلى هناك، وقام بمسح تفصيلي، قائدًا لفريق من حوالي 50 عالِمًا على متن السفينة البحثية الألمانية "بولارشتيرن" Polarstern في عام 2007. قامت البعثة بجمْع عيِّنات لمئات الكائنات الموجودة في المناطق التي كَشَفها الانفصال في الجرفين الجليديين "لارسن إيه."، و"لارسن بي."، ورصدوا علامات تشير إلى نظام بيئي فريد، يحتوي على أنواع أكثر من الكائنات التي تعيش في المياه العميقة من أي مكان آخر في الجرف القاري بالقارة القطبية الجنوبية (J. Gutt et al. Deep-Sea Res. II 58, 74–83; 2011)، إلا أنه كانت هناك أنواع أخرى من الكائنات تتحرك للداخل بالفعل، ومنها الكيسيات البحرية سريعة النمو، وسَمَك الكريل، وحيتان المِنْك. تقول لينس: "وبحلول ذلك الوقت، كان الكثير قد حدث".

وبخلاف التوقعات، أظهرت مقاطع الفيديو التي التقطها علماء فيزياء الأرض في إحدى رحلات برنامج القطب الجنوبي الأمريكي في موقع "لارسن بي." في مارس عام 2005 أن أغلب قاع البحر مغطَّى بحصيرة بيضاء، فسَّرها العلماء بأنها طبقة من الميكروبات الآكلة للكبريت، بالإضافة إلى نوع من المحار الكبير، كيميائيّ التغذية، أي يتغذى على مصادر أخرى للطاقة، بخلاف الشمس. وكان ذلك هو أول ذِكر لنظام بيئي كيميائي التغذية في القطب الجنوبي، ولكنْ عندما وصلت سفينة "بولارشتيرن" بعد ذلك بعامين، لم يشاهد فريق جوت سوى أصداف المحار الميتة، وطبقة من المواد النباتية المتحللة، والرواسب.

مِن المقرر أن يناقش علماء الأحياء الأولويات البحثية لجرف "لارسن سي."، والمناطق التي سيُكشف عنها في المستقبل في اجتماع سيقام في المختبر الساحلي والبحري التابع لجامعة ولاية فلوريدا، في سانت تيريزا، في الثامن عشر والتاسع عشر من شهر نوفمبر الحالي. وفي الوقت نفسه، ينتظر فريق لينس أن يعرف مصير طلب البعثة، الذي قدمته هيئة المسح البريطانية للقطب الجنوبي، بينما يراقب الجبل الجليدي عن طريق صور القمر الصناعي. تقول أثينا دينار، المتحدثة الرسمية باسم الهيئة: "ننتظر أن تدفع الرياح الجبل الجليدي إلى الخارج بعض الشيء، وتزيح الجليد البحري من الداخل".