أخبار

الأردن يختبر أساليب للحفاظ على المياه

مع ازدياد شح موارد المياه في البلاد الصحراوية، يتعاون العلماء في العمل على مشروعات تستهدف الحفاظ على استمرار تدفقها.

إيمي ماكسمِن، أم الجِمال، الأردن

  • Published online:
يرأس بيرت دي فريس مشروعًا لتجديد منظومة مياه قديمة بالقرب من بلدة أم الجِمال بالأردن.

يرأس بيرت دي فريس مشروعًا لتجديد منظومة مياه قديمة بالقرب من بلدة أم الجِمال بالأردن.

NEIL BRANDVOLD FOR NATURE

على مدار قرون طويلة مضت، كان ما يُسمى الآن "الأردن" من أكثر مناطق العالم جفافًا. واليوم، تعاني موارد البلاد المائية من الشح أكثر من أي وقت مضى، فالآبار نضبت، والمياه الجوفية تتعرض للتلوث بشكل متزايد، كما تتسرب المياه من الأنابيب القديمة. وأدى تدفق اللاجئين إلى زيادة الأزمة، حيث تضخم عدد سكان الأردن من 5.9 مليون نسمة في عام 2006 إلى 9.5 مليون في عام 2016.

يقل متوسط كمية المياه المتاحة سنويًّا لكل شخص عن 150 مترًا مكعبًا، أي ما يساوي واحدًا على الستين من الكمية المتوفرة للفرد في الولايات المتحدة. لذا.. فإن الباحثين - الذين يتوقعون أن يزداد الوضع سوءًا مع ارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض مستويات هَطْل الأمطار مع التغير المناخي - يأتون إلى الأردن من أجل التعاون في أعمال البحث والتطوير في تكنولوجيا المياه.

"إذا استطعنا بناء منظومات تعمل في الأردن؛ فإنها سوف تعمل في جميع البلدان الأخرى".

يقول سامر طلوزي - خبير المياه بجامعة الأردن للعلوم والتكنولوجيا في إربد - إن الأردن أصبح منصة اختبار دولية، بسبب التحديات البيئية، والبنيوية، والاجتماعية، التي تواجه موارده المائية. ويقول: "إذا استطعنا بناء منظومات تعمل في الأردن؛ فإنها سوف تعمل في جميع البلدان الأخرى".

لكن ليست جميع التكنولوجيات التي يجري تطويرها في الأردن جديدة. ففي شهر أغسطس الماضي، أُعيد انتخاب حسن فهد الرحيبة، رئيس بلدية أم الجِمال الأردنية، وذلك بعد تعهده بإعادة تجديد خزانات المياه، التي بناها العرب منذ زمن قد يصل إلى سنة 90 ميلادية. فيما مضى كانت أمطار وسيول الشتاء القادمة من الجبال في سوريا، على امتداد 10 كيلومترات نحو الشمال، تتدفق عبر قنوات إلى خزانات صخر البازلت، التي تخزِّن المياه خلال مواسم الصيف الحارة. حافظ الناس على تلك المنظومة طوال 800 سنة، خلال العهود الرومانية، والبيزنطية، والإسلامية، إلى أن هُجِرت البلدة تقريبًا في سنة 900 ميلادية. واليوم، يَعتمِد أولئك الذين يعيشون حول آثار البلدة القديمة اعتمادًا كليًّا تقريبًا على الآبار العميقة التي حُفِرت بعد عام 1990. وهم يشتكون من ملوحة مياه الآبار، الواضحة من رائحتها وطعمها.

يسترجع الرحيبة - رئيس البلدية – إحدى أمسيات شهر نوفمبر عام 2015، بعدما قام علماء آثار ومهندسون بالانتهاء من تجديد أول خزان من الخزانات الأصلية، وهو حوض مستطيل، تساوي مساحته مساحة أربعة أحواض سباحة أوليمبية. ويقول: "قبل منتصف الليل بساعة واحدة تقريبًا، بدأ الماء في التدفق إلى الخزان، وسهرت إلى وقت متأخر من الليل أشاهده".

استمر المشروع هذا الصيف تحت إشراف بيرت دي فريس، عالِم الآثار لدى كلية كالفن في جراند رابيدز بميشيجان. وضع مهندسون من "معهد المياه النظيفة" - التابع للكلية - مخططات لتحديد أيٍّ من القنوات تمرِّر الكمية الأكبر من مياه السيول. ويتوقع الرحيبة أن توفِّر المنظومة بعد اكتمالها 10% من الموارد المائية اللازمة لاستهلاك حوالي 4 آلاف نسمة في محيط تلك الآثار. ويقول دي فريس: "لقد غدا من الواضح أنه إذا لم يَعُد الناس للاعتماد بعض الشيء على المياه السطحية؛ فإن المياه سوف تنضب، وسوف تجف المزارع".

في عام 2012، تنبأ تقرير أصدرته وكالات الاستخبارات الأمريكية بأن نقص المياه، إلى جانب الفقر، والاضطرابات الاجتماعية، والهيئات السياسية الضعيفة، يمكن أن تؤدي كل تلك الأمور مجتمِعة إلى صراع في الشرق الأوسط. ولم يكن ذلك أول تحذير من هذا النوع. فقد أنفقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أكثر من 700 مليون دولار أمريكي منذ عام 2000، لتطوير تكنولوجيا المياه في الأردن، وذلك من أجل درء تلك النتيجة.

يختار الباحثون العمل في الأردن، بدلًا من مناطق قاحلة أخرى، وذلك بسبب استقراره السياسي الجغرافي، والدعم الذي توفره الحكومة الأردنية. قضى طلوزي هذا الصيف في تعليم العاملين في القطاعين الحكومي والخاص كيفية استعمال برنامج للنمذجة، يعود إلى مشروع مياه الأردن، وهو تجمُّع دولي من الباحثين، متمركز في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا. يأخذ البرنامج في الحسبان مجموعة من العوامل، منها نمو المدن، وأسعار المياه؛ من أجل اتخاذ قرارات بشأن إصلاح - أو استبدال - البنية التحتية للمياه، وتحديد التوسُّعات التي قد تلوِّث المياه الجوفية، وعلى سبيل المثال.. مخيم لللاجئين، أو مقلب للنفايات. يقول طلوزي: "في السابق، كانت ثمة برمجيات لإدارة المياه وفقًا لمؤشرات فيزيائية، مثل هَطْل الأمطار، والسيول السطحية، وكفاءة المنظومة، إلا أننا كنا نريد برمجيات لا تتعرف على العناصر الفيزيائية فقط، بل تشمل الإجراءات التنظيمية التي تحكم تلك المنظومات، وتأخذ في الحسبان العوامل الاقتصادية".

ويتعاون طلوزي أيضًا مع علماء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج في العمل على تكنولوجيا للري بالتنقيط منخفض الضغط، تتصف باستهلاكها المنخفض للماء، وتتطلب حوالي نصف الطاقة اللازمة لتقنية الري بالتنقيط المألوفة. وقد اختبر الفريق التكنولوجيا التي أتوا بها في مزارع الزيتون، والحمضيات، والرمان خلال هذا الصيف، وهم يخططون الآن لإنشاء نسخة أخرى منها في السنتين القادمتين، تُغذَّى بالطاقة الشمسية.

كما يتعاون "مركز هلمهولتز لبحوث البيئة" في لايبزيج بألمانيا مع الحكومة الأردنية؛ لاختبار المرافق الصغيرة المختصة بمعالجة مياه الصرف بالترشح في التربة، التي يمكن أن تقلل التسريب وعدم الكفاءة اللذين يحدثان في المصانع الكبيرة، واللذين يمكنهما أن يؤديا إلى تلوث المياه الجوفية القريبة. ومِن شأن تأمين موارد المياه في الأردن أن يفيد ألمانيا أيضًا، كما يقول رولاند مولر، عالِم التكنولوجيا الحيوية في مركز هلمهولتز، الذي يضيف قائلًا: "بشكل ما، بدأ تدفق اللاجئين السوريين إلى ألمانيا عندما لم تتمكن المخيمات في الأردن من احتوائهم".

ويقول طلوزي إن الدولة قد تستفيد من المنظومات القديمة الموجودة في البتراء، وأم الجِمال، وتخزن مزيدًا من مياه الأمطار، وإنْ كانت تلك القنوات وحدها لا تستطيع تلبية احتياجات السكان الحاليين. ويضيف قائلًا إن المهاجرين ليسوا السبب الوحيد في نقص المياه، "فالأردنيون يرغبون في الذهاب إلى المتجر على مدار السنة؛ لشراء التفاح، والطماطم، والخس، لا أكل القمح والشعير فقط".

أما بالنسبة إلى دي فريس، فتمثل إعادة إحياء الأطلال في أم الجِمال رسالة تذكير مشجعة بأن الناس قد استطاعوا البقاء، رغم الظروف القاسية، وذلك بفضل براعتهم. ويقول: "مع تعاقُب الحضارات على هذه الأرض، وُجد أن الشيء الذي بقي ثابتًا عبر الزمن هو إعادة استخدام منظومة المياه، والاعتماد عليها. لم يكن الناس في الأزمان القديمة رجعيين، بل كانوا أذكياء، واخترعوا تقنية يمكننا إعادة إحيائها".

  
قام بتمويل رحلة إعداد هذه المقالة "مركز بوليتزر لإعلام الأزمات".