تحقيق إخباري

جهود الصين الحثيثة من أَجْل أطفال أصحاء

حملة لزيادة التشخيص الوراثي قبل زَرْع الأجنة، قد تمهِّد الطريق أمام البلاد؛ للقضاء على أمراض معينة.

ديفيد سيرانوسكي
  • Published online:
العيادات الصينية تَستحدِث طرقًا جديدة؛ لإجراء الاختبارات على الأجنّة.

العيادات الصينية تَستحدِث طرقًا جديدة؛ لإجراء الاختبارات على الأجنّة.

Andy Wong/AP/REX/Shutterstock

إن قضاء بعض الوقت مع تشياو جي ليس بالأمر السهل؛ ففي الساعة السابعة والنصف صباحًا، يغلِق صفُّ الانتظار مدخلَ مركز الخصوبة الذي تديره، بل ويمتد 80 مترًا في الشارع، في الوقت الذي يعمل داخل هذا المركز فريق يضم 50 طبيبًا تقريبًا، يناقشون النتائج الأخيرة، بينما تنشغل تشياو جي - أخصائية الخصوبة، ومديرة مستشفى بكين الثالث بجامعة بكين - باستشارة في الصباح الباكر.

وحين تظهر تشياو أخيرًا، تعكف على الموضوع الذي يشغلها، وهو نشر الوعي بالتشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة (preimplantation genetic diagnosis (PGD، تلك العملية التي تساعد الأزواج الذين يُجْرُون عملية إخصاب أنبوبي  (IVF)  على تفادي الطفرات الوراثية المسبِّبة للأمراض والإعاقات لدى الأطفال. ترفض تشياو عادةً طلبات المقابلات الصحفية، إلا أنها تشعر بالقلق إزاء عدم إلمام الناس بمسألة التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة بسرعة كافية، وتقول: "لقد صرنا في الوقت الراهن نستطيع منع الكثير من الأمراض؛ وإنْ لم يكن ذلك على الفور، ففي الجيل بعد التالي".

لقد بدأت التجارب المبكرة توضح أن تقنيات التعديل الجيني مثل "كريسبر" CRISPR قد تؤدي في يوم من الأيام إلى إصلاح الطفرات المسبِّبة للأمراض قبل زرع الأجنة، إلا أن تحسين التقنيات، والحصول على الموافقة التنظيمية سيستغرقان سنوات. وقد ساعد التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة بالفعل الآلاف من الأزواج. وفي حين يتسم توسع التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة في جميع أنحاء العالم بالبطء بوجه عام، فإنه ينتشر انتشارًا هائلاً في الصين.

إنّ الظروف هناك مهيأة؛ إذ تمثل الأمراض الوراثية وصمة عار كبيرة، ولا يحصل ذوو الإعاقة إلا على قدر ضئيل جدًّا من الدعم، وتكاد لا توجد أي حساسيات دينية أو أخلاقية ضد التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة. كذلك رَفَعَت الصين بعض القيود التي كانت مفروضة على عدد أفراد الأسرة، وشهدت ارتفاعًا لاحقًا في علاجات الخصوبة بين الأزواج الأكبر سنًّا. كما بدأت الفحوص الوراثية أثناء الحمل؛ لاكتشاف التشوهات الكروموسومية المرتبطة بأعمار الأمهات في جميع أنحاء البلاد. ويرى الكثيرون أن هذا مؤشر على التوسع في استخدام التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة.

ورغم أن أطباء الخصوبة الصينيين تأخروا في تبنِّي هذا الإجراء، إلا أنهم يسعون إلى استخدامه هناك على نحو أكثر جرأة وشمولية ومنهجية، مقارنة بأي مكان آخر في العالم. وعلى مدار العقد الماضي، عززت الحكومة المركزية للبلاد - المعروفة بتفكيرها طويل الأجل - الجهود الرامية إلى تقديم رعاية صحية عالية الجودة للمواطنين، كما أن لديها خطة خمسية حالية، يحظى فيها الطب الإنجابي - بما في ذلك التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة - بالأولوية، وتلك هي الجهود التي تقودها تشياو. ويتولى الباحثون تحديد طفرات متنوعة بين المواطنين الصينيين، يمكن البحث عنها في عمليات التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة. وتعمل مجموعات البحوث الإكلينيكية القوية، والمجهزة تجهيزًا جيدًا - بما في ذلك مجموعة تشياو - على تكثيف جهودها من أجل تحسين التكنولوجيا المستخدمة، وزيادة الوعي، وخفض التكاليف.

ورغم صعوبة الحصول على أرقام شاملة، فإن تقديرات كبار مزودي خدمة التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة تشير إلى أن إيقاع استخدام الصين لهذه التقنية يفوق الولايات المتحدة لها، ويكاد يصل إلى خمسة أضعاف. وتُجْرِي عيادة تشياو وحدها عمليات تشخيص وراثي قبل زرع الأجنة في السنة الواحدة، تزيد عما تجريه المملكة المتحدة كلها.

يقول كانجبو شو، عالِم الأحياء التناسلية في كلية طب وايل كورنيل في مدينة نيويورك، المولود في الصين: "بالنظر إلى التطور الذي شهدته الصين على مدار السنوات العشر الماضية، أرى أنه يمكنهم البدء في التفكير في إمكانية التخلص من هذه الأمراض نهائيًّا".

إن هذه الجهود المنهجية تثير أسئلة شائكة لدى أخصائيي أخلاقيات علم الأحياء. فالبعض متخوف من أن يؤدي السعي للقضاء على الإعاقة إلى تقليل قيمة أصحاب الإعاقات الفعليين، كما أن تكلفة هذه العملية وإمكانية الحصول عليها تثير مخاوف بشأن إسهام السمات الوراثية في زيادة اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. هذا.. بالإضافة إلى وجود مخاوف بشأن الضغط لاختيار سمات لا صلة لها بالأمراض، مثل الذكاء، أو القدرة الرياضية. يلوح في الأفق شبح تحسين النسل الموجود دائمًا. وعلى الرغم من مراعاة هذه المخاوف في الصين، إلا أن التفكير منصَبّ على فوائد تلك العمليات. وعن ذلك تقول تشياو: "إنني أقرّ بأن هناك قضايا أخلاقية، إلا أن القضاء على المرض أمر مفيد للمجتمع".

ازدهار التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة

مَهَّد أطباء المملكة المتحدة لعمليات التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة على البشر قبل حوالي 30 عامًا، وكان الغرض من ذلك في البداية هو مساعدة مَن يحملون عوامل وراثية لأحد الاضطرابات التي تصيب الصبية في الأساس. وبفضل هذه العملية، تمكَّن الآباء من اختيار إنجاب الفتيات. وبصفة عامة، تشتمل العملية على إزالة خلية واحدة - أو بضع خلايا - من الجنين المتكون أثناء إخصاب أنبوبي، ومن ثم استخدام تقنيات مختلفة؛ لاختبار هيكل الكروموسومات، وعددها، بل حتى تسلسل الجينات الفردية. وكان الأطباء عادة ما يتخلصون من الأجنة التي لا تجتاز الاختبارات.

ولمّا كانت الحكومة الصينية غير متيقنة من سلامة هذه العملية، ومتخوفة من احتمالات إساءة استخدامها (يحظر القانون في الصين اختيار الذكور دون الإناث، على سبيل المثال)، فقد فرضت قيودًا على هذه الممارسة، وقصرتها على المستشفيات المرخص لها. وبحلول نهاية عام 2004، لم يكن هناك سوى أربعة مراكز مرخصة في جميع أنحاء البلاد، وبحلول عام 2016، ارتفع العدد إلى 40 مركزًا.

تلك العيادات ضخمة، وآخذة في الاتساع. فقد أجرى مركز تشياو 18 ألف عملية إخصاب أنبوبي في عام 2016، فيما سجلت أكبر العيادات هناك - وهي "مستشفى الإنجاب والجينات سيتيك-زيانجيا" في تشانجشا - 41 ألف عملية إخصاب أنبوبي في العام نفسه. ويقترب هذا الرقم من ربع عدد عمليات الإخصاب الأنبوبي التي تُجرى سنويًّا في الولايات المتحدة بأكملها. ومن بين أسباب هذا الارتفاع الكبير، تغيير السياسة الصينية في العام الماضي، بحيث تسمح للأسر في الوقت الحالي بإنجاب طفلين. وقد أدى ذلك إلى سعي عدد كبير من السيدات الأكبر سنًّا للحصول على علاجات الخصوبة. وهناك عامل آخر، يتمثل في تغير الثقافة الصينية؛ فقبل ​​عشر سنوات، كان العاجزون عن الحمل يلجأون إلى الطب الصيني التقليدي، أو يتبنون طفلًا. وتقول تشياو: "إنهم يعرفون الآن أن تقنيات الإنجاب المساعِدة قد تمكِّنهم من ذلك".

وقد أثارت المراكز المرخص لها بإجراء التشخيص ضجة كبيرة بسباقها المحموم لإعلان السبق في هذه التكنولوجيا. ففي عام 2015، تفاخر مستشفى سيتيك-زيانجيا بأول "طفل معافى من السرطان" في الصين. كان والدا الطفل قد أجهضا حملًا سابقًا، بعد أن أظهرت الاختبارات الوراثية وجود ورم أرومي الشبكي، وهو أحد أنواع السرطان الذي يصيب العينين خلال التخلق المبكر، وغالبًا ما يؤدي إلى العمى. وفي المحاولة التالية، استخدم الزوجان التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة؛ للتأكد من اختفاء المتغير الوراثي المسبِّب لورم أرومة الشبكية. وقد ساعدت مجموعات أخرى أزواجًا على تفادي عدد كبير من الأمراض، مثل: متلازمة تعدُّد الأصابع، وقِصَر الأضلع، ومرض هشاشة العظام، ومرض هنتنجتون، ومرض الكلى المتعدد الكيسات، والصمم، وغيرها. وقد طرحت تشياو - بالتعاون مع عالم الكيمياء الحيوية سوني شيه بجامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس – طريقة، يمكن من خلالها إجراء التحليلات الكروموسومية والتحليلات الوراثية للجيل القادم من خلية واحدة. ربما تكون الصين قد بدأت بداية بطيئة، لكنها في الوقت الراهن تجاوزت الدول الغربية في الاستفادة من التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة.

فحصت عيادة تشياو الأجنة؛ للبحث عن الجينات المسبِّبة لأمراض فردية قرابة 100 مرة في العام الماضي، كما فحصت الكروموسومات الشاذة - مثل تلك المرتبطة بمتلازمة داون - لدى 670 حالة أخرى، بينما فحصت المملكة المتحدة كلها 578 حالة فقط في عام 2014، وهي آخِر سنة استطعنا الحصول على إحصاءاتها. ومن الملاحظ أن قدرة الصين على الاستيعاب تنمو بسرعة كبيرة؛ فقد شهد مستشفى سيتيك-زيانجيا ارتفاع عدد حالات اختبارات ما قبل زرع الأجنة بنسبة 277% خلال عامين فقط، من 876 حالة في عام 2014 إلى 2429 حالة في عام 2016، من بينها 700 حالة من حالات الاضطرابات الناتجة عن جين واحد.

وإضافة إلى ذلك.. فإن مراكز خصوبة عديدة في الصين تمتلك القدرة على إجراء بحوث رفيعة المستوى. تشياو مثلًا مهتمة بأمور السلامة، وتدرس ما إذا كان استخراج الخلايا للتشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة قد يسبب ضررًا طفيفًا على الجنين، أم لا، وهي الآن تجمع البيانات من جميع عيادات الإخصاب الأنبوبي في الصين؛ لاستخدامها في دراسة لهذه الآثار، مدتها عشر سنوات.

وتتعاون تشياو أيضًا مع شيه وسيجيا لو، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة "جيكون جينوميكس" - الكائن مقرها في شنجهاي - لتطوير تقنية لتتبُّع جميع التسلسلات اللازمة، دون إزالة الخلايا، عن طريق أخذ عينات من الحمض النووي الحر العائم، الموجود في الوسط الذي تُزرع فيه الأجنة. وقد يسهم هذا التقدم في تسهيل عمليات التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة، بحيث تصير أكثر أمانًا.

كما أبدى جو ليه سيمبسون - عالِم الوراثة الطبية بجامعة فلوريدا إنترناشيونال في ميامي، والرئيس السابق للجمعية الدولية للتشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة - إعجابه بمستوى وحجم عيادات الخصوبة الصينية. يقول: "إنها مدهشة حقًّا، فلديهم وحدات عملاقة بدأت من الصفر، وذلك كله في غضون سنتين، أو ثلاث سنوات فقط".

كما يبحث الباحثون الصينيون عن المزيد من المتغيرات الوراثية المرتبطة بالأمراض، وذلك تحديدًا بهدف توسيع تأثير التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة. ويتولى هِي لين - عالِم الوراثة بجامعة جياو تونج في شنجهاي - تنسيق هذه الجهود المركزة؛ فلديه مشروع طَموح، يهدف إلى تحديد جميع الطفرات في جميع الجينات المسبِّبة للأمراض، ووضْعها في قاعدة بيانات واحدة. يقول: "مهمتنا تتركز في جمعها واحدة تلو الأخرى، حتى نحصل على قاعدة بيانات كاملة"، مشيرًا إلى أشهر 6000 مرض من الأمراض الوراثية المعروفة. وبعد التحقق من العلاقات بين الجينات والأمراض، يمكن إضافتها إلى قائمة الأشياء التي يمكن أن يفحصها التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة.

يقول هِي إن الهدف الأول هو الصمم. وتقول وانج تشيجو - المتخصصة في فقدان السمع في "المستشفى العام لجيش التحرير الشعبي الصيني" في بكين، ورئيسة المشروع - إنها تعتزم جمع قرابة 200 ألف عينة من 150 مستشفى في جميع أنحاء الصين؛ لتحديد الطفرات المرتبطة بالصمم.

وهناك حاجة إلى أعداد كبيرة، لأن هناك أكثر من جين مسهِم في فقدان السمع، ولكل جين منها عشرات الطفرات، بل مئات الطفرات. وتقول وانج: "عندما تكون لدينا قواعد بيانات كبيرة؛ سنتمكن من رؤية إسهام كل جين بصورة أكثر وضوحًا. ومن ثم، سيسهل إجراء التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة".

صدام ثقافي

هذه الجهود - من أجل فقدان السمع على وجه التحديد - قد تبدو متعارِضة، لأن كثيرين في الغرب لا يرون ذلك مشكلة يلزم تجنبها. ففي الولايات المتحدة، استخدم بعض الأزواج من الصم التشخيصَ الوراثي قبل زرع الأجنة؛ لاختيار الصمم الخلقي، في محاولة للحفاظ على ثقافة الصمم. وتقول وانج إن مثل هذه المشاعر لن تكون مفهومة بالنسبة إلى الكثير من الآباء في الصين، لأنهم لا يحظون بالكثير من الدعم، "فمَن لديه طفل أصم في الصين، يشعر بالحاجة إلى طفل طبيعي يساعده على رعاية الطفل الأصم".

ويبدو أن الصينين يشعرون بأن عليهم التزامًا بإنجاب طفل معافى، أكثر من التزامهم بحماية الجنين. ويمكن رصد رغبة الصينيين في استخدام التكنولوجيا الوراثية لضمان ولادة أطفال أصحاء، عن طريق ملاحظة الارتفاع السريع لاختبارات الحمل لمتلازمة داون، وغيرها من التشوهات الكروموسومية. فمنذ أن طرح مركز BGI - الكائن في شنجن - اختبارًا لمتلازمة داون في عام 2013، باع أكثر من مليوني عبوة؛ وكان نصف هذه المبيعات في العام الماضي.

وعلى الرغم من أن هذا الاختبار صار معتادًا في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، إلا أن كثيرين من الغربيين لا يجهِضون الحمل بسبب متلازمة "داون".

تقول جياني تشن - المستشار الوراثي في "مركز العلوم الصحية بجامعة أوكلاهوما" في مدينة أوكلاهوما - إن الأمر ليس كذلك في الصين. وتضيف قائلة: "في الصين، إذا رغبتَ في إجهاض جنين مصاب بمتلازمة داون؛ فلن يوبّخك أحد". وعلى الرغم من انتقال جياني من موطنها الأصلي في تايوان إلى أوكلاهوما، فإنها تقول إنها هي نفسها لم تعد متأكدة من قرارها، إذا تعرضَتْ لهذا الموقف.

"أُقِرّ بأنّ هناك قضايا أخلاقية، إلا أن القضاء على المرض أمر مفيد للمجتمع".

وفي الغرب، لا يزال التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة يثير مخاوف من ظهور نخبة وراثية، ويتحدث النقاد عن تخوفهم من الانزلاق إلى مستنقع تحسين النسل، تلك الكلمة التي تذكِّر بألمانيا النازية، والتطهير العرقي. أما في الصين، فلا يحمل التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة كل هذه الخلفيات التاريخية؛ فالكلمة الصينية المرادفة لمصطلح تحسين النسل "yousheng" تُستخدَم بشكل صريح، ولها دلالات إيجابية في جميع المحادثات تقريبًا، التي تتناول التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة؛ فهي تعني إنجاب أطفال أفضل صحيًّا. ويُعَدّ عدم التدخين أثناء الحمل من بين ما تحمله كلمة تحسين النسل من دلالات.

ولا يعني هذا أن الصينيين لم يفكروا في احتمال إساءة استغلال التكنولوجيا؛ بل إن الحكومة الصينية شعرت بالقلق - شأنها في ذلك شأن العديد من الحكومات الغربية - من استغلال التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة في تحديد الخصائص الجسمانية، مثل الطول، أو الذكاء. ولذلك.. يَقتصِر عمل العيادات المرخص لها بإجراء التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة على الوقاية من الأمراض الخطيرة، أو علاج العقم فقط، ويحظر عليها استغلال التشخيص في اختيار جنس الجنين. يقول لُو من شركة "جيكون" إن بعض الأُسَر يطلب منها التخلص من الطفرة التي تعوق القدرة على تناول الكحول لدى العديد من الآسيويين، الأمر الذي قد يؤثر على قدرة الأُسر على المشاركة في ولائم العمل الصينية المكتظة بالكحول في كثير من الأحيان. ويضيف لُو: "إنهم يريدون لأبنائهم أن يكونوا قادرين على شرب الكحوليات، ونحن نرفض ذلك". وقد عمل هِي لين - عالِم الوراثة بجامعة جياو تونج في شنجهاي - على أن يحظى تدريب مستشاري الوراثة - المتمرسين في المخاطر، والفوائد، والقضايا الأخلاقية المتعلقة بالتشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة - بالأولوية. ويكاد هؤلاء أن يكونوا منعدمين في الصين في الوقت الحالي.

وتتشدد "الهيئة البريطانية للإخصاب البشري وعلم الأجنة" أيضًا في تنظيم التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة؛ حيث تُقْصِر استخدامه على 400 حالة. أما في الولايات المتحدة، فتحظى العيادات بحُرِّية تامة، وتقِرّ "الجمعية الأمريكية للطب الإنجابي" بأن انتقاء الجنس - على سبيل المثال - أمر مثير للجدل، ولكن لجنة الأخلاقيات التابعة لها ألقت بالكرة في ملعب العيادات؛ لتقرر ما هو مسموح به.

إن أكثر ما لفت أنظار عدد كبير من المتخصصين في الخصوبة في مسألة تبَنِّي الصين للتشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة هو سرعة وتنظيم استيعابها. ويبدو أن الصين تُجْرِي بالفعل عمليات أكثر من التي تجريها الولايات المتحدة، وبمعدلات نمو تقدَّر بنحو 60-70% سنويًّا، تهدف الصين من خلالها لتغطية كل فرد في السنوات القليلة المقبلة.

قد يمثل هذا نعمة للبلد، في ضوء المسوغات الاقتصادية للتشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة. فعلى سبيل المثال، أجرت إحدى الدراسات مقارنة بين متوسط تكاليف عملية التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة اللازمة؛ لتفادي التليف الكيسي في الولايات المتحدة - التي تبلغ 57500 دولار - والتكاليف الطبية التي يتكبدها المريض العادي طوال حياته، والتي تبلغ 2.3 مليون دولار (I. Tur-Kaspa et al. Reprod. Biomed. Online 21, 186–195; 2010). وقام الباحثون بحساب صافي التوفير على الرعاية الصحية لجميع المرضى الذين وُلدوا في إحدى السنوات على متوسط ​​عمر المريض البالغ 37 سنة؛ فكان الناتج 33.3 مليار دولار، وهذا بالنسبة إلى مرض واحد فقط من مئات الأمراض التي يمكن الوقاية منها باستخدام التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة.

لم يلق التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة رواجًا في المجتمع الغربي بسهولة، فالكنيسة الكاثوليكية - على سبيل المثال - عارضت التلاعب بالأجنة، بما في ذلك إزالة الخلايا للاختبار، فضلًا عن إجهاض الأجنة. تقول ناتاشا بونوم، كبيرة مسؤولي الاستراتيجية في المؤسسة الخيرية "جينتك آليانس"، وهي مجموعة ضغط في واشنطن العاصمة، تركِّز على الأمراض الوراثية: "إن الفكرة الدائمة المحرِّكة لهم أن العلماء يعبثون بخلق الله".

وهناك أيضًا مخاوف اجتماعية واقتصادية؛ إذ يرى بعض آباء الأطفال المتضررين أن خفض عدد الأطفال الذين يعانون من تلك الأمراض سيقلل التمويل الحكومي المخصص للبحث عن العلاجات. ويعترض آخرون على فكرة عدم تشجيعهم على إنجاب الأطفال بالطريقة المعتادة.

هذا الجدل الدائر جعل الأطباء والعلماء حذرين للغاية. يقول سيمبسون: "إن المجتمع العلمي غير مهتم باكتساب حظوة لدى الرأي العام"، على الرغم من اعتقاده أن الأدلة تؤيد زيادة استخدام التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة. ويضيف قائلًا: "مع كل تقدُّم في علم الأحياء الإنجابية، تُطرَح علينا الأسئلة نفسها: "ألَا يمكن أن ننزلق إلى مستنقع إساءة الاستغلال؟" لكن هذا لم يحدث قط". والنتيجة أنه لم تنظَّم أي دعوة لدعم التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة في الولايات المتحدة، على حد قول بونوم. 

وبدون الدعم الحكومي، سيظل الأمر بالنسبة إلى كثيرين بمثابة عملية لا يطيقون تكلفتها الباهظة. وتقول سفيتلانا ريتشيتسكي - مديرة شركة الاختبارات الوراثية "ريبرودكتيف جينتيك إينوفاشنز"  في نورثبروك بولاية إلينوي - إن التغطية التأمينية "مؤسفة"؛ وتقول يينما تجلس على مكتبها، لتصنِّف خطابات شركات التأمين - التي ترفض في الغالب تغطية التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة -: "الأمر يزداد سوءًا". 

إن العملية أرخص بكثير في الصين فعليًّا؛ فتكلفتها هناك تصل إلى نحو ثلث تكلفتها في الولايات المتحدة. ومن شأن تقليل تكلفة الاختبارات أن يجعل شركات التأمين الوطني تُقْبِل على تغطيتها، وهو أمر بدأت تشياو تسعى إليه بالفعل. وتقول تشياو: "قبل أن أتقاعد، أود أن أشرك الحكومة في هذا الأمر. وما زال لديّ 12 سنة، سأبذل خلالها كل ما بوسعي لتحقيق ذلك".

ديفيد سيرانوسكي يكتب لدورية Nature من شنجهاي بالصين.