أنباء وآراء

علم جينوم السرطان: النقائل البشرية تحت المجهر

إنّ انتشار تسلسلات الحمض النووي، والحمض النووي الريبي لخمسمائة حالة سرطان بشري من موقعها الأساسي في الجسم يقربنا خطوة إضافية من الجَمْع بين العلوم الأساسية، واستفادة المرضى. 

جي. ستيفن بوفا

  • Published online:

ينجم معظم الأضرار التي يسببها السرطان عن انتشار الخلايا من موقع السرطان الأَوَّلِي إلى مناطق أخرى من الجسم. وتُراكِم هذه الخلايا السرطانية النقيلية تغيرات وراثية أكثر من تلك الموجودة في الورم الأساسي. وبعض هذه التغيرات يتيح للسرطان النقيلي الصمود في مواجهة العلاج. ويمكن للدراسات الجزيئية لأنسجة السرطان النقيلي أن توفر أفكارًا قيِّمة بشأن كيفية التغلب على هذه المقاومة، غير أن دراسات كهذه كانت نادرة نسبيًّا، ويرجع ذلك في الأساس إلى معوقات لوجستية وتقنية. وفي ورقة بحثية نشرت في دورية Nature مؤخرًا، يشير روبنسون وآخرون1 إلى أنهم تابَعوا العمل الذي قامت به دراسات سابقة3،2؛ لِأَخْذ لقطات مفصلة لتسلسلات الجينوم والاستجابات المناعية في أنسجة سرطان نقيلي من 500 شخص، تُعرف باسم "جماعة MET500".

أَدرَج الباحثون مرضى، أتت أورامهم النقيلية من 30 نوعًا من السرطان الأَوَّلِي (كانت نقائل البروستاتا، والثدي، وساركوما الأنسجة الرخوة هي الأكثر شيوعًا)، ومرضى  آخرين، كان السرطان الأَوَّلِي لديهم غير معروف. وجرى إدراج مرضى من الإناث والذكور من مختلف الأعراق من 22 مركزًا للسرطان في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ولكن معظمهم كان من "مركز السرطان الشامل" بجامعة ميشيجن. وجاءت عيِّنات الأنسجة من أكثر من 20 عضوًا.

حَدَّد روبنسون وزملاؤه تسلسل الجزء المُشفِّر للبروتين من جينوم عينات الأنسجة النقيلية، وقارنوا تسلسلات هذه الإكسومات بتلك المشتقة من أنسجة غير سرطانية، مأخوذة من المريض نفسه. وبعد ذلك حددوا تسلسل الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) المأخوذ من الورم النقيلي، وقارنوه بسمات الحمض النووي الريبي المرسال المشتق من الأنسجة الطبيعية المقابلة، المأخوذة من قواعد البيانات المرجعية. قدمت هذه التحليلات مجتمِعةً معلومات عن الطفرات الجينية، وسمات التعبير الجيني المتغيرة، التي مَيَّزت النقائل والأنسجة الداعمة لها. وتُعَدّ التحليلات متممة للدراسات الجينومية للسرطانات الأولية، التي أَجْرَت العديد منها هيئتان رئيستان، هما: "أطلس جينوم السرطان" (http://cancergenome.nih.gov)، و"الجمعية الدولية لجينوم السرطان" (http://icgc.org).

ويُعَدّ عمل روبنسون وزملائه مهِمًّا على مستويين بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون من السرطان؛ فهو أولًا يدلّ على إمكانية التغلب على مجموعة من التحديات الصعبة في سياق إكلينيكي؛ لأخْذ خزعة من الأورام النقيلة، والحصول على مجموعات بيانات متكاملة، ذات صلة بالإكسوم والحمض النووي الريبي المرسال لكل مريض. وتشمل هذه التحديات: تحديات لوجستية، كالحصول على خزعات من مناطق الجسم التي يصعب الوصول إليها؛ وتحديات تقنية (إذ إن كثيرًا ما تكون خزعات الأورام النقيلية صغيرة، ومن الممكن أن تكون نسبة الخلايا السرطانية منخفضة، مقارنة بالخلايا السليمة)؛ بالإضافة إلى التحديات الأخلاقية التي تواجه المريض، والطبيب، والباحثين عند تقييم المخاطر والقيمة المتوقعة، نتيجة لأخْذ الخزعة؛ خاصة في ضوء عدم التحديد الجيد للفوائد المحتملة التي ستعود على المرضى.

"يقدِّم التحليل معلومات عن الطفرات الجينية التي يمكن استهدافها بالعقاقير".

ثانيًا، أنتَج العمل ثروة من المعلومات المتاحة للجمهور (http://met500.path.med.umich.edu)، من شأنها أن تساعد على توجيه السبل المستقبلية لعلاج السرطان، استنادًا إلى الطب الدقيق. ويوفر التحليل المتكامل لخزعة كل مريض والأنسجة الطبيعية المطابقة خريطة لما يَجري في كل عينة ورم نقيلي. ولذا فإن التحليل يقدم معلومات عن الطفرات الجينية التي يمكن استهدافها بالعقاقير، وعن الاستجابة المناعية، والاستجابات البيئية المكروية الأخرى تجاه الورم، التي قد تشير أيضًا إلى خيارات علاجية؛ وعن الطفرات الموجودة في الحمض النووي للخلايا غير السرطانية المأخوذة من كل مريض، التي قد تشير إلى الطفرات التي تجعله عرضة للإصابة بالسرطان. وهذه الأخيرة قد تترتب عليها آثار، لا تتعلق فقط بعلاج المريض، ولكن تتعلق أيضًا بعميلة إدارة المخاطر في أُسْرة المريض.

وتجدر الإشارة إلى أن روبنسون وزملاءه حددوا الطفرات في الحمض النووي للخط النسيلي (التي وُلد بها المريض)، والتي يمكن أن تمنح الاستعداد للإصابة بالسرطان لدى 12.2% من المشاركين في "جماعة MET500". ويتسّق هذا الاكتشاف المدهش مع دراسات سابقة، اقتصرت على الأشخاص الذين يعانون من سرطان البروستاتا النقيلي2؛ وربما كان بعضهم ضمن مجموعة MET500. وثمة حاجة الآن إلى إجراء دراسات، تُدرَج فيها أعداد أكبر من المصابين بأورام نقيلية، لتحديد ما إذا كان تشخيص السرطان النقيلي يجب أن يحثّ على تقييم أكثر شدة لمخاطر الاصابة بالسرطان مما يحدث حاليًّا.

وإحدى النتائج العديدة المثيرة للاهتمام في دراسة روبنسون وزملائه هي أن السرطان النقيلي يمكن تصنيفه إلى نوعين فرعيين أساسيين، على أساس سمات الحمض النووي الريبي المرسال؛ أحدهما مرتبط بالالتهاب، وثانيهما نوع فرعي تكاثري مرتبط بزيادة الأيض، وإطلاق إشارات الإجهاد الجهازية. وإذا عُثِرَ على هذا النمط عبر نقائل متعددة لدى مرضى أفراد، سيبدو مِن المرجَّح أن موقع وجود الورم النقيلي في هذا الطيف قد يؤثر بقوة على الاستجابة لعلاجات محددة.

وثمة نتيجة أخرى تدعو للاهتمام، وتكمن في تحليل مدى ارتشاح الخلايا المناعية في الأورام النقيلية (4MImmScore)، وهو مقياس لكيفية استجابة جهاز المناعة بالجسم لورم ما. وهذا الارتشاح وغيره من التدابير المناعية الأخرى المشار إليها في العمل يُحتمل أن تساعد على اختيار العلاجات، وتحليل استجابات المرضى في التجارب الإكلينيكية المجراة على العلاجات المناعية الناشئة، التي تعدِّل الاستجابة المناعية للجسم، بحيث تستهدف السرطان. وقد وُجدت أعلى معدلات ارتشاح الخلايا المناعية في الأورام النقيلية (MImmScore) في سرطان الكلى، وبعض سرطانات الجلد، والغدة الصعترية Thymus gland، وكانت أدناها مرافِقة لسرطانات الخصية، وسرطانات الغدة الكظرية. ومع ذلك.. فإن لكل نوع من الأورام قِيَمًا متطرفة، ترافقت بارتشاح مناعي، كان مرتفعًا أو منخفضًا نسبيًّا، وكان لدى بعضها (ومن ضمنها الأورام النقيلية للبنكرياس، والرئة، والغدة الدرقية، والكبد) نطاقات ارتشاح واسعة للغاية بين الأفراد المصابين بتلك الأنواع من الأورام النقيلية.

تُعد دراسة روبنسون وزملائه هي الأكبر من نوعها. وسوف يتطلب تحديد الفائدة المحتمَلة لهذا النوع من المقاربة الجينومية المتكاملة، من أجل تحسين التعامل مع السرطان، واعتماد ممارسات أفضل، عديدًا من الحالات الأخرى جيدة التنسيق، إضافة إلى سجل للنتائج، وهو ما لم تتضمنه الدراسة الحالية. وإضافة إلى ذلك.. تتطور الأورام النقيلية مع مرور الوقت5-11، وحسب الاستجابةً للعلاج12،13؛ ويبقى أن نرى متى يجب أخذ الخزعات، وبأيّ وتيرة، وما هو نوع تحليل التسلسل الضروري اعتماده من بين الأنواع المختلفة، لكي يمكن لهذه المقاربة أن تساعد الأطباء بأفضل صورة ممكنة في اختيار العلاجات، وهل يمكن استخدام الجزيئات المشتقة من الورم، التي تدور في مجرى الدم، بدلًا من الخزعة في بعض الظروف13؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأي الجزيئات ينبغي أخذها؟ وسيساعد إجراء المزيد من التحليل لمجموعة MET500 - بالإضافة إلى التقارير المستقبلية من المجموعات المماثلة - على حل هذه القضايا.

ونظرًا إلى سعة تركيزها، وعمق تحليلها، أضافت دراسة روبنسون وزملائه إلى معرفتنا عن الطفرات المشتركة والمستقلة، والأنماط المشتركة لتعبير الحمض النووي الريبي المرسال، والاستجابات المناعية المشتركة بين أنماط السرطان النقيلي. وينبغي أن تساعد هذه المعرفة الباحثين على تحديد أولويات جهودهم؛ لتطوير علاجات فعالة.

References

  1. Robinson, D. R. et al. Nature 548, 297–303 (2017). | article
  2. Robinson, D. et al. Cell 161, 1215–1228 (2015). | article
  3. Roychowdhury, S. Sci. Transl. Med. 3, 111ra121 (2011). | article
  4. Yoshihara, K. et al. Nature Commun. 4, 2612 (2013). 
  5. Nowell, P. C. Science 194, 23–28 (1976). | article
  6. Yachida, S. et al. Nature 467, 1114–1117 (2010). 
  7. Gerlinger, M. et al. N. Engl. J. Med. 366, 883–892 (2012). | article
  8. Gundem, G. et al. Nature 520, 353–357 (2015). | article
  9. Hong, M. K. H. et al. Nature Commun. 6, 6605 (2015). | article
  10. Nik-Zainal, S. et al. Cell 149, 994–1007 (2012). | article
  11. Diaz., L. A. Jr et al. Nature 486, 537–540 (2012).
  12. Bova, G. S. et al. Cold Spring Harb. Mol. Case Stud. 2, a000752 (2016). | article
  13. Abbosh, C. et al. Nature 545, 446–451 (2017). | article

جي. ستيفن بوفا يعمل في "مركز أبحاث سرطان البروستاتا" بكلية الطب وعلوم الحياة، وفي "معهد بايوميديتيك"، جامعة تامبِر،33014  تامبِر، فنلندا.

البريد الإلكتروني: g.steven.bova@uta.fi