أنباء وآراء

ميكانيكا حيوية: كيف تشعر الأسماك بتيارات المياه

هناك مجسّات تشبه الشعر، يُعتقد أنها تساعد السمك على اجتياز المياه في البيئات المعقدة. وتكشف التجارب المعملية والمحاكاة الحاسوبية كيف تستشعر هذه المجساتُ التيارات المائية؛ لتوجيه استجابة السباحة لدى الأسماك. 

جون أو. دابيري

  • Published online:

إنّ حياة الأسماك صعبة في الأعماق؛  فالبقاء على قيد الحياة يتطلب يقظة دائمة؛ لتجنب المفترسِات والعقبات، خاصة في البيئات القريبة من الشواطئ. ورغم أن العديد من الأسماك يستخدم الإشارات البصرية؛ للإفلات من المخاطر، فإن الخطر الأكبر الذي يتربص بها في المياه غالبًا ما يكون غير مرئي. إنه تقلُّب التيار المستمر، الذي لا يمكن التنبؤ به، والذي يمكن أن يحمل الأسماك غير المنتبِهة بعيدًا عن مسارها، أو يتسبب في ارتطامها بالأجسام الموجودة تحت الماء. وإضافة إلى ذلك.. هناك أسماك طبيعتها عمياء أو تعيش في مناطق ضعيفة الإضاءة، تكون فيها الإشارات البصرية ضئيلة للغاية، ولكنْ حتى في ظل هذه الظروف، تنجح الأسماك بشكل ملحوظ في الحفاظ على موضع ثابت في الموقع نفسه (وهي ظاهرة تُعرف باسم "حفظ المحل")، كما تنجح كذلك في تجنب العقبات.

تُعزى هذه القدرات إلى عمل خلايا الشعر الحساسة للحركة، التي تكوِّن بِنْية تُسمى "الخط الجانبي"، الذي يمتد على طول جسم السمكة2،1. ولكنْ كيف يستشعر الخط الجانبي الأنماط الموضعية لحركة الماء، وكيف تستخدم الأسماك تلك المعلومات في الإبحار؟ في بحث نُشر في دورية Nature الدولية، يقترح أوتيزا وآخرون3 آلية بارعة، تستند إلى مبدأ راسخ من مبادئ ديناميكا السوائل، وهي آلية تتطلب من السمكة الاستجابة للتيار، عن طريق اتخاذ قرار بسيط، إما بالاستمرار في السباحة، دون تغيير الاتجاه، وإما بإجراء مناورة انعطاف.

أجرى أوتيزا وزملاؤه تجارب معملية، سبَحت فيها يرقات سمك الزرد (دانيو ريريو Danio rerio) في أنبوب أسطواني شفاف، تُضخ فيه المياه بسرعة ثابتة. كان الاحتكاك بين الماء وجدار الأنبوب يُبطئ الماء على الجوانب، وهو ما يخلِق تدرجًا مكانيًّا في سرعة التدفق من مركز الأسطوانة، الذي يكون التدفق فيه هو الأسرع، إلى المياه الثابتة الملاصِقة لجدران الأنبوب.

وعلى نحو يتفق مع دراسات سابقة4-6، أكد الباحثون أن سمك الزرد يستطيع وضْع نفسه في الأنبوب، بعيدًا عن الجدران، وتوجيه جسمه للسباحة ضد اتجاه تيار المياه (الشكل 1). ولأن المهارتين مفيدتان لأغراض حفظ المحل، وتجنُّب العقبات في الطبيعة، تتيح تجارب المختبر نظامًا مفيدًا لمحاكاة وبحث عمليات السباحة المرتبطة بالحياة في البرية. وعن طريق القيام باستئصال كيميائي للخط الجانبي، وإجراء التجارب في الظلام؛ لإلغاء أثر الإشارات البصرية، أوضح الباحثون أن نظام الخط الجانبي كان ضروريًّا لتحقيق الحركة الموجَّهة، استجابةً لتدفق المياه (وهي عملية تُعرف باسم "الانجذاب في اتجاه التيار" rheotaxis)، وهذا التوجيه لا يمكن أن يكون معتمِدًا على لمس أو استشعار التسارع المنتظم لكتلة المياه المحيطة.

شكل 1: الإبحار القائم على تدفق التيار.

أ. لفَهْم كيفية تعديل الأسماك لموضعها عند العوم، درس أوتيزا وزملاؤه3استجابة يرقات سمك الزرد (دانيو ريريو Danio rerio) في أنبوب يَجري فيه الماء بسرعة عالية في المنتصف، وبسرعة أبطأ قرب الجدران. توضح الأسهم الزرقاء اتجاه تيار الماء. وتوجد لدى سمك الزرد سلسلة من خلايا الشعر (موضع الخلايا موضَّح بالأحمر)، تُعرف بالخط الجانبي. ويرى المؤلفون أن هذه المنظومة بإمكانها أن تستشعر تدفق المياه في حلقة تحيط بجسم السمكة (الخط الأزرق المتقطع)، ويوضحون أن نظرية كلفين-ستوكس7يمكن استخدامها لترجمة تدفق السائل المستشعَر إلى معرفة بنزعة السائل داخل الحلقة للدوران (ظاهرة تُسمى "الحركة الدواميّة")، وكذلك مقدار تدرج سرعة التدفق المرتبطة بها، ويرون أن استشعار سمات تدفق السائل تلك يمكن أن يساعد على توجيه إبحار السمك. ب. لاحظ أوتيزا وزملاؤه أنه عندما تعوم السمكة في اتجاه منطقة يزداد فيها الفرق بين سرعة التيار على جانبي جسم السمكة، تنعطف السمكة (السهم القرمزي) في الاتجاه نفسه للدوران المحلي للمياه (غير موضح)، وهو الاتجاه نفسه، الذي سيحمِل السمكة بعيدًا عن العقبات. ج. الإبحار القائم على استشعار الخط الجانبي لتدرُّج سرعة التيار يمكِّن السمكة من العوم في منتصف الأنبوب، وتجنب الجدران. وفي البرية، يمكن لهذه الخاصية أن تتيح للسمك الإبحار في البيئات المائية المعقدة، التي تكون فيها الإشارات البصرية غير كافية.

أ. لفَهْم كيفية تعديل الأسماك لموضعها عند العوم، درس أوتيزا وزملاؤه3استجابة يرقات سمك الزرد (دانيو ريريو Danio rerio) في أنبوب يَجري فيه الماء بسرعة عالية في المنتصف، وبسرعة أبطأ قرب الجدران. توضح الأسهم الزرقاء اتجاه تيار الماء. وتوجد لدى سمك الزرد سلسلة من خلايا الشعر (موضع الخلايا موضَّح بالأحمر)، تُعرف بالخط الجانبي. ويرى المؤلفون أن هذه المنظومة بإمكانها أن تستشعر تدفق المياه في حلقة تحيط بجسم السمكة (الخط الأزرق المتقطع)، ويوضحون أن نظرية كلفين-ستوكس7يمكن استخدامها لترجمة تدفق السائل المستشعَر إلى معرفة بنزعة السائل داخل الحلقة للدوران (ظاهرة تُسمى "الحركة الدواميّة")، وكذلك مقدار تدرج سرعة التدفق المرتبطة بها، ويرون أن استشعار سمات تدفق السائل تلك يمكن أن يساعد على توجيه إبحار السمك. ب. لاحظ أوتيزا وزملاؤه أنه عندما تعوم السمكة في اتجاه منطقة يزداد فيها الفرق بين سرعة التيار على جانبي جسم السمكة، تنعطف السمكة (السهم القرمزي) في الاتجاه نفسه للدوران المحلي للمياه (غير موضح)، وهو الاتجاه نفسه، الذي سيحمِل السمكة بعيدًا عن العقبات. ج. الإبحار القائم على استشعار الخط الجانبي لتدرُّج سرعة التيار يمكِّن السمكة من العوم في منتصف الأنبوب، وتجنب الجدران. وفي البرية، يمكن لهذه الخاصية أن تتيح للسمك الإبحار في البيئات المائية المعقدة، التي تكون فيها الإشارات البصرية غير كافية.

كبر الصورة

كيف يساعد الخطُ الجانبي السمكةَ على توجيه نفسها تحت الماء؟ الفكرة الأساسية لأوتيزا وزملائه هي تطبيق نظرية رياضية تعود إلى القرن التاسع عشر، سُميت باسم عالمَي الفيزياء ويليام تومسون (لورد كلفين)، وجورج ستوكس7. تقول نظرية كلفين-ستوكس إن التيار الموضعي المتدرج في أي منطقة من السائل سيكون مرتبطًا - على نحو فريد، في أغلب الحالات - بسرعة التدفق على امتداد حلقة مغلقة تحيط بالمنطقة. وبعبارة أخرى، إذا كان بإمكان السمكة السابحة أن تدمج معرفتها بسرعة تدفق المياه على طول أجزاء مختلفة من جسدها - وهي مهمة ممكنة، بفضل الآليات التي يوفرها الخط الجانبي - فإن المعلومات التي تجمعها كافية لاستنتاج التدرج المحلي في سرعة التدفق. إنّ التدرج ذا الصلة بنظرية كلفين-ستوكس في هذا السياق مرتبط بنزوع السائل المحلي للدوران، وهي خاصية تُعرف باسم "الاضطراب الدَّوّامي للمياه".

وإحدى طرق فَهْم الرابط بين تدرج التدفق ودوران السائل هي تخيُّل قارب متموضع، بحيث يواجه قوسه اتجاه تدفق المياه، وبحيث يكون تدفق الماء من جانب القارب الأيمن أسرع من تدفقه على يساره. فإذا كان القارب يطفو سلبيًّا، فعند رؤيته من أعلى سوف يبدأ في الدوران في اتجاه عقارب الساعة. وسوف تتناسب سرعة هذا الدوران طرديًّا مع الفارق بين سرعتي تدفق المياه على الجانبين، وهذا يخلق تدرجًا على طول القارب. ويُعَدّ مسار معلومات مشابه لهذا - استشعار السرعة حول جسم السمكة من خلال الخط الجانبي، ثم استنتاج الاتجاه المواجِه للاضطراب الدَّوّامي المحليّ، وتقدير تدرُّج سرعة التدفق المحلي، التي تتناسب طرديًّا مع الحركة الدوّامية - هو لُب الآلية المقترحة للإبحار في أعماق المياه، القائمة على التدفق لدى سمك الزرد.

كذلك يتطلب الإبحار الناجح طريقة لمعرفة ظروف التيار المحلي؛ لتوجيه السمكة بعيدًا عن الأذى. وقد قدَّم الباحثون ملاحظة لافتة للنظر فيما يتعلق بذلك. فعندما تعوم السمكة في اتجاه منطقةٍ يزداد فيها الفرق بين سرعتي التدفق على جانبيها، مقارنة بالفارق بينهما في موضع سابق، تنعطف السمكة في اتجاه دوامة التيار المحلي (من خلال الانحراف في اتجاه عقارب الساعة، أو عكسها). وهذا الفعل دائمًا ما يوجِّه السمكة بعيدًا عن المنطقة القريبة من الجدار، وفي اتجاه مركز التيار. وبالعكس.. فعندما تعوم السمكة في اتجاه منطقةٍ ينخفض فيها تدرُّج التدفق، مقارنة بتلك التي كانت توجد فيها قبلها، فإنها تستمر في العوم في الاتجاه نفسه، دون انعطاف. ولأن تدرُّج التدفق عادة ما ينخفض كلما ابتعدت السمكة عن جسم صلب، فإن هذه الاستراتيجية الملاحية تُترجَم في صورة تجنُّب للعقبات على أرض الواقع، وتجنُّب أجسام الكائنات المفترِسة.

وقد اتخذ المؤلفون خطوات أولى مهمة في اتجاه توسيع نطاق نتائجهم إلى ما هو أبعد من مجال التجارب المعملية المنضبطة، من خلال تطوير محاكاة حاسوبية توضح قوة استنتاجاتهم عند نمذجة الوضع في تيارات شبه مضطربة، إلا أن البيئات المائية الحقيقية تفرض تحديات أخرى، مثل التدفق المائي ثلاثي الأبعاد، الذي لا يمكن الملاحة فيه بالانعطاف فقط في مستوى أفقي. وإضافة إلى ذلك، فإن نظرية كلفين ستوكس - التي تعتمد عليها الاستراتيجية المقترَحة لاجتياز المياه - يمكن أن تفشل إذا كانت هناك مصادر ضخ أو شفط للمياه في منطقة مجاورة، مثل تيار الشفط الذي تستخدمه حيوانات مفترسة؛ لالتهام فرائسها4. ومن المفارقات أن الآلية المقترحة للانجذاب في اتجاه التيار قد تقود السمكة كذلك إلى اتجاه مناطق تدفُّق، ربما تكون لها - في الوقت نفسه - سرعات تدفق كبيرة ومنتظمة، تفوق قدرة الأسماك على الهروب من تلك التيارات القوية، على الرغم من أنها تُظْهِر تدرُّجًا صغيرًا للتدفق. ولذا فإن الآلية التي وصفها أوتيزا وزملاؤه مقترنة على الأرجح باستراتيجيات استشعار أخرى - لم تُكتشَف بعد، وربما تستخدم أيضًا الخط الجانبي - تمكِّن الأسماك من الخوض في عالَم ما تحت الماء.. ذلك العالَم المعقد. وكلما أصبحت الفصول الكاملة لمهارات الاستشعار والتحكم واضحة؛ لن نعرف المزيد عن إيكولوجيا الأسماك فحسب، ولكننا أيضًا قد نكتسب رؤى لأنواع جديدة من الملاحة الحيوية الروبوتية في المياه والهواء، على حد سواء.

جون أو. دابيري يعمل في كلية الهندسة بجامعة ستانفور، ستانفورد، كاليفورنيا 94305، الولايات المتحدة الأمريكية.

e-mail: jodabiri@stanford.edu