تعليقات

هل اتفاق باريس للمناخ مجرد وعود على ورق؟

يحذّر ديفيد جي. فيكتور وزملاؤه من أن جميع الدول الصناعية الكبرى تخفق في الوفاء بتعهداتها بالحدّ من انبعاثات غازات الدفيئة.

ديفيد جي. فيكتور، وكييجو أكيموتو، ويويتشي كايا، وميتسوتسون ياماجوتشي، وداني كولينورد، وكاميرون هيبورن
  • Published online:
تبذل اليابان جهودًا لإعادة تشغيل بعض مفاعلاتها النووية، ومنها المفاعلان رقما 3، و4 في محطة الطاقة "جيناكي" في ساجا، كيوشو.

تبذل اليابان جهودًا لإعادة تشغيل بعض مفاعلاتها النووية، ومنها المفاعلان رقما 3، و4 في محطة الطاقة "جيناكي" في ساجا، كيوشو.

KYODO NEWS/GETTY

بجانب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي صدر في يونيو الماضي، والذي يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس بشأن المناخ المبرم في عام 2015، فإن ثمة تحديًا أكثر صعوبة لميثاق المناخ العالمي يلوح في الأفق. فليس هناك أي بلد من البلدان الصناعية الكبرى المتقدمة يسير في طريق الوفاء بتعهداته الخاصة بالحدّ من انبعاثات غازات الدفيئة، التي تقف وراء تغيُّر المناخ.

إنّ التفكير القائم على التمني، إلى جانب التعجرف، يطمسان ما يجري على أرض الواقع؛ فها هي بلدان الاتحاد الأوروبي تعاني في سعيها للوصول بكفاءة الطاقة والطاقة المتجددة إلى المستويات التي زعمت أنها ستصل إليها. وقد قطعت اليابان على نفسها وعودًا بتخفيض الانبعاثات؛ لتتناسب مع نظرائها من البلدان الأخرى، إلا أن تحقيق هذه الأهداف سيكلفها أكثر مما تريد أن تدفع. وبعيدًا عن محاولات ترامب، الرامية إلى إيقاف سياسة المناخ الاتحادية، فإن الولايات المتحدة تسير ببطء شديد في سعيها لتحويل اقتصادها إلى اقتصاد قائم على الطاقة النظيفة.

لقد أتاح اتفاق باريس - نظريًّا - إعادة النهوض بالدبلوماسية المناخية، عبر مَنْح المرونة اللازمة للبلدان؛ لتضع التزاماتها الخاصة. واعتبارًا من شهر يوليو 2017، صَدَّق 153 بلدًا على الاتفاق؛ وقدَّم 147 بلدًا منها تعهدات بخفض الانبعاثات، وتُعرَف هذه التعهدات أيضًا باسم الإسهامات المحددة محليًّا. وتتمحور الفكرة في أنه مع تنفيذ كل بلد لتعهداتها، يمكن للبلدان الأخرى معرفة ما يمكن تنفيذه. ومن ثم، يبرز تعاون عالمي في ميدان حماية المناخ، إلا أن هذا المنطق مهدَّد بالانهيار، لأن الحكومات الوطنية تقدِّم وعودًا لا تستطيع الوفاء بها.

إنّ وَضْع اتفاق باريس على المسار الصحيح يقع على عاتق الدول الصناعية الكبرى؛ فهذه البلدان التي تتولى عادة دور الريادة في السياسات المتعلقة بالمناخ قد قطعت على نفسها تعهدات ستكلفها الكثير. إنها الدول التي تمتلك موارد مالية كبيرة، ناهيك عن أنها هي المسؤولة عن أكثر الانبعاثات منذ الثورة الصناعية. أما البلدان النامية، فلها بالطبع دور بارز في الحدّ من الانبعاثات العالمية؛ لإيقاف الاحترار العالمي، بيد أنها حتى هذه اللحظة لم تضع سوى أهداف قابلة للتحقيق بسهولة1،2 ؛ إذ تتجه أولويات سياسات تلك البلدان إلى شؤونها المحلية من خلال التركيز على المشكلات المُلِحّة، مثل الحد من تلوث الهواء، وتحسين أمن الطاقة محليًّا.

إننا نناشد الحكومات التي تريد تفعيل اتفاق باريس أن تعيد النظر في تعهداتها الآن، قبل موعد بدء عملية المراجعة الرسمية بحلول عام 2020 بوقت كاف، وأن تتحرى الصدق حيال ما يمكنها فعله، وما ستفعله حقًّا. وعليها أيضًا أن تتعهد بفتح الباب أمام قيام الدول الأخرى بمراجعة تعهداتها، وكذلك العلماء؛ فمع قَدْر أكبر من الشفافية المستندة إلى الواقع، يمكن للدبلوماسية التي تتبع النهج التصاعدي المعنية بشؤون المناخ أن تسفر عن تعاون حقيقي؛ فالطموح ليس بديلًا عن العمل.

تقدُّم طفيف

تتناقص معدلات الانبعاث في جميع البلدان الصناعية المتقدمة تقريبًا، إلا أن ذلك التناقص بطيء للغاية، بحيث لا يوفي بالتعهدات التي قطعَتها الحكومات على أنفسها في اتفاق باريس (انظر: "العجز المناخي"). ورغم تكرار الموقف العام ذاته في تلك البلدان، فإن التفاصيل تختلف من بلد إلى آخر.

Source: Ref. 1/UNFCCC; http://go.nature.com/2uybld5

تعهدت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في عام 2015، على سبيل المثال، بالحد من الانبعاثات في الولايات المتحدة بنسبة تتراوح بين 26 و28%، أقل من مستويات عام 2005، وذلك بحلول عام 2025، ومع ذلك، فمن المحتمل ألا تتمكن البلاد من الحد من انبعاثاتها، إلا بنسبة تتراوح بين 15 إلى 19%. فقد لجأت أسواق الطاقة من تلقاء ذاتها إلى الاستعاضة عن الفحم بالغاز الطبيعي؛ كما أن السياسات التي تشجِّع على استخدام الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة تلعب دورًا مهمًّا3. وأقل ما تُوصف به الافتراضات المتعلقة بالحد الأقصى لعزل الكربون من الغابات - التي قدمَتْها الحكومة الأمريكية إلى الأمانة العامة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ - أنها شجاعة، ولكنْ حتى عند الجمع بينها وبين الافتراضات المتفائلة بشأن انخفاض الطلب على الطاقة، وتكلفة الطاقة النظيفة، فالأرجح أن الانبعاثات سوف تقل بنسبة 23% على أقصى تقدير عن مستويات عام 2005 بحلول عام 2025 (المرجع:3).

وفي ظل إدارة ترامب، اتسعت الفجوة بين ما جرى التعهد به، وما سوف يتحقق فعليًّا؛ إذ تسعى الحكومة الفيدرالية إلى إلغاء "خطة الطاقة النظيفة"، التي وضعتها "وكالة حماية البيئة الأمريكية"، لكي توقف العمل بالقيود التي كانت مفروضة على انبعاثات غاز الميثان، وتلغي سياسات كفاءة الطاقة4. وقد تعهدت شركات كثيرة، ومدن، وولايات في الولايات المتحدة بمواصلة الحدّ من الانبعاثات، إلا أن هذه التعهدات لا تزال حتى الآن مجرد ادعاءات لم تدخل حيز التنفيذ.

كانت اليابان قد تعهدت بخفض الانبعاثات بنسبة مماثِلة لنسبة الولايات المتحدة، التي هي 26% أقل من مستويات عام 2013 بحلول عام 2030، بيد أن الاقتصاد الياباني أكثر كفاءة بالفعل من اقتصاد الولايات المتحدة، إذ إن كل ناتج اقتصادي في اليابان قيمته دولار يتطلب طاقة أقل بنسبة 40%، مقارنة بالولايات المتحدة، وفقًا لبيانات "وكالة الطاقة الدولية". ولذا، فإن ترشيد نفقات نظام كفء بالفعل ستحتاج إلى جهد جبار؛ وبالتالي فإن التكاليف المترتبة على وفاء اليابان بتعهداتها مرتفعة للغاية1، وقابلة للزيادة، حتى إنها قد تصل إلى مستويات غير مستدامة على المستوى السياسي، لا سيما للصناعات التي يجب أن تكون قادرة على المنافسة في جميع أنحاء العالم. على سبيل المثال، ستؤدي البرامج الرامية إلى التحرك السريع نحو أكثر المعدات كفاءة في صناعة الصلب إلى تراجع أسهم رأس المال على نحو أسرع بكثير مما هو مقبول في السوق.

وفي اليابان، كما هي الحال في جميع البلدان الصناعية، تمثل الكهرباء عنصرًا محوريًّا في الجهود الرامية إلى الحد من الانبعاثات. وفي المجمل، فإن تعهدات اليابان والسياسات المصاحبة لها قد تقلِّل استهلاك الكهرباء بنسبة 17% عن المستوى المتوقَّع، دون سياسات جديدة بحلول عام 2030؛ برغم حقيقة أن قطاعات أخرى - مثل قطاع النقل - سوف تستخدم الكهرباء.

وإضافة إلى ذلك، يبدو أن الحكومة اليابانية لن تستطيع - على الأرجح - أن تحقق هدفها الرامي إلى توفير 20-22% من الكهرباء المتولدة من الطاقة النووية الخالية من الكربون بحلول عام 2030. وتشير تحليلاتنا إلى أنها قد تتمكن من توفير نسبة 15% فقط. ففي الوقت الراهن، توجد خمسة مفاعلات فقط من أصل 42 مفاعلًا نوويًّا تنتج الكهرباء، كما أن الجهود الرامية إلى إعادة تشغيل المزيد من المفاعلات تواجِه عقبات سياسية وتنظيمية في أعقاب كارثة المفاعل النووي فوكوشيما داييتشي.

يعاني الاتحاد الأوروبي أيضًا من فجوة كبيرة بين الأقوال، والأفعال، فثمة تقدُّم يحرز من خلال "مخطط تبادل الانبعاثات" ETS في المنطقة، الذي سيمكِّن قطاع الطاقة، والقطاع الصناعي من خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 43% عن مستويات عام 2005، وذلك بحلول عام 2030 (انظر: go.nature.com/2tk9yhh). وكما هو الحال في الولايات المتحدة، فإن القدر الأكبر من ذلك الانخفاض سيكون ناتجًا عن التحول من الفحم إلى الغاز، وليس من خلال بناء مَرافق طاقة متجددة، أو محطات نووية، أو مَرافق احتجاز الكربون وتخزينه5.

إن أكبر مشكلة تواجه أوروبا هي نسبة الانبعاثات، البالغة 55%، الواقعة خارج نطاق "مخطط تبادل الانبعاثات" ETS، التي تَصْدُر من المباني، ووسائل النقل، والزراعة، والنفايات؛ فتكاليف تغيير هذه القطاعات قد تكون مرتفعة، ناهيك عن ضخامة الصعوبات العملية في التنفيذ. فعلى سبيل المثال، إنّ خِطَط الاتحاد الأوروبي للحدّ من استهلاك الطاقة بنسبة 27-30% بحلول عام 2030، مقارنة بسيناريو العمل المعتاد، تُعَدّ خططًا طموحة بشكل مفرط. ويتعرقل سير العمل بسبب ضَعْف لوائح البناء في البلدان الأعضاء، وسوء تطبيق الحد الأدنى من المعايير، والحساب المزدوج لوفرة الطاقة، الناتجة عن تداخل السياسات.

أما بالنسبة إلى السيارات الجديدة، فقد تحدّ معايير أداء ثاني أكسيد الكربون ومتطلبات التسمية الأكثر صرامة من الانبعاثات، إلا أنه سيظل هناك تفاوت بين الاختبارات المختبرية، والأداء الفعلي على أرض الواقع. أما على صعيد الزراعة، والغابات، فمن المتوقع أن تتضاعف حصة انبعاثات الاتحاد الأوروبي في حالة غياب التنسيق لتقليل الانبعاثات. هذا، ولا تسير الاستثمارات على الطريق الصحيح نحو تحقيق هدف أوروبا، المتمثل في توفير 27% من الطاقة من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030؛ فعلى أحسن تقدير، قد تسهِم السياسات الحالية في توفير نسبة 24% فقط6.

أَجَّج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المخاوف الأوروبية؛ فمن المحتمل أن يحرمها خروجها من عضوية الاتحاد الأوروبي من التمتع بتشريعات مفيدة متعلقة بالمناخ؛ بما في ذلك "مخطط تبادل الانبعاثات" ETS. كما أن خروج بريطانيا سيحرِم الاتحاد الأوروبي من وجود عضو قَوِيّ، وطَموح، وراشد اقتصاديًّا7.

وهناك بلدان صناعية متقدمة أخرى، أبدت كذلك تعجرفًا وتأخرًا في التنفيذ؛ فها هي أستراليا - على سبيل المثال - في مراجعة يونيو 2017  لأمن مستقبل سوق الكهرباء بالبلاد8، توصي بخفض ضئيل للانبعاثات، على نحو سيجعل من الصعب الوفاء بالتزامات اتفاق باريس. ومن ناحية أخرى، طبَّقت المكسيك، وكوريا الجنوبية مخططات تفرض رسومًا على مَن يستخدمون الطاقة، وينتِجون غاز ثاني أكسيد الكربون، بالإضافة إلى سياسات أخرى تهدف إلى زيادة كفاءة استخدام الطاقة، واعتماد طاقة أنظف. ورغم ذلك، فإن الانبعاثات لا تتغير كثيرًا في أيٍّ من البلدين، الأمر الذي يشكك في تعهداتهما. وإذا أوقفت كوريا الجنوبية عمل العديد من محطات الطاقة النووية، وفقًا لما أشارت إليه الحكومة الحالية؛ فإن الفجوة ستزداد.

تحرُّك بطيء

ثمة منطق سياسي قويّ وراء هذه الفجوات في العمل، فقضية تغيُّر المناخ تحظى باهتمام عام كبير، لا سيما في البلدان التي ترى حكوماتها أنه يجب أن يُنظر إليها على أنها تقود الحلول العالمية. ومن السهل على السياسيين أن يقدموا وعودًا للناخبين - الذين نفد صبرهم - ولأحزاب المعارضة؛ إلا أنه من الصعب فرض تكاليف باهظة على مجموعات قوية ومنظَّمة. ولا يمكن لأي نظام من أنظمة الحوكمة الدولية أن يمحو هذه الحقائق السياسية الأساسية، غير أن اتفاق باريس أَجَّج هذه النيران، دون قصد، بالسماح للحكومات بوضع تعهدات غامضة، وغير خاضعة للمساءلة.

"زيادة كفاءة نظام كفء بالفعل تحتاج إلى جهد جبار".

تكاد غالبية التعهدات تخلو من أي إشارة إلى السياسات المستخدَمة، على نحو يصعِّب تحديد الفَعّال منها فعليًّا. فعلى سبيل المثال، قدّم الاتحاد الأوروبي معلومات قليلة عن عملية التعهد والتنفيذ المعقدة، السارية فعليًّا. كما أن الفجوة بين الوعود والأفعال كبيرة للغاية فيما يتعلق بالاستراتيجيات التي تستخدمها الحكومات لتعزيز كفاءة استخدام الطاقة، والتي غالبًا ما تكون تكاليفها الحقيقية غامضة. ورغم أنه يمكن تقييم أسعار المعدات بسهولة، فإنها غالبًا لا تمثل سوى جزء صغير من إجمالي تكاليف استخدامها.

كما أن التعهدات لا زال يكتنفها الغموض من نواح أخرى؛ فحتى إدارة أوباما، التي تعهدت بتبَنِّي مستوى عالٍ من الشفافية، لم تكشِف عن الافتراضات التي استخدمتها لنمذجة الانبعاثات المستقبلية. ولا تزال هناك حاجة إلى معلومات إضافية لتقييم جدوى عزل الكربون بواسطة الغابات، والنتائج المتوقعة لسياسة المناخ، واتجاهات سوق العمل المعتاد؛ لا سيما في ضوء تغيُّر القيادة الأمريكية.

تمثِّل المساءلة أمرًا بالغ الأهمية للدبلوماسية التي تتبع النهج التصاعدي، لكنها تزعج الحكومات التي تحرص على أنْ تبدو صورتها طيبة أمام الرأي العام. كما أن المساءلة تزيد من فائدة البحوث الأكاديمية، فعلى سبيل المثال، طَوَّر أكاديميون مجموعةً من نماذج الطاقة، التي تحسب تكاليف الضوابط. وقد تضطلع هذه النماذج بدور رئيس في مناقشة السياسيات المعنية بحساب التكاليف، التي ترغب الدول في إنفاقها لمعالجة تغيُّر المناخ، فضلًا عن كيفية استخدام هذه الموارد بكفاءة أكبر. ومع ذلك، فإن تلك النماذج تستند إلى عدد كبير من الافتراضات المتعلقة بتصميم وتنفيذ السياسات، وتوافر التكنولوجيات، وهيكل الاقتصاد الذي يؤثر على التكاليف المتوقعة تأثيرًا مضاعفًا1، 2، 9.   سيحسِّن الواقع الفعلي هذه النماذج، ويساعد العلماء والحكومات على الكشف عن التكاليف والفوائد الحقيقية لاتخاذ الإجراءات العملية.

المسار السريع

يتسم إطار عمل اتفاق باريس بالمرونة10 من حيث تصميمه، ويتعين على الحكومات الراغبة في تفعيل الاتفاق أن تعجِّل بتحويل منظومة التعهدات - التي تمثل الركيزة الأساسية لإطار العمل - إلى عامل محفِّز فعّال للتعاون الدولي.

أولًا: يتعين على الحكومات أن تترجم الحوار إلى إجراءات ملموسة، بغض النظر عن الأهداف الرقمية الكبيرة المرجوة من الانبعاثات، مثل خفض النسبة المئوية إلى معدلات أقل من المستويات الأساسية. وينبغي أن تكون التعهدات أطول أمدًا، وأكثر تفصيلًا، وتتضمن معلومات داعمة كثيرة عن الأعمال المطلوبة، ومَن سيقوم بها، وموعد وكيفية تنفيذها، وتكلفتها. كما يجب مَنْح اهتمام خاص لما تقوم به الحكومات لأَجْل تحفيز الاستثمارات الخاصة في التقنيات الجديدة. إن الأهداف الجريئة ما زالت تنطوي على أهمية كبيرة، بلا شك، إلا أن الحقائق أكثر أهمية.

ثانيًا: لا بد من وجود مقاييس ومؤشرات ونماذج أكثر ملاءمة؛ لرصد السياسات الفعالة. وتمثل التكلفة أحد المؤشرات التي تستلزم ربطًا أقوى بين الدراسات الأكاديمية، والعالَم الواقعي. قد تشمل المؤشرات الأخرى تحويل مسار التجارة والاستثمار إلى صناعات "قذرة" ذات انبعاثات كربونية عالية في أماكن أخرى في الخارج، قرابة السواحل أو بعيدًا عن البلاد، ولا غنى عن ذلك لمواءمة سياسات المناخ مع سياسات الاستثمار والتجارة. كما أن هناك حاجة إلى مقاييس للاستثمار العام في مجالات البحث والتطوير. وبوجه عام، يجب توضيح معالم الجهود المتعهَّد بها للتأثير على القطاعات الفردية.

وجدير بالذكر أنّ الاتفاق على المؤشرات والمعايير الصحيحة للتعهدات - في إطار عمل اتفاق باريس الرسمي، المدعوم من الأمم المتحدة - سيكون مستحيلًا، لأن بلدانًا كثيرة لا تريد الصراحة2،9. ومن الحلول المطروحة، أن تتطوع البلدان بإصدار تعهدات جديدة، وأن تقدِّم مراجعات مفصلة للجهود السياسية لبعضها البعض. وقد قامت الصين، والولايات المتحدة بذلك في أكتوبر عام 2016، إذ عرضتا مراجعات متبادلة لجهودهما الرامية إلى إصلاح دعم الوقود الأحفوري، في إطار أعمال مجموعة الدول العشرين الكبرى. ولعل إعداد المزيد من هذه التقارير في العام المقبل يسهم في إعادة تفعيل عمليات المراجعة الرسمية المنتظَرة في إطار عمل اتفاق باريس10.

ثالثًا: سيسهل التركيز على السياسات الناجحة فعليًّا تحديد المجالات التي يجب أن يزداد تعاون البلدان فيها. وتشمل السياسات المرشحة تدابير خفض تكاليف تكنولوجيات الطاقة المتجددة والفعالة؛ وبذل جهود لإيقاف إزالة الغابات (مثل تلك المرتبطة بصناعة زيت النخيل)؛ ووضع سبل للحدّ من جزيئات السخام، وغازات الدفيئة قصيرة العمر، مثل الميثان. وبالتركيز على مثل هذه النجاحات؛ ستجني الحكومات والشركات والأطراف المعنية الأخرى المزيد من الفوائد الملموسة، من جرّاء المشاركة في اتفاق باريس.

لقد مَثَّل اتفاق باريس خطوة عملاقة نحو الأمام، إلا أن إطار العمل لا يزال وليدًا، وهَشًّا، ولم ينضج بعد. ولا تزال فوائده نظريةً فحسب لأغلب الأطراف المعنية، كما أن خروج الولايات المتحدة قد يضاعف هذه المشكلات، أو ربما يتيح فرصة لإصلاح مشكلة تلوح في الأفق، تتمثل في التعهد بأهداف غير منطقية."زيادة كفاءة نظام كفء بالفعل تحتاج إلى جهد جبار".

References

  1. Akimoto, K., Sano, F. & Shoai Tehrani, B. Evolut. Inst. Econ. Rev. 14, 193–206 (2017). | article
  2. Aldy, J. et al. Nature Clim. Change 6, 1000–1004 (2016). | article
  3. Larsen, J., Larsen, K., Herndon, W. & Mohan, S. Taking Stock: Progress Toward Meeting US Climate Goals (Rhodium Group, 2016). 
  4. Larsen, K., Larsen, J., Herndon, W., Mohan, S. & Houser, T. Taking Stock 2017: Adjusting Expectations for US GHG Emissions (Rhodium Group, 2017). 
  5. Drummond, P. & Ekins, P. Clim. Pol. 17, S51–S71 (2017). | article
  6. European Commission. Proposal for a Directive of the European Parliament and of the Council on the Promotion of the Use of Energy from Renewable Sources (European Commission, 2016). 
  7. Hepburn, C. & Teytelboym, A. Oxford Rev. Econ. Pol. 33, S144–S154 (2017). | article
  8. Commonwealth of Australia. Blueprint for the Future: Independent Review into the Future Security of the National Electricity Market (Department of the Environment and Energy, 2017). 
  9. Aldy, J. E. & Pizer, W. A. Rev. Environ. Econ. Pol. 10, 3–24 (2016). | article
  10. Victor, D. G. Yale Environment 360 (2 June 2017); available at go.nature.com/2uxt8r6 

ديفيد جي فيكتور أستاذ العلاقات الدولية في كلية السياسة والاستراتيجية العالمية بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو، الولايات المتحدة، والرئيس المشارك لمبادرة أمن الطاقة والمناخ في "مؤسسة بروكينجز" بالعاصمة الأمريكية واشنطن. كييجو أكيموتو رئيس مجموعة تحليل الأنظمة في المعهد البحثي للتكنولوجيا المبتكرة من أجل الأرض (رايت RITE) في كيوتو، اليابان. يويتشي كايا، وميتسوتسون ياماجوتشي هما – على التوالي – رئيس معهد رايت RITE، والمستشار الخاص لمعهد رايت RITE في العاصمة اليابانية طوكيو. داني كولينورد باحث مشارِك في "مؤسسة نير زيرو"، كاليفورنيا، الولايات المتحدة. كاميرون هيبورن أستاذ الاقتصاد البيئي في "جامعة أكسفورد" البريطانية.

البريد الإلكتروني: david.victor@ucsd.edu