تحقيق إخباري

النجم الصاعد

العلم يجني ثمار استثمارات الصين في الفضاء.

جين تشيو

  • Published online:
حمل صاروخ "لونج مارش-7" هذا مركبة شحن إلى المختبر الفضائي "تيانجونج-2" في إبريل الماضي.

حمل صاروخ "لونج مارش-7" هذا مركبة شحن إلى المختبر الفضائي "تيانجونج-2" في إبريل الماضي.

VCG/Getty

يبدو أن الوقت يمر بشكل أسرع في "المركز الوطني لعلوم الفضاء" ،  الذي يقع على مشارف بكين. ينطلق الباحثون في شتى أرجاء ذلك المجمع الجديد ، التابع للأكاديمية الصينية للعلوم (CAS)؛ ترقبًا لإطلاق أول تليسكوب بالأشعة السينية في تاريخ البلاد. في مركز التحكم في المهمة توجد شاشة ضخمة تذيع فيلمًا يتكرر، يسلط الضوء على الإنجازات الرئيسة التي حققتها البلاد في مجال الفضاء. ويركز المهندسون أنظارهم باهتمام شديد على شاشات الحاسوب، في حين يطوف أفراد طاقم التصوير الخاص بالتليفزيون الرسمي في الغرفة، حاملين كاميرات التصوير، حيث يقومون بتجميع لقطات مصورة لفيلم وثائقي عن الصعود المذهل للصين كقوة فضائية. تتزين الجدران بشعارات تحفيزية، كُتب على أحدها "اجتهاد وإتقان"، في حين يبث شعار آخر شحنة من التشجيع، إذ يقول: "10 آلاف محاولة، بدون مرة إخفاق واحدة".

من جانبه، يرى مدير عام المركز، وو جي، أن هذا المجمع الذي تبلغ مساحته 19.4 هكتار، وبلغت تكلفته 914 مليون يوان (ما يعادل 135 مليون دولار أمريكي) يعبِّر عن وصول جهود الصين في علوم الفضاء إلى مرحلة النضج. فعلى مدار العقود القليلة الماضية، حسب قول وو، اكتسبت الصين القدرة على وضع الأقمار الصناعية ورواد الفضاء في المدار الأرضي، وإرسال المركبات الفضائية إلى القمر، ولكنها لم تقم بإجراء أبحاث على قدر كبير من الأهمية من موقعها المتميز هذا، الذي وصلت إليه الآن، والذي يزداد علوًّا... لكن ذلك يتغير الآن. يقول جي: "فيما يخص علوم الفضاء، نحن الوافد الجديد على الساحة".

وتُسرِّع الصين من جهودها؛ لترسيخ مكانتها القيادية في هذا المجال. ففي عام 2013، هبطت مركبة فضائية تزن 1.2 طن، وتُدعى "تشانج إي 3" Chang’e-3 على القمر، حيث قامت بتوصيل عربة جوالة تَستخدِم رادارًا لاختراق التربة؛ من أجل قياس الطبقة تحت السطحية للقمر بدقة غير مسبوقة. أمّا آخِر وأحدث مختبر فضائي للصين، الذي أُطلق في شهر سبتمبر من عام 2016، فيحمل على متنه أكثر من اثنتي عشرة حمولة علمية. كما تم إرسال أربع بعثات إضافية مخصصة للفيزياء الفلكية ومجالات أخرى؛ للدخول في المدار في العامين الماضيين، بما في ذلك مركبة فضائية تقوم بإجراء تجارب رائدة في مجال التواصل الكَمِّي.

وقد كان لتلك الجهود، التي تضم أعمال الأكاديمية الصينية للعلوم (CSA) وغيرها من الوكالات، أثر كبير تخطَّى حدود البلاد بكثير. يقول يوهان-ديتريش فورنر، المدير العام لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA) في باريس: "يتميز برنامج علوم الفضاء في الصين بديناميكيته البالغة، وأساليبه المبتكرة، بل إنه يأتي في صدارة الاكتشافات العلمية". وتتضمن المهام المُنتظرة بحماس شديد في العقد المقبل محاولات للإتيان بعيِّنات من القمر، وكذلك مشروعًا مشتركًا بين الأكاديمية الصينية للعلوم، ووكالة الفضاء الأوروبية؛ لدراسة طقس الفضاء، إلى جانب مهام غير مسبوقة؛ لاستكشاف المادة المظلمة، والثقوب السوداء.

ورغم تلك القوة الدافعة، يساور القلق كثيرًا من الباحثين الصينيين بشأن مستقبل البلاد في مجال علوم الفضاء. ففي الثاني من يوليو الماضي، فشل إطلاق صاروخ من طراز "لونج مارش-5" Long March-5 في أثناء إطلاق قمر صناعي للاتصالات؛ مما أثار مخاوف بشأن مهمة إلى القمر، مقرر أن تتم قريبًا، وسوف تَستخدِم مركبة مشابِهة. وهناك مسائل أوسع نطاقًا، تلقي بظلالها على الأفق. يقول لي تشونلاي، نائب مدير المراصد الفلكية الوطنية في بكين، التابعة للأكاديمية الصينية للعلوم، وأحد كبار المستشارين العلميين للبرنامج الصيني لاستكشاف القمر: "تواجِهنا تحديات هائلة على المستويين الدولي والمحلي". وغالبًا ما تعاني الصين من تنحيتها جانبًا في مشروعات التعاون الدولي، وفي السنوات الأخيرة صار لزامًا عليها دخول المنافسة مع الولايات المتحدة؛ للحصول على شركاء؛ نتيجة لقانون أمريكي يحظر على وكالة "ناسا" العمل مع الصين. أما داخل الصين، فلم تقم الحكومة بإجراء أي تخطيط استراتيجي لعلوم الفضاء، أو تقديم دعم مالي طويل الأجل. يقول لي: "لا تتمثل المسألة في مدى نجاح الصين حتى الآن، وإنما في مدى استمرارية هذا النجاح".

محاولات للوصول إلى القمر

بدأ دخول الصين عصر الفضاء عن طريق أغنية. ففي عام 1970، نقل أول قمر صناعي أطلقته البلاد النشيدَ الوطني "الشرق أحمر" من المدار الأرضي المنخفض، ولكنْ لم تَخْطُ البلاد خطوات جادة نحو ترسيخ حضورها القوي في الفضاء، إلا بعد انتهاء الثورة الثقافية في عام 1976. وقد تَحَقَّق الإنجاز الرئيس الأول في عام 1999، مع إطلاق "شينزو-1" Shenzhou-1، وهي كبسولة اختبار غير مأهولة، شكلت نقطة البدء لبرنامج الرحلات الفضائية البشرية. ومنذ ذلك الحين، حققت البلاد سلسلة من النجاحات، كان من بينها إرسال رواد فضاء صينيين إلى المدار، وإطلاق مختبرين فضائيين (انظر: "المدار الأرضي، وما وراء نطاقه").

1970 الصين تطلق أول قمر صناعي خاص بها، باسم "دونجفانجهونج-1".

1999 إطلاق كبسولة الاختبار غير المأهولة "شينزو-1" يمثل نقطة البدء لبرنامج رحلات الفضاء البشرية، الخاص بالصين.

2003 رائد الفضاء يانج ليوي ينطلق على متن "شينزو-5" في أول مهمة مأهولة تجريها الصين إلى مدار الأرض.

2007 إطلاق أول عربة مدارية قمرية للصين، باسم "تشانج إي 1".

2011 أول مختبر فضائي صيني، باسم "تيانجونج-1" يصل إلى المدار.

2013 المركبة الفضائية القمرية "تشانج إي 3" تقوم بأول هبوط ناعم للصين على سطح القمر.

2015 مستكشِف جسيمات المادة المظلمة (DAMPE) يصل إلى مدار الأرض.

2016 إطلاق المختبر الفضائي "تيانجونج-2" الذي يحمل 14 تجربة علمية.

2017 الصين تطْلِق أول تليسكوب لها يعمل بالأشعة السينية، وهو منظار تشكيل الأشعة السينية القاسية (HXMT).

2017 الصين تخطط لإطلاق المركبة "تشانج إي 5" في مهمة لإحضار عيِّنات من القمر إلى الأرض.

 

LIANG XU/XINHUA VIA ZUMA WIRE

يقول مايكل مولوني، مدير الهيئات التي تغطي أمور الفضاء الجوي وعلوم الفضاء بالأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب في واشنطن العاصمة: "لقد حقق البرنامج الفضائي الصيني إنجازات هائلة في وقت قصير". وبشكل مطرد، أصبح العلم يمثل جزءًا أكبر من المهام التي تجريها كل من "إدارة الفضاء الوطنية الصينية" CNSA، الجهة الحاكمة لعمليات استكشاف القمر والكواكب، و"وكالة الفضاء المأهول الصينية"، فعلى سبيل المثال، يحتوي أحدث المختبرات الفضائية للبلاد، المعروف باسم "تيانجونج-2" Tiangong-2، على عدد من الحمولات العلمية، ومن بينها ساعة ذرية متقدمة، وجهاز للكشف، تبلغ تكلفته 3.4 مليون دولار، ويُسمى "بولار" POLAR؛ لدراسة دفقات أشعة جاما، وهي انفجارات إشعاعية عالية الطاقة تنبعث من النجوم المنهارة، وغيرها من المصادر.

وكانت أولى غزوات الصين للقمر - وتتمثل في عربات مدارية أُطلقت في عامي 2007، و2010 - بمثابة عروض هندسية، أكثر منها مهام علمية، ولكنْ تغيَّر ذلك مع أول مركبة هبوط "تشانج إي 3". جعلت تلك المهمة من الصين الدولة الثالثة التي تنجح في إتمام هبوط ناعم على سطح القمر. والأهم من ذلك.. أن المركبة هبطت في منطقة من سطح القمر، لم تتم دراستها عن قرب من قبل. وقد كشفت قياسات أجهزة الرادار والتحليلات الجيوكيميائية عن تاريخ معقد من الانفجارات البركانية، التي يمكن أن تكون قد وقعت منذ ملياري سنة1. يقول قائد الدراسة شاو لونج، العالِم المتخصص في جيولوجيا الكواكب بجامعة الصين للعلوم الجيولوجية في ووهان: "لقد ساعدتنا فعلًا في عبور الفجوة في فَهْمنا لتاريخ القمر، وبِنْيته العميقة".

وقد جذبت النتائج انتباه علماء الكواكب في بلدان أخرى. يقول جيمز هيد، المتخصص في استكشاف الكواكب بجامعة براون في بروفيدنس برود آيلاند: "نحتاج بصورة عاجلة إلى أن نحدد بدقةٍ عُمْر أحدث النشاطات البركانية على القمر، وتركيبها". وقد يصبح ذلك ممكنًا في وقت قريب. فاعتبارًا من شهر ديسمبر القادم، سوف يتم إطلاق المركبة الفضائية "تشانج إي 5" في مهمة تستهدف إحضار عيِّنات من منطقة بالقرب من منطقة "مونس رومكر" Mons Rümker، وهي منطقة معروفة باحتوائها على صخور بركانية أحدث بكثير من تلك التي تم الحصول عليها من مواقع هبوط المركبة "أبولو" Apollo. يقول هيد: "سيكون ذلك بمثابة إضافة رائعة لعلوم القمر".

خمس سنوات

وقد أتت الثروات المتزايدة لعلوم الفضاء الصينية بشكل جزئي من الجهود التي بذلتها الأكاديمية الصينية للعلوم، والتي عملت على امتداد العقد الأول من القرن الحالي على إقناع الحكومة الصينية بتعزيز التأثير العلمي لمهام الأكاديمية. وفي النهاية، قوبلت جهود الأكاديمية بدعم مالي كبير، حيث انطلق برنامج الأولوية الاستراتيجية حول علوم الفضاء - الذي يمتد لخمس سنوات - في عام 2011، وقدَّم 510 ملايين دولار؛ لتطوير أربعة أقمار صناعية علمية.

ومن بين المهام التي أثمرت نتائج مبكرة، وحظيت باهتمام عالمي كبير، مهمة "التجارب الكمية على مستوى الفضاء" (QUESS)، التي تبلغ تكلفتها 100 مليون دولار. أُطلقت المركبة الفضائية في أغسطس عام 2016، ومنذ ذلك الحين تقوم باختبار ظاهرة غريبة، تُدعى "التشابك"، حيث ترتبط الحالات الكمية للجسيمات ببعضها بعضًا، حتى لو كانت الجسيمات متباعدة للغاية. وفي شهر يونيو الماضي، أفاد فريق مهمة QUESS أنه كان قد استخدم القمر الصناعي لإرسال زوج من الفوتونات المتشابكة إلى محطتين أرضيتين، تقعان على بعد 1,200 كيلومتر من بعضهما بعضًا2، وهي مسافة تفوق بكثير الرقم القياسي المسجل سابقًا، الذي بلغ  144 كيلومترًا (المرجع 3).

كما يستخدم الفريق أيضًا القمر الصناعي لاختبار إمكانية إنشاء قناة اتصال كَمِّي بين مدينة جراتس القريبة من فيينا، والعاصمة بكين. والهدف من ذلك هو نقل المعلومات بشكل آمِن، من خلال تشفيرها بمفتاح يتم ترميزه بحالات الفوتونات. ومن جانبه، يقول بان جيان-واي، عالِم الفيزياء بجامعة العلوم والتكنولوجيا الصينية، التابعة للأكاديمية الصينية للعلوم في خوفي، والباحث الرئيس للمهمة: "إذا نجح الأمر؛ فحينئذ لن تصبح فكرة إنشاء شبكة اتصالات كمّية عالمية مجرد خيال علمي".

وينتظر الباحثون أيضًا أشياء عظيمة من مستكشِف جسيمات المادة المظلمة (DAMPE)، الذي تبلغ تكلفته 300 مليون دولار. ويُعَدّ هذا الكاشف، الذي أُطلق في عام 2015، أحدث الأجهزة في التقاط الأشعة الكونية ذات الطاقة العالية، حسبما يقول مارتين بول، عالم الفيزياء الفلكية بجامعة جنيف في سويسرا، والباحث الرئيس المساعد للمهمة.

ويمكن للبيانات الخاصة بالمستكشِف المساعدة في تحديد ما إذا كان حدوث نمط مفاجئ في فيض الإلكترونات والبوزيترونات ذات الطاقة العالية، التي تم رصدها عن طريق المطياف المغناطيسي ألفا (AMS) على متن محطة الفضاء الدولية، يرجع إلى المادة المظلمة، أم إلى مصادر فلكية، مثل النجوم المشعة، كما يقول بول، الذي يعمل أيضًا على المطياف المغناطيسي ألفا. ولأن المستكشِف أكثر حساسية للجسيمات عالية الطاقة من المطياف المغناطيسي ألفا، كما يقول؛ فإنه "سوف يقدم إسهامًا عظيمًا".

العلم للجميع

انطلقت مهمتا المادة المظلمة، والكمّ، قبل نفاد التمويل الخاص بعلوم الفضاء – الخاص بالأكاديمية الصينية للعلوم - مباشرة. كان على العلماء، بمن فيهم وو، أن يناضلوا من أجل استمرار الدعم. ومؤخرًا، قامت الحكومة الصينية بوضع البحوث التطبيقية على رأس أولوياتها، وقد تطلَّب الأمر تحمُّل ضغوط مكثفة على امتداد الجزء الأكبر من عام 2016، قبل أن ينجح الباحثون في إقناع الحكومة بتخصيص مبلغ إضافي، يُقَدَّر بـ730 مليون دولار للأكاديمية الصينية للعلوم؛ من أجل علوم الفضاء، على مدى الأعوام الخمسة القادمة. ويقول وو: "لم يكن الأمر ليتم من دون مشاجرات، ولكننا تمكنا من تحقيق ذلك".

وتوفر الخطة الجديدة - التي بدأت في هذا العام - التمويل لعدد من المهام، المقرَّر إطلاقها في عشرينات القرن الحالي، ومنها أول مهمة لاستكشاف الشمس، تُطْلِقها الصين، وكذلك مركبة للاستشعار عن بُعْد؛ لدراسة دورة المياه على كوكب الأرض.

ولا تزال "إدارة الفضاء الوطنية الصينية"، و"وكالة الفضاء المأهول الصينية" تعززان من جهودهما في مجال علوم الفضاء. وأحد الأمور المثيرة للاهتمام هو تليسكوب يعمل بالأشعة السينية، تبلغ تكلفته 440 مليون دولار، تحت قيادة "إدارة الفضاء الوطنية الصينية"، ويُدعى مقياس الاستقطاب والتوقيت المُحَسَّن للأشعة السينية (أو eXTP اختصارًا). وإذ إنه من المخطط إطلاق تلك المهمة بحلول عام 2025، يتم تمويلها حاليًّا بشكل جزئي من قِبَل شركاء أوروبيين، وتضم مئات العلماء من 20 دولة. وقد صُممت تلك المهمة لدراسة المادة في ظل ظروف قاسية من الكثافة، والجاذبية، والمغناطيسية، لا يمكن إيجادها سوى في الفضاء، وعلى سبيل المثال.. داخل النجوم النيوترونية، أو حول الثقوب السوداء.

أما الجانب الأكثر ابتكارًا في القمر الصناعي، فيتمثل في قدرته على قياس التوقيت، وتوزيع الطاقة، والاستقطاب لإشارات الأشعة السينية، بدقة عالية، وبشكل متزامن؛ ما من شأنه تقديم نظرة ثاقبة عن طائفة من مصادر الأشعة السينية، كما يقول الباحث الرئيس المساعد ماركو فيروسي، عالِم الفيزياء الفلكية في "معهد الفيزياء الفلكية الفضائية وعلم الكواكب" في روما. كما سيحمل eXTP جهاز تليسكوب واسع المجال؛ لالتقاط الإشارات العابرة غير المعتادة. يقول جانج شوانجنان، عالِم الفيزياء الفلكية في "معهد الفيزياء عالية الطاقة" في بكين، التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، والذي يتولى قيادة المهمة: "فور إيجاده مصدرًا يُحتمل أن يكون مثيرًا للأهمية، سوف تتحول جميع الأدوات الأخرى نحو التركيز في ذلك الاتجاه. إنه السلاح الشامل لعلم الفلك المختص بالأشعة السينية".

ويجري العمل حاليًّا على قدم وساق في مشروعات تحت قيادة "وكالة الفضاء المأهول الصينية". ومن بين هذه المشروعات جهاز كشف للمادة المظلمة، الذي تزيد درجة حساسيته 15 مرة عن المستكشِف DAMPE. ومن المُخطط تركيب ذلك الجهاز في المحطة الفضائية الدائمة الصينية، التي من المقرر الانتهاء من إنشائها بحلول عام 2022. كما أن هناك أيضًا خططًا لإطلاق تليسكوب بصري، بتكلفة 730 مليون دولار، في مدار قريب من المحطة الفضائية. وبمجال رؤية أكبر 300 مرة من تليسكوب "هابل" Hubble، سوف ينتِج هذا التليسكوب بيانات استقصائية، يمكن أن تكون مثالية لدراسة المادة المظلمة، والطاقة المظلمة، إلى جانب البحث عن كواكب خارجية، حسب قول جو ييدونج، عالِم الفيزياء في "مركز التكنولوجيا والهندسة لاستغلال الفضاء" في بكين، التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، وأحد كبار المستشارين العلميين لوكالة الفضاء المأهول الصينية.

روابط عالمية

تشير تلك المشروعات إلى أن التعاون يزداد قوة الآن بين "الأكاديمية الصينية للعلوم"، والوكالات الصينية الأخرى ذات الصلة بالفضاء. كما أن هناك روحًا مشابِهة تنعكس في الخارج أيضًا. يقول فورنر إن برنامج الفضاء الصيني "يزداد ثقة وتطلعًا إلى المستقبل". ففي الماضي، لم تكن الإعلانات الخبرية تصدر إلا بعد نجاح المهمة، أما الآن، فتذيع الصين أنباء عمليات الإطلاق بشكل روتيني في أثناء حدوثها. كما صار العلماء الصينيون يتواصلون بشكل متزايد مع زملائهم على مستوى العالم، حيث يقومون ببناء الروابط من خلال مشارَكات ضيقة النطاق.

وغالبية المهام الكبرى التي تتم تحت قيادة "الأكاديمية الصينية للعلوم" تتضمن شركاء أوروبيين، إضافة إلى مشروعات تعاونية يطلقها باحثون من كلا الجانبين، إلا أن "وكالة الفضاء الأوروبية" تأمل في إقامة تعاون رفيع المستوى مع تلك القوة الصاعدة في مجال الفضاء. ففي أوائل عام 2015، أصدرت "وكالة الفضاء الأوروبية"، و"الأكاديمية الصينية للعلوم" دعوة لتلقِّي المقترحات لمهام تخص علوم الفضاء. وقد اختارت الهيئتان مشروعًا يُدعى "مستكشِف رابطة الرياح الشمسية، والغلاف المغناطيسي، وطبقة الأيونوسفير"، (ويُسمى اختصارًا SMILE)، على أن تتم قيادته بشكل مشترك، ويتم تمويله بمبلغ 53 مليون دولار من كل جهة من الجهتين. يقول وو: "تعمل الهيئتان معًا بشكل وثيق في كل مرحلة من مراحل تطوير المشروع".

وقد تعاونت "وكالة الفضاء الأوروبية" مع الصين منذ ما يزيد على عقد من الزمن في مشروع قمر صناعي، يُدعى "النجم المزدوج" أو Double Star؛ لدراسة العواصف المغناطيسية، ولكن تلك المهمة كانت تحت قيادة الصين. ومن خلال مشروع SMILE، تَختبِر الهيئتان نموذجًا جديدًا وأكثر خصوصية للتعاون بينهما. يقول فابيو فافاتا، رئيس إدارة التخطيط الاستراتيجي والتنسيق بوكالة الفضاء الأوروبية: "يتعلق الموضوع ببناء الثقة، وتشييد الجسور؛ حتى نتمكن من فَهْم بعضنا بعضًا بشكل أفضل. ومن المأمول أن يفتح ذلك الطريقَ نحو تعاون أوسع نطاقًا في المستقبل".

أما الدولة التي تغيب بشكل ملحوظ عن قائمة الصين الحالية للمتعاونين، فهي الولايات المتحدة الأمريكية. كانت الصين قد أسهمت في الماضي بمكونات رئيسة في مهام وكالة "ناسا"، إلا أن الوكالة محظور عليها الآن الدخول في مثل هذه المشروعات التعاونية، وذلك بموجب قانون أمريكي صدر في عام 2011. ونتيجة لذلك؛ فإن الصين مستبعَدة من المشاركة في المحطة الفضائية الدولية، إلا أنه يوجد على متن المحطة منتَج كان من ثمار التعاون السابق بين الولايات المتحدة، والصين، وعدد من البلدان الأخرى، ألا وهو "المطياف المغناطيسي ألفا".

ولا يزال ممثلون من وكالة "ناسا" ومن الوكالات الصينية يتبادلون الزيارات بشكل دوري، ولكنْ في ظل عدم إمكانية إجراء تعاون رسمي، ربما يحدث بعض التكرار الحتمي للجهود المبذولة. ففي مارس الماضي، اختارت وكالة "ناسا" مشروعًا باسم STROBE-X (وهو اختصار لاسمه بالإنجليزية "مرصد الطيف الضوئي للأشعة السينية ذات الطاقة واسعة النطاق")؛ من أجل الدراسات المستقبلية، وهو يشبه مهمة eXTP الصينية. قد يُطلَق المشروع بحلول عام 2030، وذلك بعد ما يقرب من خمس سنوات من تدشين مهمة eXTP. وتقول كولين ويلسون-هودج، عالمة الفيزياء الفلكية بمركز مارشال لرحلات الفضاء في هانتسفيل بولاية ألاباما، التابع لوكالة "ناسا"، وعضو فريق مشروع STROBE-X: "إن إجراء مهمتين متشابهتين للغاية في آن واحد ليس بالأمر المثالي". وتضيف: "أودّ لو أن هناك وسيلة تمكننا من العمل جميعًا معًا، بدلًا من منافسة بعضنا بعضًا".

المضيّ قدمًا

يُعَدّ التحدي الرئيس لعلماء الفضاء الصينيين هو إقناع حكومتهم بمدى الحاجة إلى استثمار طويل الأجل. ويشير جانج، الذي يتولى قيادة العديد من المهام الفيزيائية الفلكية، بما فيها مهمة eXTP، إلى الوضع على أنه بمثابة "حالة دائمة من  "zhaobu baoxi""، وهو تعبير صيني يعني "عدم معرفة من أين ستأتي الوجبة التالية". يقول جانج: "سوف نظل في أمان لمدة خمسة أعوام أخرى، لكنْ لا أحد يعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك".

وما زالت الإنجازات العظيمة التي تتحقق في مجالَي الهندسة والاستكشاف تحظى بالأولوية على حساب العلوم. فعلى سبيل المثال.. خُصصت للمحطة الفضائية الصينية ميزانية تبلغ 14.5 مليار دولار. ومع أن الرئيس الصيني شي جينبينج قد صرح بأن المحطة سوف تكون بمثابة المختبر الوطني للصين في الفضاء، فلا يوجد مبلغ مالي مخصَّص لتطوير حمولاتها العلمية. وربما تدعم المحطة العلوم مثلما يفعل مختبر "تيانجونج-2"، حيث تتيح توفير الطاقة والاتصالات للعديد من التجارب المتنوعة، ولكنْ ثمة خطر أيضًا يتمثل في "أنها سوف تكون بيتًا بلا أثاث"، حسبما يقول جانج.

وفي "المركز الوطني الصيني لعلوم الفضاء مترامي الأطراف"، يبدو الأثاث جديدًا، ولا يزال الهواء يحمل رائحة طلاء حديثة. فبعد ضمان الدفعة القادمة من الدعم المالي، يبدو على وو الارتياح، وقد استقر خلف مكتبه في كرسيه الكبير المصنوع من الجلد. يقر وو بالعيوب المؤسسية، لكنه متفائل بشأن المستقبل. ويقول بينما يلقي نظرة خاطفة على نماذج الأقمار الصناعية التي تصطف فوق أرفف غرفة مكتبه: "حتى الآن، تسير الأمور بشكل جيد جدًّا. لا يمكننا أن نتوقع أن تتغير الأمور بين عشية وضحاها".

References

  1. Xiao, L. et al. Science 347, 1226–1229 (2015). | article
  2. Yin, J. et al. Science 356, 1140–1144 (2017). | article
  3. Ursin, R. et al. Nature Phys. 3, 481–486 (2007). | article

جين تشيو كاتبة حرة، تعيش في بكين.