أنباء وآراء

قياس الدقة: استشعار ما وراء الحد الكَمِّي

فيزياء الكَمّ تحدد أخيرًا مدى جودة أداء أجهزة استشعار الموقع، والسرعة والتسارع. نظام كَمِّي هجين يتفادى تلك القيود يستطيع إنتاج تقنيات استشعار محسنة.

كريستوفر جي. بيكر، ووريك بي. بوين
  • Published online:

في فيزياء الكَمّ، حتى فِعْل الرصد قد تترتب عليه نتائج مثيرة. فعلى سبيل المثال، يمكن للرصد أن يقتل القطة في تجربة شرودنجر الذهنية الشهيرة. وهذه الخاصية تحد من أداء أجهزة الاستشعار، مثل كاشفات موجات الجاذبية، ومقاييس التسارع عالية الدقة. يوضح مولر وآخرون1، في عدد دورية Nature الصادر في الأسبوع الثاني من شهر يوليو، أن هذه القيود يمكن تجنبها في النظم الكَمّية المصمَّمة، ذات المكون "سالب الكتلة"؛ وهو مكون عند دفعه في اتجاه ما، تتسارع حركته في الاتجاه المعاكس على نحو منافٍ للمنطق. تمهد تجربة المؤلفين الطريق لتقنيات استشعار تتجاوز الحدود المعتادة لفيزياء الكَمّ.

إن أجهزة استشعار الحركة تقنية أساسية؛ فيمكنها أن تخبرنا أين نحن، وبأي سرعة نتحرك، وتتيح لنا استكشاف العالم المجهري، من سلوك الجزيئات الحيوية، مثل جزيئات الحمض النووي، إلى المستويات الذرية، وما دون الذرية. وعند استخدامها في كاشفات موجات الجاذبية، تقدِّم لنا لمحات عن ديناميكيات الأجرام الثقيلة، مثل الثقوب السوداء التي تبعد مسافات تزيد على مليار سنة ضوئية عن الأرض2.

تتكون أجهزة استشعار الحركة النانوميكانيكية من عنصر ميكانيكي يتذبذب (يتأرجح) استجابةً للمثيرات، على نحو يشبه - إلى حد كبير - لوح الغطس، ولكنه أصغر حجمًا بمُعامل قدره نحو مليون. هذه الاستجابة عادة ما يتم تحليلها بواسطة انعكاس مجال كهرومغناطيسي (مثل الضوء، أو موجات الراديو، أو المايكروويف) عن جهاز الاستشعار والكشف عن المجال بواسطة كاشف حساس للموقع. وفيما يتعلق بالأجهزة التكنولوجية43، تُستخدم أجهزة الاستشعار النانوميكانيكية كساعات، ومرشِحات، ومقاييس تسارُع في الأجهزة الإلكترونية المحمولة، مثل الهواتف المحمولة، كَمّا تستخدم كأداة للتشخيص الطبي الحيوي، حيث يمكنها الكشف عن وجود جزيء حيوي واحد.

مع التقدم في التصنيع النانوي وعلم القياس، وصلت أجهزة الاستشعار النانوميكانيكية إلى نقطة، من الممكن أن يتأثر عندها أداؤها بشدة بالمؤثرات الكَمّية. فعندما ينعكس مجال كهرومغناطيسي عن سطح جهاز استشعار مماثل، ينتقل الزخم عبر قوة تُسمى ضغط الإشعاع. ورغم أن ضغط الإشعاع لا يمكن الشعور به في حياتنا اليومية، فإنه يفسر - على سبيل المثال - لماذا تتجه ذيول المذنَّبات بعيدًا عن الشمس، وهو الأساس الذي تقوم عليه مقترحات إطلاق المركبات الفضائية باستخدام الأشرعة الشمسية. وتخبرنا فيزياء الكَمّ أن طاقة المجال المغناطيسي مقسمة إلى وحدات منفصلة (فوتونات). ونتيجة لهذا التقسيم إلى وحدات صغيرة، يجري تعريض أجهزة الاستشعار النانوميكانيكية لسلسلة من "دفعات" الزخم الموزعة زمنيًّا بشكل عشوائي، يتمثل في دفعة واحدة لكل فوتون منعكس عن سطح جهاز الاستشعار. ينتج عن هذا قدر من عدم التأكد عند تحليل حركة أجهزة الاستشعار تلك، يُطلَق عليه اسم "ضوضاء تأثير المكشاف الكَمّية"5.

اتضح أن ضوضاء تأثير المكشاف هي سمة أساسية، ليس فقط للاستشعار النانوميكانيكي، ولكن أيضًا للقياس الكَمّي عمومًا. إنها نتيجة لمبدأ عدم التأكد لهايزنبرج، الذي يخبرنا أنه لا يمكننا أن نعرف بدقة موقع وعزم جسم ما في اللحظة نفسها. ونظرًا إلى صرامة هذا المبدأ، قد يظن المرء أن ضوضاء تأثير المكشاف مطْلَقة، إلا أنه يمكن تجنبها، فعلى سبيل المثال، يمكن للقياسات الومضية الستروبوسكوبية6 المصممة بعناية أن تحدد موقع الجسم، دون كشف أي معلومات عن عزمه. وفي هذه الحالة، لا يكون مبدأ عدم التأكد فاعلًا. وإضافة إلى ذلك، فإن المبدأ لا ينطبق مباشرة على القياسات الجماعية لأكثر من جسم واحد. وهنا تكمُن الحيلة التي استخدمها مولر وزملاؤه.

يمكن فهم عمل الباحثين عن طريق تأمل تجربة فكرية بسيطة، ينعكس فيها ضوء الليزر عن مذبذبين ميكانيكيين (مرايا مثبتة في زنبركات)، في محاولة لتحديد المسافة الفاصلة بين المذبذبين (الشكل 1أ). يستقبل كل مذبذب دفعات زخم من فوتونات شعاع الليزر، ولكنْ لأن كل فوتون يضرب المذبذب الأول يضرب أيضًا المذبذب الآخر، فإن دفعات الزخم مرتبطة ببعضها البعض، فهي تتجمع معًا، متسبِّبة في تذبذبات في المسافة الفاصلة بين المذبذبين، إلا أنه إذا كان من الممكن استبدال أحد المذبذبين بجسم له كتلة سالبة، فإن جسمًا كهذا سوف يتم جذبه، بدلًا من دفعه، بواسطة الفوتونات المنعكسة (الشكل 1ب). وسوف تكون دفعات الزخم مرتبطة عكسيًّا، وسوف يتلاشى تأثيرها على المسافة الفاصلة، وسيتم تجنب ضوضاء تأثير المكشاف في القياس المجمع.

شكل 1| تجنب ضوضاء تأثير المكشاف الكَمّية. 

أ. عندما ينعكس ضوء الليزر عن مِرآتين مثبتتين بزنبركين، يبذل الضوء قوة على المرآتين (الأسهم الزرقاء). تزداد سرعة المرآتين (الأسهم الحمراء) في اتجاه القوة نفسه. إن الطبيعة الاحتمالية للفوتونات تعني أن القوة المستخدمة تتغير عشوائيًّا مع الزمن. وبالتالي، عند استخدام الضوء لتحديد المسافة الفاصلة بين المرآتين، تتذبذب المسافة التي يتم قياسها، وهي ظاهرة تُعرف باسم "ضوضاء تأثير المكشاف الكَمّية". ب. عندما ينعكس الضوء عن مرآة افتراضية، لها كتلة سالبة، تزداد سرعة المرآة في الاتجاه المعاكس للقوة المستخدمة. لذا، عندما تُستبدل إحدى المرايا في أ بمرآة سالبة الكتلة؛ لا تتأثر المسافة الفاصلة بين المرآتين بعملية القياس. يخلق مولر وزملاؤه1 المكافئ لمرآة سالبة الكتلة باستخدام سحابة من ذرات السيزيوم، ويقدمون برهانًا تجريبيًّا على أن تلك الطريقة تتيح تجنُّب ضوضاء تأثير المكشاف الكَمّية.

أ. عندما ينعكس ضوء الليزر عن مِرآتين مثبتتين بزنبركين، يبذل الضوء قوة على المرآتين (الأسهم الزرقاء). تزداد سرعة المرآتين (الأسهم الحمراء) في اتجاه القوة نفسه. إن الطبيعة الاحتمالية للفوتونات تعني أن القوة المستخدمة تتغير عشوائيًّا مع الزمن. وبالتالي، عند استخدام الضوء لتحديد المسافة الفاصلة بين المرآتين، تتذبذب المسافة التي يتم قياسها، وهي ظاهرة تُعرف باسم "ضوضاء تأثير المكشاف الكَمّية". ب. عندما ينعكس الضوء عن مرآة افتراضية، لها كتلة سالبة، تزداد سرعة المرآة في الاتجاه المعاكس للقوة المستخدمة. لذا، عندما تُستبدل إحدى المرايا في أ بمرآة سالبة الكتلة؛ لا تتأثر المسافة الفاصلة بين المرآتين بعملية القياس. يخلق مولر وزملاؤه1 المكافئ لمرآة سالبة الكتلة باستخدام سحابة من ذرات السيزيوم، ويقدمون برهانًا تجريبيًّا على أن تلك الطريقة تتيح تجنُّب ضوضاء تأثير المكشاف الكَمّية.

كبر الصورة

إنّ هذا يبدو أشبه بالخيال العلمي. فكيف يمكن لأحد أن يصنع جسمًا ذا كتلة سالبة؟ وعلى الرغم من أن المفهوم منافٍ للمنطق، فقد أثبتت النظريات والتجارب معًا أنه يمكن تصميم المذبذبات، بحيث تتصرف كما لو كانت ذات كتلة سالبة؛ دون خرق أي من قوانين الفيزياء الأساسية7-9.

قَدَّم مولر وآخرون الدليل التجريبي على أن مذبذبًا كهذا يتيح تجنب ضوضاء تأثير المكشاف الكَمّية. فقد صمموا أداة مكافِئة لمذبذب سالب الكتلة، باستخدام خواص الزخم الزاوي لسحابة من ذرات السيزيوم. يحمل كل إلكترون في الذَّرَّة شكلًا من أشكال الزخم الزاوي، يُعرف باللف المغزلي. وبطريقة مشابهة لمحاذاة قمة مغزلية لمجال الجاذبية، فإن اللف المغزلي للإلكترون يحاذي المجال المغناطيسي المستخدَم. ومن ثم، يتصرف مثل المذبذب؛ فإذا غيرت اتجاهه، فإنه يتذبذب في محاولة لإعادة توجيه نفسه. استخدم الباحثون طريقة تُسمى الضخ البصري؛ لعكس اتجاه اللف المغزلي المجمع للذرات، ثم أثبتوا بعد ذلك أن هذا اللف المغزلي يتصرف مثل مذبذبٍ سالب الكتلة.

استخدم مؤلفو البحث ضوء ليزر لربط هذا المذبذب المغزلي بمذبذب ميكانيكي تقليدي. كان المذبذب التقليدي يتكون من غشاء من نيتريد السيليكون، الذي وضعه المؤلفون في جهاز يُسمى التجويف البصري؛ لتحسين تفاعل الغشاء مع الضوء. وكَمَا في تجربتنا الفكرية البسيطة تمامًا، فإن رصد الضوء من التجربة الحقيقية يقدم قياسًا مجمعًا للمذبذبين. وقد أثبت مولر وزملاؤه أن هذا القياس يسمح بكبت ضوضاء تأثير المكشاف الكَمّية بنسبة 34%، مقارنة بتجربة يُستخدم فيها مذبذب ميكانيكي تقليدي فحسب.

أُعلِنَ في العام الماضي عن مستويات مشابِهة من كبت ضوضاء تأثير المكشاف الكَمّية10، وأيضًا باستخدام القياسات المجمعة، ولكن في نظام من مذبذبين ميكانيكيين تقليديين في دائرة كهربائية فائقة التوصيل. في كل من هاتين التجربتين المختلفتين تمامًا، كان مستوى انخفاض ضوضاء تأثير المكشاف - مقارنة بالتقنيات القياسية - بسيط نسبيًّا10،1. وإضافة إلى ذلك، فمِن أجل تحقيق أي كبت على الإطلاق، فقد كان من الضروري تبريد المذبذبات الميكانيكية التقليدية لدرجات حرارة تبلغ بضع درجات "كِلْفِنية"، مما يحدّ من التطبيقات المحتملة. ومع ذلك، تبرهن هذه التجارب بوضوح أن القياسات المجمعة المصممة على نحو خاص تسمح بتجنب ضوضاء تأثير المكشاف الكَمّية.

يوفر عمل مولر وزملائه مسارًا نحو ابتكار أجهزة استشعار أكثر دقة؛ لقياس التسارع، والقوة، والجاذبية، وأيّ محفزات أخرى يمكن أن تقترن بحركة عنصر ميكانيكي. وفي تطبيق نوعي خاص، يمكن استخدام منهجهم في إنتاج الجيل القادم من مقاييس التداخل لموجات الجاذبية، وهو ما يُحتمَل أن يحسِّن من فَهْمنا للكون في مراحله المبكرة. وتُعَدّ تجارب المؤلفين أيضًا خطوة رئيسة نحو توليد ذرات وعناصر ميكانيكية عيانية متشابكة (مترابطة بشكل غير تقليدي). ويمكن استخدام حالات التشابك تلك في الاتصالات الكَمّية، وأنظمة الحوسبة المستقبلية.

References

  1. Møller, C. B. et al. Nature 547, 191–195 (2017). | article
  2. Abbott, B. P. et al. Phys. Rev. Lett. 116, 061102 (2016). | article
  3. Arlett, J. L., Myers, E. B. & Roukes, M. L. Nature Nanotechnol. 6, 203–215 (2011). | article
  4. Ekinci, K. L. & Roukes, M. L. Rev. Sci. Instrum. 76, 061101 (2005). | article
  5. Bowen, W. P. & Milburn, G. J. Quantum Optomechanics (CRC Press, 2015). 
  6. Braginsky, V. B., Vorontsov, Y. I. & Thorne, K. S. Science 209, 547–557 (1980). | article
  7. Tsang, M. & Caves, C. M. Phys. Rev. X 2, 031016 (2012). | article
  8. Julsgaard, B., Kozhekin, A. & Polzik, E. S. Nature 413, 400–403 (2001). | article
  9. Wasilewski, W. et al. Phys. Rev. Lett. 104, 133601 (2010). | article
  10. Ockeloen-Korppi, C. F. et al. Phys. Rev. Lett. 117, 140401 (2016). | article

كريستوفر جي. باكر، ووارويك بي. بوين يعملان في "مركز المجلس الأسترالي لأبحاث التميز لأنظمة الكَمّ المهندَسة"، مدرسة الرياضيات والفيزياء، جامعة كوينزلاند، سانت لوسيا، كوينزلاند 4072، أستراليا.

البريد الإلكتروني: w.bowen@uq.edu.au