تحقيق إخباري

شجرة النَّسَب الأكثر تعقيدًا في علم الأحياء

العلماء يناضلون للوصول إلى رؤية أعمق للنمو، بدءًا من الحالة الجنينية، وصولًا إلى مرحلة البلوغ، خلية بخلية.

إيوين كالاواي
  • Published online:

Illustration by Jasiek Krzysztofiak/Nature

على مدار ثمانية عشر شهرًا في مطلع ثمانينات القرن الماضي، قضى جون سولستون أيامه في مراقبة الديدان وهي تنمو. كان سولستون - الذي كان عمله على نوبتين يوميًّا، مدة كل منهما أربع ساعات - يسلط مجهرًا ضوئيًّا على جنين دودة الربداء الرشيقة Caenorhabditis elegans، ومن ثمَّ يرسم ما يراه خلال فترات زمنية، مدتها 5 دقائق، بينما تتحول البيضة المخصبة إلى خليتين، ثم أربع خلايا، ثم ثماني خلايا، وهكذا. كان يعمل بمفرده في صمت في غرفة صغيرة في مختبر "مجلس البحوث الطبية للبيولوجيا الجزيئية" في كامبريدج بالمملكة المتحدة، ويلهو بمكعب "روبيك" في الفترات الفاصلة بين مرات عودته إلى المجهر. ذات مرة، قال عالِم البيولوجيا المتقاعد، الحائز جائزة "نوبل"، متذكرًا: "كنت أجد لنفسي بعض وسائل التسلية في ذلك الوقت".

كشفَتْ المئات من رسومه عن الخريطة الدقيقة لنمو الدودة في المراحل المبكرة، التي شملت ولادة 671 خلية تحديدًا، وموت 111 خلية (أو 113 خلية، حسب جنس الدودة). وأمكن تعقُّب أصل كل خلية، رجوعًا إلى سلفها المباشر، ثم الذي قبله، في سلسلة من خطوات ثابتة، لا تتغير. واعتمادًا على تلك الخرائط وغيرها، تمكَّن سولستون ومساعدوه من رسم أول "شجرة نسب خلوية" مكتملة لكائن حي عديد الخلايا، والوحيدة من نوعها حتى وقتنا الراهن1.

وعلى الرغم من أن الرغبة في تسجيل نمو الكائن الحي بمثل هذا التفصيل الدقيق سبقت محاولة سولستون بقرن من الزمان على الأقل، فقد كانت القدرة على فعل ذلك مع الحيوانات الأكثر تعقيدًا قدرةً محدودة. فلا يمكن لأحد بأي حال أن يتتبع مصير مليارات الخلايا في فأر، أو إنسان مثلًا، فقط باستخدام مجهر ومكعب "روبيك" للتسلية، بيد أن ثمَّة وسائل أخرى؛ فالثورات التي طرأت على قدرة علماء الأحياء على تعديل جينومات الكائنات الحية، وتحديد تسلسها الجيني على مستوى الخلية المفردة، أحدثت نهضة في تتبُّع نسب الخلايا.

هذا المسعى لا يجتذب علماء الأحياء النمائية وحدهم، بل يجتذب أيضًا علماء الوراثة، ومطوري التكنولوجيا، الذين لديهم اقتناع بأن فَهْم تاريخ الخلية - من أين نشأت، وماذا حدث لها - هو أحد ميادين البحث الكبرى التالية في علم الأحياء. وتقدِّم النتائج التي تحققت حتى الآن بعض الإشارات المثيرة حول الكيفية التي يتشكل بها البشر. فمثلًا، الخلايا المنفردة التي تنتمي إلى عضو مثل المخ يمكن أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بخلايا في أعضاء أخرى، أكثر من ارتباطها بالأنسجة المحيطة بها. وعلى نقيض خطوات النمو الثابتة لدودة الربداء الرشيقة، فإن الكائنات الأكثر تعقيدًا تتطلب قدرًا غير قليل من الارتجال والحظ، وهو ما من شأنه بلا شك أن يُعَقِّد جهود حل خطوط خريطة النمو الخاصة بها.

وحتى الأسلاف الخلوية غير المكتملة قد تكون مفيدة؛ فقد مهدت خرائط سولستون الطريق أمام اكتشافات متعلقة بالموت المبرمج للخلايا، وجزيئات الحمض النووي الريبي التنظيمية الصغيرة. ويمكن لخرائط جديدة أن توضح دور الخلايا الجذعية في تجديد الأنسجة، أو تساعد في مكافحة السرطان؛ وهو مرض امتداد سلالته خارج عن السيطرة. يقول ألكسندر شير، عالِم الأحياء النمائية بجامعة هارفارد في كامبريدج، ماساتشوستس، الذي يستخدم تحرير الجينوم في تعقُّب تاريخ نسب الخلايا في أسماك الدانيو المخططة، وغيرها من الحيوانات: "ثمَّة شعور حقيقي ببزوغ عصر جديد".

إعادة كتابة التاريخ

إنّ تاريخ الخلية مكتوب في جينومها،  فكل طفرة مكتسبة تُمَرَّر إلى الخلايا الابنة تُعتبَر بمثابة تسجيل للأحداث. ففي عام 2005، قَدَّر عالِم الكمبيوتر إيهود شابيرو في "معهد وايزمان للعلوم" في مدينة رحوفوت في إسرائيل أن الباحثين يمكنهم استخدام الطفرات الطبيعية في الخلايا البشرية المفردة؛ لتكوين صورة كاملة عن كيفية ارتباطها ببعضها البعض2. لقد تصوَّر نتيجة بديهية (من حيث الدلالة على الأقل)، تنبثق من خريطة خلايا دودة الربداء الرشيقة، وأطلق على ذلك التصور اسم "مشروع نسب الخلايا البشرية"، غير أن المجال لم يكن جاهزًا لمثل هذا التصور وقتها، كما يقول شابيرو، الذي أردف قائلًا: "عندما طرحنا هذه الرؤية، لم يكن هناك وجود لهذا المجال، ولا حتى لمُسَمَّى علم جينوم الخلية المفردة".

وبعد مرور عقد من الزمن، نجد أن الباحثين قد طوروا مجموعة من الأدوات الفعالة لفحص بيولوجيا الخلايا المفردة، ابتداءً بجزيئات الحمض النووي الريبي والبروتينات، وانتهاءً بجينوماتها الفردية والمتفردة. واليوم، يتصور شابيرو وسيلة لرصد مسار نمو الإنسان، صورة وراء صورة، بدايةً من البويضة المخصبة، وانتهاءً بمرحلة البلوغ. يقول: "نريد الفيلم بأكمله بصور ثلاثية الأبعاد، من بدايته، حتى نهايته". ولصنع مثل هذا الفيلم، ليس من الضروري حتى دراسة الجينوم بالكامل؛ إذ يركز فريق شابيرو على مساحات متكررة من الحمض النووي DNA، منتشرة في جميع أنحاء الجينوم، تُسمَّى السواتل الصغيرة microsatellites. تميل تلك التسلسلات إلى التحور بوتيرة أكبر من باقي أجزاء الجينوم، ويعمل فريقه على تحديد تسلسل عشرات الآلاف منها في جينومات المئات من الخلايا البشرية المنفردة؛ لتعيين كيفية ارتباطها ببعضها.

"لقد بدأنا نرى قواعد النمو لدى البشر الطبيعيين".

ولا يَعتقِد كريستوفر وولش - عالِم الأعصاب والأحياء النمائية في مستشفى أطفال بوسطن، وكلية الطب بجامعة هارفارد - أن الباحثين سيتمكنون يومًا من إعادة بناء خريطة نَسَب كاملة للخلايا البشرية تضاهي خريطة الربداء الرشيقة. ويستطرد قائلًا: "إن أي شجرة نسب، حتى لو كانت غير مكتملة، ستكون مفيدة للغاية". ويضيف قائلًا: "لقد كنت أدرس نَسَب الخلايا في القشرة الدماغية طوال 25 عامًا، وكانت فكرة دراستها في الدماغ البشري نفسه حلمًا بعيد المنال؛ وها قد أصبح الآن واقعًا".

في تجارب شُرحت في عام 2015، قام فريق وولش بتحديد تسلسل الجينومات الكاملة لـ36 خلية عصبية قشرية مأخوذة من ثلاثة أشخاص أصحاء، وافتهم المنية، وتبرعوا بأدمغتهم للبحث العلمي3. وقد كشفت إعادة بناء العلاقة بين خلايا الدماغ في الفرد أن الخلايا وثيقة الصلة ببعضها البعض يمكن أن تكون متناثرة عبر قشرة الدماغ، في حين أن المناطق الموضعية يمكن أن تحتوي على سلالات عديدة متباينة من الخلايا. وهكذا، فإن الأجيال المتعاقبة من الخلايا يبدو أنها تتجول بعيدًا عن مواطن أسلافها. فمثلًا، كانت إحدى الخلايا العصبية القشرية أكثر ارتباطًا بإحدى خلايا القلب في الشخص نفسه من ارتباطها بثلاثة أرباع الخلايا العصبية المحيطة بها. يقول وولش: "لم نكن نتوقع أمرًا كهذا".

يسعى فريق وولش إلى فَهْم كيف تؤثر الفسيفساء الجينية في الدماغ - حيث تؤوي بعض الخلايا أشكالًا مختلفة من الجينات - على الصحة. فقد تعرَّف الفريق - على سبيل المثال - على بعض أشكال مرض الصَّرْع، التي تحدث عندما تحمل نسبة ضئيلة من الخلايا في منطقة صغيرة من الدماغ طفرة مسبِّبة للمرض. كما وجدوا أن الخلايا العصبية الفردية لدى أفراد أصحاء يمكن أن تحمل طفرات، من شأنها أن تتسبب في نوبات الصرع، وفي الفصام، لو أنها وُجدت على نطاق أوسع. يتبيَّن من هذا العمل أن تحديد أي الخلايا هي التي تتعرض للطفرات أمرٌ مهم. يقول وولش: "إن سلسلة نسب الخلية تحدِّد - بشكل أساسي - الأمراض المحتملة".

ويَكشِف علماء آخرون عن سجلات الأحداث الأولى في الحياة في جينومات الخلايا البالغة. ففي تجارب نُشرت هذا العام4، قام مايكل ستراتون - عالِم وراثة في "معهد وِيلْكَم تراست سينجر" في هينكستون بالمملكة المتحدة - وفريقه بوضع تسلسل خلايا دم بيضاء، مأخوذة من 241 امرأة مصابة بسرطان الثدي، والبحث عن طفرات وُجدت فقط في مجموعة فرعية من خلايا دمائهن. كشفت الدراسة عن وجود طفرات حدثت في وقت مبكر للغاية من النمو؛ ربما ترجع إلى المرحلة الجنينية، حين كان الجنين مكوَّنًا من خليتين اثنتين فحسب. وقد لاحظوا أن سلالة تلك الخلايا لا تسهم على نحو متساوٍ في الجهاز الدوري للبالغين. ويمكن أن يكون السبب في ذلك هو تكاثر إحدى الخليتين بكفاءة أكبر من الأخرى؛ أو أن إحدى الخلايا — وهو ما يظنه ستراتون — يؤول بها الحال بالصدفة إلى الإسهام في نمو الجنين، أكثر من إسهامها في نمو المشيمة، أو غيرها من الأنسجة الداعمة.

يقول ستراتون إن الدراسات المستقبلية ستبحث عن معوقات النمو، التي تحدُّ من إسهام بعض السلالات الخلوية. ويضيف قائلًا: "لقد بدأنا نرى قواعد النمو لدى البشر الطبيعيين".

من القطرات الصغيرة إلى شفرات التعرف

لا يزال جاي شندور - عالِم الوراثة بجامعة واشنطن في سياتل - يتذكر اليوم الذي أصبح فيه مفتونًا بالتواريخ الخلوية. فعندما كان في الرابعة عشرة من عمره، وذا اهتمام بعلم الأحياء وأجهزة الكمبيوتر، كَتَبَ برنامج كمبيوتر يرسم نموذجًا لكتلة من الخلايا المتكاثرة؛ لإثارة إعجاب عمه، الذي كان جَرّاح ترميم، جاء لزيارته من الهند. يقول شندور متذكرًا: "قال لي: 'هذا مدهش. ذات يوم سوف تفعل الشيء نفسه، لكن بدلًا من أن يكون مجرد قطرة صغيرة، سيكون طفلًا كاملًا'".

بعد انقضاء حوالي عقد من الزمن، كان شندور - وهو طالب دراسات عليا في السنة الأولى - يعمل مع عالِم الوراثة بجامعة هارفارد جورج تشرش. طرح تشرش قائمة ببعض الأفكار (يقول شندور إن "جميعها بدت سخيفة تمامًا في ذلك الوقت")؛ وكانت إحدى هذه الأفكار تدور حول إعادة صياغة أنساب العديد من الخلايا في وقت واحد، وفي تجربة واحدة. اجتهد شندور في العمل على مدار ستة أشهر، في محاولة لاستخدام إنزيمات، وظيفتها أن تقلب الحمض النووي، تُسمَّى إنزيمات إعادة التركيب الجيني؛ لإنشاء سجل واضح في جينومات البكتيريا أثناء انقسامها. فبدلًا من الاعتماد على الطفرات المكتسبة على نحو طبيعي في الجينوم، فإن النظام سيعمل في الأساس على خلق أشكال مختلفة، وتتبُّعها.

تَحَوَّل شندور في النهاية إلى مشروع آخر، لكنه أعاد إحياء الفكرة منذ بضع سنوات، عندما انضم طالبا الدراسات العليا آرون ماكينا، وجريج فيندلاي إلى مختبره في سياتل. لقد أدرك ثلاثتهم أن أداة تحرير الجينوم الشهيرة كريسبر-كاس 9 ستكون مثالية لإدخال طفرات يمكن تتبُّعها إلى أي جزء يريدونه من الجينوم (انظر: "سلالات التعاقب"). وبالتعاون مع مختبر شير، استخدموا كريسبر-كاس 9 مع جنينين وحيدي الخلية من أجنة أسماك الدانيو المخططة، ووجهوا الأداة لتعديل تسلسلات شفرات تعرف الحمض النووي، التي كان قد جرى تعديلها هندسيًّا مسبقًا في جينومات الجنينين. وبعد ذلك.. حددوا تسلسل تلك الشفرات في خلايا سمكة بالغة، واستخدموا الطفرات فيها لاكتشاف سلالاتها5.

كبر الصورة

كبر الصورة

تُظْهِر أشجار النسب التي أنشأوها أن عددًا ضئيلًا من السلالات الجنينية التي تشكلت مبكرًا أنتجت غالبية الخلايا في عضو معين. وعلى سبيل المثال.. أكثر من 98% من خلايا دم إحدى السمكتين جاءت من 5 سلالات فحسب من السلالات الخلوية التي تَتَبَّعها الفريق، والتي تزيد على 1000 سلالة. وعلى الرغم من أن هذه السلالات الخمس أسهمت في أنسجة أخرى، فقد كانت نِسَب إسهاماتها أقل بكثير في تلك الأنسجة، وكانت غائبة تمامًا تقريبًا عن الخلايا العضلية في القلب، مثلًا، الذي كان مكوَّنًا في أغلبه من عدد صغير من الخلايا الأرومية الخاصة به. يقول شندور: "كانت تلك النتائج مدهشة للغاية بالنسبة لي". ويقول زميله شير إنه ما زال يحاول فهم تلك البيانات.

يقول جان فيليب يونكر - عالِم الأحياء النمائية الكمية في "مركز ماكس ديلبروك للطب الجزيئي" في برلين - إن أشجار نسب الخلايا في الأجنة المبكرة تتفاوت تفاوتًا كبيرًا على الأرجح بين الأفراد، وإنّ الهيمنة التي لاحظها فريق شندور وشير لسلالات معينة قد تكون نتيجة أحداث وقعت بالصدفة. فمثلًا، خلايا الجنين في المراحل المبكرة تتحرك، ونسبة ضئيلة جدًّا منها هي التي تسهم في تشكيل الكائن الحي في النهاية. ويضيف قائلًا إن تتبُّع أحداث النمو اللاحقة - مثل تَشَكُّل طبقات التبرعم الثلاث، التي تؤدي إلى تكون الأعضاء المختلفة - ستكون أكثر نفعًا، لأن هذه الأحداث يكاد الحظ لا يلعب دورًا فيها.

طَوَّرَ يونكر وآخرون مجموعة من التقنيات الأخرى المعتمِدة على تقنية كريسبر لتجميع تواريخ نمو الخلايا، وطَبَّقَ هو وألكسندر فان أودناردن - عالِم أنظمة الأحياء في "جامعة أوترخت" في هولندا - هذا النهج لتتبُّع تجدُّد زعنفة مصابة في إحدى أسماك الدانيو المخططة. وقد اكتشفا أن عملية التجدد حدثت بالطريقة نفسها التي تحدث بها عملية النمو، حيث فُقِد بعض السلالات الخلوية التي أنتجت الزعنفة الأصلية عندما تجددت الزعنفة من الخلايا الجذعية. وأكدت هذه النتيجة نتائج دراسات سابقة، غير أن الطرق المعتمِدة على تقنية كريسبر أتاحت للفريق تتبُّع سلالات آلاف الخلايا في تجربة واحدة6.

يقول تشرش إن فريقه استخدم كريسبر لدراسة نمو الفئران، وتمكَّن من تسجيل الانقسامات الخلوية الجنينية التي تؤدي إلى نشأة طبقات التبرعم الثلاث الرئيسة، التي تشكل جميع أعضاء الجسم7. يقول تشرش: "لا أظن أننا بعيدون للغاية عن التوصل إلى سلسلة نسب مكتملة".

يسعى بعض الباحثين جاهدين، ليس فقط إلى معرفة كيفية ارتباط خلايا الكائن الحي ببعضها البعض، ولكن معرفة ما حدث لها عبر تاريخها أيضًا. طوَّر مايكل إلويتز، ولونج كاي - وكلاهما في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا - أداة تتبُّع للسلالات، تُطْلِق مسابر فلورسنت؛ لمساعدتهم في رَصْد تاريخ الخلايا أثناء نموها8. ويمكن لهذه الطريقة أن تتتبَّع ما إذا كانت جينات معينة من جينات النمو قد استُخدِمت في الماضي لسلالة خلايا معينة، أم لا. وفي الخامس من يوليو الماضي، حصل إلويتز - بالاشتراك مع شندور وشير - على منحة بقيمة 10 ملايين دولار على مدار أربع سنوات من مجموعة "بول جي. آلين فرونتيرز جروب"؛ للعمل على دمج تقنياتهم معًا. ويخطط ثلاثتهم لتطوير كروموسومات تخليقية تعمل كأشرطة تسجيل لتاريخ السلالات الخلوية، والأحداث الجزيئية.

يقول تيم ليو - عالِم البيولوجيا التخليقية في "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" في كامبريدج، الذي يعمل أيضًا على تطوير تقنية لتسجيل تاريخ الخلية - إن مثل هذه التسجيلات قد تتيح للعلماء التعامل مع نمو الخلية بطرق أكثر عناية مما تسمح به تقنيات إعادة برمجة الخلايا المتوفرة حاليًّا9. ويقول محذِّرًا: "قد ترى بعض نسخ هذه المسجلات تضاف إلى علاجات الخلايا في المستقبل"، على الرغم من أن ذلك لن يحدث قريبًا. ويضيف قائلًا: "لن أذهب لأحقن أحد المرضى بمسجل كريسبر الخاص بي".

سلالات الخلايا من أجل الحياة

يُرَجَّح أن تُحْدِث الأساليب الجديدة في تتبُّع السلالات أولى موجات التغيير الجذري في مرض السرطان. يقول وولش: "السرطان مرض من أمراض النسب. إنه مرض من أمراض الخلايا الجذعية". وإحدى القضايا التي بدأ الباحثون في التعامل معها هو أصل الخلايا المتنقلة، التي تنبثق من الورم الأولي، وتغزو في بعض الأحيان أعضاءً بعيدة. وعادة ما تكون هذه الخلايا هي الخلايا الأكثر صعوبة في قهرها، التي يرجح أنها المسؤولة عن موت المرضى.

قام فريق بقيادة عالِم وراثة السرطان نِك نافين في "مركز الدكتور أندرسون للسرطان" بجامعة تكساس في هيوستن بنشر خرائط النسب لاثنين من الأورام السرطانية في القولون في العاشر من مايو الماضي10. وأظهرت النتائج أن الخلايا المتنقلة التي غزت الكبد اشتركت في العديد من طفرات الحمض النووي مع الأورام الأولية التي جاءت منها، مما يشير إلى أن النقائل الورمية ظهرت في مرحلة متأخرة، وأنها لم تكن بحاجة إلى مجموعة من الطفرات الجديدة لكي تنتشر. ويمكن لرسم خرائط السلالات أن يبيِّن أيضًا ما إذا كانت الأورام تتطور حقًّا من خلايا مفردة، كما يزعم علماء الوراثة، أم أنها تنشأ من خلايا عديدة، مثلما أشار بعض دراسات التصوير. ويظن نافين أنه يمكن استخدام عمل من هذا القبيل في توجيه طرق العلاج. ويقوم فريقه وغيرهم بتتبع سلالات الخلايا السرطانية لدى المرضى عند بدء تعاطي الأدوية، ويأملون أن تستطيع هذه الدراسات تحديد السلالات العنيدة المقاوِمة للعلاج، على نحو يتيح للأطباء اختيار علاجات أفضل، وتغيير الأدوية في الوقت المناسب لإحداث فَرْق.

"السرطان مرض من أمراض النسب. إنه مرض من أمراض الخلايا الجذعية". 

تتجاوز بشائر هذا المجال - في الوقت الراهن - ما هو قائم على أرض الواقع بكثير. ولا تزال خرائط نسب سولستون لدودة الربداء الرشيقة تخيم بظلالها على الجهود الحالية. ابتكر ستيفن كويك - وهو متخصص في الهندسة الحيوية في "جامعة ستانفورد" بكاليفورنيا - طريقته الخاصة لتتبُّع النسب الخلوي باستخدام تقنية كريسبر، وقرر اختبارها على الديدان11. ويقول كويك: "من الجميل أن يكون لديك معيار نموذجي، تقيس الأمور في ضوئه". قام هو وفريقه بوضع تسلسل خلايا دودة بالغة، بعد تحوير جينومها أثناء النمو باستخدام كريسبر. استغرقت جهود الفريق وقتًا أقل بكثير من الثمانية عشر شهرًا التي قضاها سولستون برفقة مجهره، لكن كويك يقول إن الصورة التي رسموها كانت غير مكتملة أيضًا. صحيح أنها سجلت تحولًا أساسيًّا في نمو الديدان المستديرة، وهو انفصال الخلايا المسؤولة عن تكوين الأمعاء، وتلك التي تشكل بقية الجسم، لكنها افتقرت إلى التفاصيل الدقيقة الرائعة التي لاحظها سولستون بالفحص المجهري. يقول كويك، الذي لم يكن يخطط حتى لنشر بحثه، إلى أنْ رأى إقبالًا كبيرًا على نشر أبحاث أخرى استخدَمت أساليب مشابهة: "سأكون صريحًا تمامًا؛ فأنا لست معجبًا على الإطلاق بالنتائج التي توصلت إليها". ويضيف قائلًا: "لم يتغلب أحد على المشكلة حقًّا بعد".

هناك زَعْم يقول إن سولستون وضع معيارًا شديد الصعوبة بخرائط نسب الربداء الرشيقة. ويقول يونكر: "مفهوم شجرة النسب بأكمله متأثر بشدة بذلك العمل الكلاسيكي". وقد يستحق الأمر إعادة تفكير.

في الأسماك والفئران والبشر، ليس من المحتمل أن تبدو أشجار نسب الخلايا متشابهة تمامًا لدى أي فردين مختلفين، بل إن كل شجرة نسب تتغير على الأرجح على مدار فترة حياة الفرد مع قيام الأنسجة بإصلاح وتجديد نفسها. ويأمل يونكر وآخرون أن تتيح التقنيات الجديدة لعلماء الأحياء طرح أسئلة حول التباين في أشجار النسب؛ بين الأفراد وبعضهم، وبين أعضاء أجسامهم، وأثناء تَقَدُّمهم في العمر. ويقول شير: "إننا لا نعلم كم عدد الطرق المحتملة لتكوين قلب".

يقول إلويتز إن هذا القَدْر الهائل من الأمور المجهولة هو ما يمكن أن يجعل من عمل كهذا عملًا ثوريًّا. ويضيف: "إن من شأنه أن يغير أنواع الأسئلة التي يمكن أن نسألها". ويقول شير إن خريطة سولستون قادت علماء الأحياء إلى مناطق جديدة لم يُسمع بها من قبل، ويمكن لهذا الأمر أن يفعل الشيء نفسه. ويردف قائلًا: "لا يمكننا أن نعرف بالضبط ما سنجده، لكنْ ثمَّة شعور بأننا سنجد مساحات جديدة هائلة لم تُستَكشَف بعد".

إيوين كالاواي يكتب لدورية Nature من لندن.