أنباء وآراء

التنكُّس العصبي: ترويض بروتينات "تاو" المُتشابِكَة  

تُشَكِّل بروتينات "تاو" تكتلات خيطيّة شاذّة، تُسَمّى التشابكات، في أدمغة المُصابين بالتنكُّس العصبي. ومن شأن الكشف عن بِنَى اثنين من هذه التكتلات الخيطية أن يفتح الطريق للوصول إلى فهمٍ أفضل لمرض ألزهايمر.

ديفيد إس. آيزنبرج، ومايكل آر. ساوايا

  • Published online:

في بدايات القرن العشرين، سَجَّل الطبيب النفسي الألماني ألويس ألزهايمر وجود بِنى بين خلويّة "متشابكة" في دماغ شخصٍ مُصَابٍ بالخَرَف. ووُجِدَ لاحقًا أن هذه التشابكات تتكوّن من تكتّلات شاذّة من البروتين "تاو"1، معروفة باسم لُيَيْفات الأميلويد. ويبدو أنّ لُيَيْفات الأميلويد تلك موجودة في صُلْب عشرات الأنواع من مرض الخَرَف، واضطرابات الحركة2 المرتبطة بالتقدم في العمر، وأهمّها مرض ألزهايمر. في بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، كتب فيتزباتريك وزملاؤه3  عن خطوة مهمة نحو فهم لُيَيْفات الأميلويد المكوّنة من بروتينات "تاو"، حيث يصفون بِنى نوعين من اللُّيَيْفات، يَظهران في مرض ألزهايمر، وهما: الخيوط المُزْدَوَجة ذات الشكل الحلزوني، وخيوط "تاو" المستقيمة.

يوازِن بروتين "تاو" الطبيعي المسارات الجزيئيّة المسماة الأنيبيبات، التي تُنْقَل بمحاذاتها الجزيئات في بروز الخلايا العصبية الطويلة في الدماغ، لكن إذا ما حدث فرط في إنتاج بروتين "تاو"، أو نزّته الأنيبيبات؛ فإنه يتراكم، مُكَوِّنًا لُيَيْفات الأميلويد، تتخذ أشكالًا مختلفة، وتنتشر من خليّة إلى أخرى. وتشير أدلّة إلى أن الأنواع المختلفة من الخرف المرتبطة ببروتين "تاو" قد تنشأ من لُيَيْفات مختلفة الأشكال4.

استخرج فيتزباتريك وزملاؤه لييفات الأميلويد المكونة من بروتين "تاو" من دماغ امرأةٍ توفيت في عمر الرابعة والسبعين، كانت قد شُخِّصَت بالإصابة بمرض ألزهايمر قبل وفاتها بعشر سنوات. وقد صوّروا اللُّيَيْفات باستخدام تقنيّة يُطلق عليها "فحص مجهري إلكتروني لعَيِّنة مبرّدة"، وتُسمى اختصارًا 5cryo-EM.ومن بين ثُمالات الحمض الأميني للبروتين، البالغ عددها 441 ثُمالة، تظهر بوضوح كامل الـ73 ثمالة، التي تكوِّن اللب المُسْتَقِّر للُيَيْفات الأميلويد تلك، في الخرائط المستنبَطة من عملية الفحص المجهري الإلكتروني لعينة مبرّدة، بينما أغلب الثمالات عند أطراف البروتين كانت سيئة التنظيم بشكل لا يمكِّن من رؤيتها.

وقد وجد الباحثون أن المنحنى الذي يتخذ شكل الحرف C، والذي كان قد لُوحظ في دراسة سابقة منخفضة الاستبانة، تم فيها فحص اللييفات6، يمكن تفسيره على أنّه نسخ مُتَكَوِّمة من بروتين "تاو". شكّلت كلّ نسخة شكل الحرف C، إذ يتخذ نصفها شكل منحنى الحرف، وينعكس نصفها الآخر بحِدّة ليتخذ شكل حرف C أصغر، مستقرًا داخل الأول. وتُشَكِّل كومةٌ واحدة لها شكل الحرف C خيطًا بدئيًّا، ويلتف خيطان بدئيان حول بعضهما البعض ليُشَكِّلا لُيَيْفة الأميلويد (الشكل 1). وفي الخيوط الحلزونية المزدوجة، يتلامس الخيطان البدئيّان بشكلٍ متناظرٍ قرب المنعطف الحاد، بينما في الخيوط المستقيمة، يتلامس الخيطان بشكلٍ غير متناظر في نقطةٍ أقرب إلى الطرف المُقابل في الشكل C.

الشكل 1 | بِنَى خيوط بروتين "تاو". قام فيتزباتريك وزملاؤه3تصوير نوعين من تكتلات "تاو" غير الطبيعية، وهما خيوط مستقيمة، وخيوط حلزونية مزدوجة، مأخوذة من دماغ شخص كان مصابًا بمرض ألزهايمر. في كلتا الحالتين، تتخذ بروتينات "تاو" الفردية شكل الحرف C (تظهر هنا سلسلة البروتين الرئيسة على شكل شريطة كرتونية، بها أسهم، وتظهر السلاسل الجانبية باللون الرمادي حول الشريطة)، وهي تتراكم فوق بعضها، مكوِّنةً الخيوط البدئية. تَظهر هنا 14 طبقة من البروتين في كل خيط بدئي. وتتكوّن الخيوط من خيطين بدئيين متطابقين، يتصلان بعضهما ببعض عند وصلات بينية مختلفة. وتشمل السمات المهمة للخيوط البدئية سحابًا فراغيًّا (وهو جزء شائع في البروتينات المتكتلة، يقاوم تفكُّك التنظيم؛ ويظهر باللون البنفسجي)، وجزءًا بنيويًّا معقدًا بشكل عجيب، يُسمى "حلز-بيتا" β-helix (يظهر باللون الأصفر). إن هذه البِنْية (المُكبّرة في الصورة الصغيرة هنا) تتطلب أن تكون الأحماض الأمينية لها نمط معين، بحيث تكون السلاسل الجانبية للأحماض الأمينية المُحِبَّة للماء (مشحونة وقطبية) مواجِهة للخارج، بينما السلاسل الجانبية غير القطبية الكارهة للماء مواجِهة للداخل.

الشكل 1 | بِنَى خيوط بروتين "تاو". قام فيتزباتريك وزملاؤه3تصوير نوعين من تكتلات "تاو" غير الطبيعية، وهما خيوط مستقيمة، وخيوط حلزونية مزدوجة، مأخوذة من دماغ شخص كان مصابًا بمرض ألزهايمر. في كلتا الحالتين، تتخذ بروتينات "تاو" الفردية شكل الحرف C (تظهر هنا سلسلة البروتين الرئيسة على شكل شريطة كرتونية، بها أسهم، وتظهر السلاسل الجانبية باللون الرمادي حول الشريطة)، وهي تتراكم فوق بعضها، مكوِّنةً الخيوط البدئية. تَظهر هنا 14 طبقة من البروتين في كل خيط بدئي. وتتكوّن الخيوط من خيطين بدئيين متطابقين، يتصلان بعضهما ببعض عند وصلات بينية مختلفة. وتشمل السمات المهمة للخيوط البدئية سحابًا فراغيًّا (وهو جزء شائع في البروتينات المتكتلة، يقاوم تفكُّك التنظيم؛ ويظهر باللون البنفسجي)، وجزءًا بنيويًّا معقدًا بشكل عجيب، يُسمى "حلز-بيتا" β-helix (يظهر باللون الأصفر). إن هذه البِنْية (المُكبّرة في الصورة الصغيرة هنا) تتطلب أن تكون الأحماض الأمينية لها نمط معين، بحيث تكون السلاسل الجانبية للأحماض الأمينية المُحِبَّة للماء (مشحونة وقطبية) مواجِهة للخارج، بينما السلاسل الجانبية غير القطبية الكارهة للماء مواجِهة للداخل.

كبر الصورة

تكشف هذه البِنى الجزيئيّة عن بعض الخصائص للييف الأميلويد، بعضها معروفة وبعضها غير متوقعة، حيث إن أكوام بروتين "تاو" المنحنية في الخيوط البدئيّة تسير بشكل مواز لبعضها البعض، مثل خيوط قطعة قماش. ويكون الجزء من بروتين "تاو" - الذي يُشَكِّل منحنى C الخارجي - منضغطًا بشدة، وملاصقًا للجزء الذي يُشَكِّل المنحنى الداخلي، ومن ثم تُستبعد جزيئات الماء، ما يُشكِّل وصلة بينية جافة بينهما، تُسَمّى السحّاب الفراغي7. ويتسبب استبعاد الماء هذا في استقرار الخيوط، ما يعوق إزالتها من الخلية، كما إن وجود هذه الوصلة البينية هو سمة مميزة لجميع لييفات الأميلويد التي تمت دراستها على المستوى الجزيئي.

يظهر في المنعطف الحادّ عند الطرف المغلق من الشكل C مستوى عال غير متوقع من التعقيد البنيوي، يشيع وجوده أكثر في البِنى التي تطورت لتمنح قدرة أفضل على البقاء. ويتطلّب هذا الجزء البنيوي المعقد المُسمّى "حلز-بيتا" β-helix نمطًا محددًا من ثُمالات الحمض الأميني قطبيّة وغير قطبيّة، وصغيرة وكبيرة (الشكل 1). كما يشير مدى تعقيد النمط المُكَوِّن له إلى أنه يمكن استخدامه لتطوير مؤشرات تشخيصيّة؛ لتمييز مرض ألزهايمر عن الأمراض الأخرى المرتبطة ببروتين "تاو".

من الخصائص المذهلة الأخرى عدم وجود أجزاء بنيوية متكررة؛ فبروتين "تاو" يملك 4 تكرارات غير تامّة لتتابع من 31 حمضًا أمينيًّا2. ويوضح فيتزباتريك وزملاؤه أن اثنين من هذه التكرارات (R3، وR4) يدخلان في تركيب لُب اللييفات، إلا أن التشابه البنيوي بين R3، وR4 محدودٌ في منطقة قصيرة، تشمل ثماني ثمالات فقط. وهذا التباين يناقض بوضوحٍ المعلومة الشائعة في علم الأحياء البنيوية، القائلة إنّ التتابعات المتشابهة تتخذ بِنى متشابِهة، كما إن هذا التباين يعني صعوبة التنبؤ ببنية الأميلويد من خلال بيانات التتابع فقط.

يُعَدّ خيطا بروتين "تاو" هذان هما لييفات الأميلويد الأطول المرئيّة على المستوى الجزيئي حتى الآن. وكون هذين الخيطين يأتيان مباشرةً من دماغٍ مصاب بالمرض يؤكِّد ارتباط بنيتيهما بمرض ألزهايمر. وربما الأهم هنا هو أن التقنيات المستخدمة في هذه الدراسة يمكن تطبيقها على لييفات الأميلويد الأخرى المرتبطة بالمرض، التي كان من الصعب – بالمثل - تصوير البِنى المُكَوِّنة لها بجودةٍ عالية.

قام فيتزباتريك وزملاؤه بجَمْع حوالي ألفي صورة للييفات، ملتقطة باستخدام تقنية الفحص المجهري الإلكتروني لعينة مبردة، بدرجة تكبيرٍ عالية، ثم قاموا بمحاذاة هذه الصور، التي تُظْهِر جزيئات بروتين "تاو" من زوايا متعددة، باستخدام الحاسوب، واستنبطوا متوسط الصور؛ من أجل تقليل التشويش؛ ما سمح لهم بإعادة رسم صورة ثلاثية الأبعاد لبِنْية اللُّيَيْف. كما قام الباحثون بتقليل ضبابية الصور الناتجة عن التباينات الصغيرة في التفافات اللييفات، إلى أدنى حد من خلال اقتصاص كل أجزاء الصور، عدا الجزء المنتصف الأكثر اتساقًا فيما بينها. ويُعَدّ تطوير البرنامج الحاسوبي لإتمام هذه الخطوات إنجازًا كبيرًا، حققه أحد مؤلفي هذه الدراسة5.

وقد اختار الباحثون تقنية الفحص المجهري الإلكتروني لعينة مبردة؛ لتحليل لييفات الأميلويد المكوّنة من بروتينات "تاو"، بدلًا من تقنيةٍ أخرى متطورة للدقة البنيوية، وهي التصوير البلوري بالأشعة السينيّة، حيث إنه من المستحيل تطويع اللييفات المبعثرة جزئيًّا؛ لتتفكك إلى بلورات. ورغم أن انعدام الحاجة إلى عينات بلورية هو ميزة كبيرة من ميزات تقنية الفحص المجهري الإلكتروني لعينة مبرّدة، فإن البِنى المصورة لا تفكِّك الذرات بشكلٍ كامل، وعادةً ما تكون هناك حاجة إلى جمع المزيد من المعلومات، من أجل تحديد البِنى بدقة كبيرة. وتُظهِر بِنى التصوير البلوري بالأشعة السينيّة ملايين ومليارات الجزيئات بالوضع نفسه، وفي الاتجاه نفسه، ما يقدِّم معلومات خالية نسبيًّا من التشويش، ويتيح – في أفضل الأحوال - رؤية البِنى بدقة تصل إلى المستويات الذَّرِّيّة. وهناك أيضًا تقنيّة حديثة متوقَّع لها النجاح، هي حيود الإلكترونات الميكروية، تتشارك بعض مزايا كلٍّ من التصوير البلوري بالأشعة السينية، والفحص المجهري الإلكتروني لعينة مبردة، إلا أنها حتى الآن لم تتمكن من التعرّف على بِنى من الأميلويد كبيرة بحجم بروتينات "تاو"9،8.

ويقرّ فيتزباتريك وزملاؤه بأن النتائج التي توصلوا إليها هي ثمرة عملٍ بدأ قبل 34 عامًا بمحادثة جرت داخل مختبر الأحياء الجزيئية، التابع لمجلس البحوث الطبية (MRC) بكامبريدج في المملكة المتحدة، وكانت بين الكيميائي آرون كلاج، والطبيب النفسي مارتن روث، بشأن التحليل البنيوي لخيوط ألزهايمر، وبالفعل بدأ اثنان من الباحثين دراستهما لبروتين "تاو" في المركز البحثي نفسه، في ثمانينيات القرن الماضي. وقد مَوَّل هذا المختبر عمليةَ تطوير تقنيات الفحص المجهري الإلكتروني لعينة مبردة لعقود من الزمن؛ ما مَكَّن الباحثين من اتخاذ خطوة كبيرة، قدموا لنا من خلالها أول صورة على المستوى الجزيئي للييفات "تاو"، مأخوذة من دماغِ مريض. ومن هذه الدراسة الرائدة يبرز درسٌ مهم، هو أن الدعم طويل الأمد للعلوم ذات التأثير الكبير أمر ضروري ومهم.

References

  1. Lee, V. M., Goedert, M. & Trojanowski, J. Q. Annu. Rev. Neurosci. 24, 1121–1159 (2001). | article
  2. Goedert, M., Eisenberg, D. S. & Crowther, R. A. Annu. Rev. Neurosci. https://dx.doi.org/10.1146/annurev-neuro-072116-031153 (in the press). 
  3. Fitzpatrick, A. W. P. et al. Nature 547, 185–190 (2017). | article
  4. Ayers, J. I., Giasson, B. I. & Borchelt, D. R. Biol. Psychiatry https://dx.doi.org/10.1016/j.biopsych.2017.04.003 (2017). 
  5. Bai, X. C., McMullan, G. & Scheres, S. H. W. Trends Biochem. Sci. 40, 49–57 (2015). | article
  6. Crowther, R. A. Proc. Natl Acad. Sci. USA 88, 2288–2292 (1991). | article
  7. Eisenberg, D. S. & Sawaya, M. R. Annu. Rev. Biochem. http://dx.doi.org/10.1146/annurev-biochem-061516-045104 (2017). 
  8. Shi, D., Nannenga, B. L., Iadanza, M. G. & Gonen, T. eLife 2, e01345 (2013). | article
  9. Rodriguez, J. A. et al. Nature 525, 486–490 (2015). | article

ديفيد إس. آيزنبرج، ومايكل آر. ساوايا يعملان بمعهد هوارد هيوز الطبي، ومعهد UCLA-DOE، وفي أقسام الكيمياء الحيوية، والكيمياء والكيمياء الحيوية، جامعة كاليفورنيا لوس أنجيليس، لوس أنجيليس 90095-1570، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: david@mbi.ucla.edu; sawaya@mbi.ucla.edu