أنباء وآراء

النجوم الأشقاء تقترب من بعضها البعض مع تقدُّمها في السن

غالبًا ما تَقترِن النجوم عالية الكتلة ببعضها البعض؛ لتكوِّن أنظمة ثنائية. تكشف الأرصاد أن النجوم في تلك الأنظمة تُولَد على مسافات من بعضها البعض أبعد مما كان يُعتقد سابقًا؛ ما يسلط الضوء مجددًا على نِقاش دائم حول مسألة تَكَوُّن النجوم.

آرون إم. جيلر
  • Published online:

إنّ النجوم التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بثماني مرات غالبًا ما يتم العثور عليها في أنظمة ثنائية، حيث يدور نجمان حول مركز الكتلة المشترك بينهما. تخوض تلك النجوم عالية الكتلة حيوات سريعة وعنيفة، وتمدّ الكون بجزء كبير من عناصره الثقيلة، ويمكنها أن تصبح أسلافًا لأنظمة ثقوب سوداء ثنائية تنتج موجات الجاذبية 1. ففي بحث نُشر في دورية "أسترونومي آند أستروفيزكس" Astronomy & Astrophysics، أعلن سانا وزملاؤه2 أن النجوم عالية الكتلة في الثنائيات اليافعة لها فترات مدارية أطول من مثيلاتها في الثنائيات الأكثر قِدمًا. ويمكن استخدام هذه النتائج لاختبار التنبؤات المبنية على نظريات تكوُّن النجوم عالية الكتلة، وهي تشير إلى أن الآليات ربما تعمل على تقليل الفترات المدارية للنجوم داخل الثنائيات في أثناء مرحلة شبابها.

تتكوّن نجوم عديدة في مجموعات تُعرف بالحشود النجمية، تكون - في بادئ الأمر - مخبأة وسط سحب غازية كثيفة. ونادرًا ما تتكوّن النجوم عالية الكتلة، وعادة ما تكون أعمارها أقصر ألف مرة من أعمار النجوم المشابِهة لشمسنا3. وعندما تتقدم النجوم عالية الكتلة في العمر بشكل كافٍ، تقوم رياحها، والتدفق الخارج منها، والانبعاثات فوق البنفسجية، ومستعراتها العظمى اللاحقة بإزالة الغاز؛ ما يتيح للتليسكوبات الضوئية رؤيتها، إلا أن غالبية النجوم بعيدة للغاية، بحيث لا يمكننا التمييز (أو الفصل) بين نجمين متقاربين في نظام ثنائي في صورة.

لذلك، فإنه تَحَدٍّ أن يتم العثور على نجوم عالية الكتلة، يمكن رصدها بالتفصيل في أثناء تكوُّنها، أو بعد ذلك مباشرة4. ومع ذلك، فإنّ فَهْم ولادة تلك النجوم أمر ضروري في جزء كبير من مجال الفيزياء الفلكية، وقد تم طرح ومناقشة مجموعة من النماذج النظرية لعملية تكوُّنها. ومن ثم، فإن رَصْد النجوم عالية الكتلة في الثنائيات أمر ضروري، لإثبات أو استبعاد بعض هذه النماذج.

ولتحقيق هذه الغاية، قام سانا وزملاؤه بدراسة عيِّنة مكونة من 11 نجمًا من النجوم عالية الكتلة، واليافعة للغاية (أعمارها أقل من مليون سنة)، في منطقة التكوين النجمي الضخمة M17 – في سديم "أوميجا"، في كوكبة القوس. وهذه عينة صغيرة الحجم، مقارنة بعينات العديد من الدراسات الفلكية الأخرى، ولكنها واحدة من الأكبر من نوعها.

وقد قام الباحثون بقياس طيف كل نجم؛ لتحديد انحراف "دوبلر"؛ وهو السرعة نصف القطرية التي يتحرك بها النجم مقتربًا أو مبتعدًا عن الراصد وقت الرصد. وحتى إنْ كانت النجوم داخل أحد الثنائيات لا يمكن الفصل بينها في الصورة، يمكن الكشف عنها من خلال انحرافها عن متوسط السرعة نصف القطرية للحشد النجمي الذي وُلدت فيه، والذي هو مطبوع على الطيف المرصود للنجم الثنائي. وتَنْتُج هذه الانحرافات عن الحركة المدارية الدورية التي يكملها كل نجم مرافق خلال "عام" دورانه حول مركز الكتلة في الثنائي. وإذا تَسَاوَى كل شيء آخر، فستكون للثنائيات التي لها فترة مدارية قصيرة (وبالتالي مسافة متوسطة صغيرة بين النجمين) انحرافات عالية المدى في السرعة نصف القطرية. لذلك، فإن قياس توزيع السرعات نصف القطرية لعينة من النجوم يوفر معلومات عن نسبة النجوم التي تُوجَد في ثنائيات، ونسبة الثنائيات التي لها فترة مدارية محددة.

وقد وجد سانا وزملاؤه أن توسُّع نطاق السرعات نصف القطرية لعَيِّنتهم من النجوم اليافعة عالية الكتلة محدود بشكل مفاجئ؛ فهو حوالي خُمس ذلك المرصود للنجوم الأقدم ذات الكتل المشابِهة5. وقد أثبتت دراسات سابقة7،6 أن نسبة عالية من النجوم الأقدم عالية الكتلة تُوجَد في ثنائيات؛ فحوالي 20% منها لها فترات مدارية أقل من أسبوع، و40–50% لها فترات مدارية أقل من شهر. يرى سانا وزملاؤه بأنه إذا كانت نسبة الثنائيات متشابهة لكل من النجوم الأحدث والأقدم، إذن فالثنائيات الأحدث لابد أن لها فترات مدارية أطول من 47 يومًا (بنسبة دقة تبلغ 95%)، حتى إنه من المحتمل أن تتخطى 8 أعوام.

ويجب أن أنوِّه هنا بأن علماء الفيزياء الفلكية في العموم يفضِّلون استخلاص الاستنتاجات فقط عندما يكون مستوى الدقة بالتحليل أكبر من 99.7%. وقد يوفِّر المزيد من عمليات الرصد أو التحليل بيانات ترفع من الدلالة الإحصائية للنتيجة التي توصَّل إليها سانا وزملاؤه. ومع ذلك، فإن التقسيمات المقترَحة للفترات المدارية تتوافق مع المسافات المدارية في نطاقات حجمية غالبًا ما ترتبط بنجوم عالية الكتلة في أثناء تكوُّنها. فلنفترِضْ - على سبيل المثال - وجود نجم يافع (لا يزال ينكمش) عالي الكتلة، وُلد بنصف قطر يبلغ حوالي 100 أمثال نصف قطر الشمس. إذا ما وُلد نجم مرافق له في الوقت نفسه؛ فستكون أصغر مسافة يبعدها عن النجم الأول حوالي 100 نصف قطر شمسي أيضًا، أي ما يعادل فترة مدارية تبلغ حوالي 50 يومًا. وإضافة إلى ذلك، تتنبأ غالبية النظريات بأن الأقراص الغازية (التراكمية) تتكوّن حول النجوم عالية الكتلة؛ ويمكن لنجم مُرافِق أن يتكوّن داخل القرص، أو في مكان آخر، ثم يتم أَسْره لاحقًا خارج حافة القرص مباشرةً. ويمتد أول قرص يتم رصده8 من هذا النوع إلى نصف قطر، تدور عنده الجسيمات على فترة مدارية تبلغ تقريبًا 8 أعوام.

وإذا كانت نتائج سانا وزملائه أكيدة، فإنها تدعم النظريات التي تنص على أن النجوم عالية الكتلة تتكوّن في ثنائيات عريضة نسبيًّا (أي تلك التي لديها فترات مدارية طويلة)، لكن كيف يمكننا تقبُّل حقيقة أن النجوم عالية الكتلة في الثنائيات الأقدم أقرب لبعضها البعض من مثيلاتها في الثنائيات الأحدث؟ أحد التفسيرات المحتملة لذلك هو أن النجوم عالية الكتلة تتحرك في اتجاه بعضها البعض، من خلال تفاعلاتها مع الغاز، أو الأجسام الصغيرة في القرص التراكمي المحيط، عند اقتراب نهاية عملية تكوُّن النجوم (الشكل 1-أ).

الشكل 1 | آليتان محتمَلتان لتقليل المسافة الفاصلة بين النجوم عالية الكتلة في الأنظمة الثنائية.

أ، إذا تكوَّن نجم عالي الكتلة داخل قرص من الغاز والجسيمات الصغيرة، يمكن حينها لنجم مُرافِق - أو عدد من النجوم المُرافِقة - أن يتكوّن على بُعد مسافة كبيرة نسبيًّا من النجم الأول. وتتسبب التفاعلات بين النجوم والقرص في تحرك النجوم نحو بعضها. وفي النهاية، يتشتت القرص، أو يندمج مع النجوم؛ ما يخلِّف نظامًا ثنائيًّا أكثر إحكامًا. لا يتضح أن أحجام النجوم تتناسب مع القرص والمدارات. ب، هناك ثنائيات عديدة مكوَّنة من نجوم عالية الكتلة، يدور حولها نجم ثالث خارجي (موضح هنا على مسافة من النجوم الأخرى، أصغر بكثير من تلك الموجودة في الثلاثيات التي تم رصدها). يمكن لاضطرابات الجاذبية، الناتجة عن النجم الخارجي، أنْ تجعل مدار الثنائي أكثر بعدًا عن المركز، بحيث تقترب نجوم النظام الداخلي من بعضها البعض أكثر. ويمكن للمَدّ والجَزْر الذي يحدث في النجوم الثنائية أن يتسبب في تبديد الطاقة في أثناء هذا الاقتراب الشديد؛ ما يقلص مداراتها، ويقودها للتحرك نحو بعضها البعض. إنّ الآلِيَّتين الموضَّحتَين في (أ، وب) قد تفسِّران - على الأقل جزئيًّا - ما رصده سانا وزملاؤه2 بأن النجوم عالية الكتلة في الثنائيات اليافعة لها فترات مدارية أطول من تلك في الثنائيات الأقدم.

أ، إذا تكوَّن نجم عالي الكتلة داخل قرص من الغاز والجسيمات الصغيرة، يمكن حينها لنجم مُرافِق - أو عدد من النجوم المُرافِقة - أن يتكوّن على بُعد مسافة كبيرة نسبيًّا من النجم الأول. وتتسبب التفاعلات بين النجوم والقرص في تحرك النجوم نحو بعضها. وفي النهاية، يتشتت القرص، أو يندمج مع النجوم؛ ما يخلِّف نظامًا ثنائيًّا أكثر إحكامًا. لا يتضح أن أحجام النجوم تتناسب مع القرص والمدارات. ب، هناك ثنائيات عديدة مكوَّنة من نجوم عالية الكتلة، يدور حولها نجم ثالث خارجي (موضح هنا على مسافة من النجوم الأخرى، أصغر بكثير من تلك الموجودة في الثلاثيات التي تم رصدها). يمكن لاضطرابات الجاذبية، الناتجة عن النجم الخارجي، أنْ تجعل مدار الثنائي أكثر بعدًا عن المركز، بحيث تقترب نجوم النظام الداخلي من بعضها البعض أكثر. ويمكن للمَدّ والجَزْر الذي يحدث في النجوم الثنائية أن يتسبب في تبديد الطاقة في أثناء هذا الاقتراب الشديد؛ ما يقلص مداراتها، ويقودها للتحرك نحو بعضها البعض. إنّ الآلِيَّتين الموضَّحتَين في (أ، وب) قد تفسِّران - على الأقل جزئيًّا - ما رصده سانا وزملاؤه2 بأن النجوم عالية الكتلة في الثنائيات اليافعة لها فترات مدارية أطول من تلك في الثنائيات الأقدم.

كبر الصورة

© Replace me

وهناك دليل آخر، يتمثل في حقيقة أن ثلث الثنائيات – على الأقل - التي تتألف من نجوم عالية الكتلة، هي أعضاء في أنظمة نجمية ثلاثية6،4 (وربما تكون هناك ثنائيات أكثر من ذلك بكثير في مجموعات ثلاثية، لم يتم رصدها حتى الآن). فالاضطرابات في الجاذبية الناتجة عن نجم ثلاثي خارجي يمكنها أن تخلق ممرًّا تقاربيًّا بين النجوم في ثنائي داخلي. وإذا اقتربت نجوم الثنائي بقدر كافٍ، يمكن لأحد النجمين أن يؤدي إلى حدوث مَدّ وجَزْر على نجمه المُرافِق، بطريقة مشابهة لتلك التي يؤدي بها القمر لحدوث مَدّ وجَزْر في المحيطات على الأرض. وقد يتسبب الاحتكاك الذي ينتج عن ارتفاع وهبوط انتفاخات المَدّ والجَزْر النجمية في تبدد كمية من الطاقة تكفي لتقليص مدار الثنائي الداخلي (الشكل 1-ب). وقد استُخدمت هذه الآلية لتفسير9 كيف يمكن للثنائيات الداخلية العريضة التي تحتوي على نجوم حديثة التكوّن شبيهة بالشمس أن تتحول إلى ثنائيات أقدم بمسافات فاصلة أصغر كثيرًا10. ويتنبأ هذا النموذج أيضًا بأن نسبة الثنائيات التي لديها مُرافِق نجمي ثلاثي أكبر في تلك الثنائيات ذات الفترات (الداخلية) الأقصر، مثلما لُوحظ بالفعل في حالة النجوم الشبيهة بالشمس11.

إن معرفة نسبة النجوم عالية الكتلة الموجودة في الثنائيات والثلاثيات، بالإضافة إلى فتراتها المدارية، سوف تكون بمثابة مفتاح للكشف عن تفاصيل عمليةِ تكوُّنها. كما إنّ هناك حاجة إلى إجراء عمليات رصد إضافية مبنية على نتائج سانا وزملائه، وقد تساعد أخيرًا في حسم الجدل حول كيفية تكوُّن النجوم عالية الكتلة. وفي تصوُّري، مِن المحتمَل أن تَكُون هناك عمليات تَكَوُّن متعددة ضرورية؛ لتفسير جميع الأرصاد. 

References

  1. Abbott, B. P. et al. Phys. Rev. Lett. 116, 061102 (2016). | article
  2. Sana, H. et al. Astron. Astrophys. 599, 9 (2017). | article
    1. Paxton, B. et al. Astrophys. J. Suppl. 208, 4 (2013). | article 
    1. Zinnecker, H. & Yorke, H. W. Annu. Rev. Astron. Astrophys. 45, 481–563 (2007). | article 
  3. Bosch, G., Selman, F., Melnick, J. & Terlevich, R. Astron. Astrophys. 380, 137–141(2001). | article
    1. Sana, H. et al. Astrophys. J. Suppl. 215, 15 (2014). | article 
    1. Kobulnicky, H. A. et al. Astrophys. J. Suppl. 213, 34 (2014). | article
    1. Kraus, S. et al. Nature 466, 339–342 (2010). | article
  4. Fabrycky, D. & Tremaine, S. Astrophys. J. 669,1298–1315 (2007). | article
    1. Raghavan, D. et al. Astrophys. J. Suppl. 190, 1–42 (2010). | article
    1. Tokovinin, A., Thomas, S., Sterzik, M. & Udry, S. Astron. Astrophys. 450, 681–693 (2006). | article

آرون إم. جيلر يعمل في "مركز الاستكشاف والبحث متعدد التخصصات في الفيزياء الفلكية" CIERA، وفي قسم الفيزياء وعلم الفلك، جامعة نورث وسترن، إيفانستون، إلينوي 60208، الولايات المتحدة الأمريكية، وفي قبة "أَدْلَر" السماوية، شيكاغو، إلينوي.

البريد الإلكتروني: a-geller@northwestern.edu