أنباء وآراء

أمراض مُعدية: تكهُّنات بانتقال الفيروسات بين الأنواع 

تنتقل غالبية الأمراض البشرية المُعدية في البداية من الحيوانات إلى البشر. ويُحَسِّن تحليلٌ أُجري على جميع أنواع الفيروسات المعروفة التي تصيب الثدييات فَهْمنا لذلك الانتقال عبر الأنواع، وهو ما قد يعود بفوائد محتملة للصحة العامة. 

جيمس أوه لويد-سميث
  • Published online:

في روما القديمة، كان الكهنة يحاولون التنبؤ بالمستقبل، عن طريق دراسة أحشاء الحيوانات. واليوم، يحاول العلماء التنبؤ بتفشِّي الأوبئة بين البشر، عن طريق دراسة العوامل المُمْرِضة التي تحملها الحيوانات. فمعظم الأمراض البشرية المُعدية - ومنها الأمراض الناشئة حديثًا - يشتمل على عوامل مُمْرِضة، انتقلت في بادئ الأمر إلى البشر من حيوانات أخرى (وهذه الأمراض تُسمى "الأمراض حيوانية المصدر"). وتثير الأمراض الفيروسية حيوانية المصدر - مثل فيروس نقص المناعة البشرية، والأنفلونزا الوبائية، والإيبولا - المخاوفَ على نحو خاص، بسبب تاريخها المدمِّر. وفي بحث نُشر في دورية Nature، ألقَى أوليفال وزملاؤه1 النظرة الأشمل حتى الآن على ماضي وحاضر ومستقبل اشتراك البشر والثدييات الأخرى في الإصابة بالفيروسات نفسها.

تعرضت الجهود الرامية إلى فهم الأخطار حيوانية المصدر لانتقادات، بسبب المخاوف من التحيز الناتج عن تركيز الأبحاث على الأنواع والمناطق المختلفة على نحو غير متكافئ، وأيضًا بسبب صعوبة طرح فرضيات بديلة.. فمثلًا، هل نحن أكثر عرضة لخطر الإصابة بالأمراض حيوانية المصدر الآتية من القردة، التي تشترك معنا في الجينات، أم الآتية من الفئران، التي تشاركنا العيش في المدن؟ تناولت دراساتٌ مؤثِّرة2- 4 مجموعات فرعية من هذه القضايا، أو تناولت أنواعًا معينة من المضيفات. يواجه أوليفال وزملاؤه التحدي كاملًاعلى نحو مباشر، إذ جمعوا قاعدة بيانات تضم أكثر من 2800 علاقة ارتباط بين فيروسات وحيوانات، تتضمن جميع الفيروسات المعروفة التي تصيب الثدييات، وجميع الرُّتَب الرئيسة من الثدييات البرية. وقد استخدم الباحثون نماذجَ إحصائية في محاولة لتقييم جميع الفرضيات في وقت واحد، مع استبعاد تأثير الجهود البحثية غير المتكافئة. ويرسم بَحْثهم صورة شاملة للعوامل التي تحكم أعداد الفيروسات (الإجمالية وحيوانية المصدر) التي تحملها الثدييات المضيفة.

ومما يدعو إلى السرور أن هذه الدراسة الشاملة تعزِّز العديد من النتائج السابقة، وكثيرًا ما تضيف إليها إضافة دقيقة. فعلى سبيل المثال.. كان من المعروف أن صلة المضيف بالبشر تؤثر على ميله الطبيعي لحمل الفيروسات حيوانية المصدر2، غير أن تحليل الباحثين يوضح أن التأثير القابل للرصد ينشأ بالكامل تقريبًا عن تباين أنماط حمل الفيروس بين الرئيسيات. فالخفافيش والرئيسيات والقوارض تحمل النِّسَب الأعلى من الفيروسات حيوانية المصدر، ولكن الخفافيش وحدها تحمل نسبة أعلى بكثير من الأنواع الأخرى، بعد استبعاد تأثيرات المتغيرات المربكة، وهو ما يعزِّز إحدى النتائج التي جرى التوصل إليها سابقًا3. وأظهر تحليلٌ للصفات الفيروسية المرتبطة بإمكانية انتقال الفيروسات حيوانية المصدر من الحيوان إلى الإنسان (كان يهدف إلى التنبؤ بما إذا كان في استطاعة فيروس مكتشَف حديثًا أن يصيب البشر، أم لا) أنّ القدرة على التكاثر في سيتوبلازم الخلية تزيد من هذه الإمكانية5. ويعزِّز هذا التحليل أيضًا الفكرة البديهية القائلة إن الفيروسات العامة - القادرة على أن تصيب طيفًا واسعًا من الحيوانات - هي القادرة - على الأرجح - على إصابة البشر.

تَمَثَّلَ الهدف الأشد طموحًا للدراسة في التنبؤ بمكان ونوع المضيف الذي يمكننا أن نجد فيه أمراضًا "مفقودة" حيوانية المصدر؛ وهي تلك الأمراض التي لها وجود، لكنها لم تُكتَشَف بعد. وقد وضع الباحثون نماذجهم بحيث تتنبأ بعدد الفيروسات التي يمكن العثور عليها لكل نوع مضيف في حالة خضوع جميع المضيفين لجهود بحثية نشطة، ثم طرحوا من هذا العدد عددَ الفيروسات المعروفة بالفعل لكل مضيف (محاكين بذلك استراتيجيةً استُخدمت للتنبؤ بالأمراض المستقبلية حيوانية المصدر، التي تنتقل من القوارض)4. وقد أسفر هذا النهج عن تنبؤات ملفتة للنظر بشأن الأنواع والمناطق التي يُرَجَّح بشدة أن تستضيف الأمراض المفقودة حيوانية المصدر، مثل الخفافيش في شمال أمريكا الجنوبية، وآكِلات اللحوم في شرق أفريقيا. ورغم بعض المآخِذ، واكتشاف الباحثين وجود تحيُّز في تنبؤاتهم الخاصة ببعض المناطق، إلا أن هذه النتائج يمكن أن توجِّه الاستثمار المستقبلي في الدراسات العالمية للفيروسات.

مِن الواجب توجيه الثناء لأوليفال وزملائه لأسلوبهم المتماسك والمنهجي في التعامل مع هذه المشكلة الهائلة، التي يمكن القول إن تعقيدها الشديد لا تضاهيه إلا قيمة دراستهم وفائدتها للصحة العامة. لقد أضفى الباحثون التنظيمَ على فَهْمنا لاشتراك البشر والثدييات الأخرى في الإصابة بالفيروسات نفسها، غير أن إمكانية إسهام هذه النتائج في تشكيل أولويات السياسات والأبحاث تتطلب رؤية واضحة للتحديات التي تنتظرنا.

استهدفت الدراسة التنبؤ بانتقال الفيروسات حيوانية المصدر إلى البشر، ولكن كل كلمة في العبارة السابقة تحتاج إلى فحص دقيق. أولًا، كلمة "التنبؤ". دَرَس الباحثون أعداد الفيروسات الإجمالية لكل نوع، ونسبة الفيروسات حيوانية المصدر لكل نوع، وإمكانية انتقال كل فيروس من الحيوان إلى البشر. وقد صنع الباحثون نماذج؛ لتفسير الأنماط المرصودة لكلٍّ من هذه النتائج (آخِذين في الاعتبار العوامل البيولوجية المختلفة، إضافة إلى الجهود البحثية)، وهو ما يمكن اختزاله إلى نماذج تتنبأ بنتائج الأنواع التي لم تخضع للدراسة (مع وضع العوامل البيولوجية وحدها في الاعتبار، لأن الجهود البحثية ليس لها تأثير على النتائج الحقيقية). يوضح الباحثون تمام الإيضاح القدرة التفسيرية لكل نموذج، بما في ذلك القدرة الأقل للنماذج التنبؤية، لكنْ لا يمكن التنبؤ بأيٍّ من النتائج الرئيسة بدقة تزيد على 30%؛ ومن ثم فنحن بعيدون عن طرح أي تنبؤات موثوق بها فيما يخص الأوبئة حيوانية المصدر. وكما يقول الباحثون، فإن الاستخدام الأمثل لتنبؤاتهم هو تحديد أولويات الجهود البحثية، وجهود رصد الفيروسات، وليس توجيه قرارات محددة متعلقة بالسياسات.

ثانيًا، الوصف بـ"حيوانية المصدر". تخيل تقسيم الفيروسات إلى مجموعات متداخلة على أساس قدرتها على الانتقال إلى البشر (الشكل 1)؛ سواء أَصابتْهم بالفعل، أم لم تصبهم، وسواء رُصدَت، أم لم تُرصَد. فعندما نقول "حيوانية المصدر"، فأيّ مجموعة نعني؟ إنّ تحليل الباحثين لقدرة الفيروسات حيوانية المصدر على الانتقال إلى البشر يتناول فيروسات، لعلها لم تصادف البشر من قبل قط. وتشتمل القائمة التي وضعوها للأمراض المفقودة حيوانية المصدر على فيروسات أصابت البشر من قبل، أو ربما تفعل ذلك قريبًا، لكنها لم تُكتَشَف بعد. وفي الوقت نفسه، نجد أن البيانات الحالية المتاحة عن الفيروسات حيوانية المصدر تغطي فقط الفيروسات التي يُعرَف أنها أصابت البشر من قبل. إِذَن، فإلى أيّ مدى يمكننا تعميم أنماط الأمراض حيوانية المصدر، المعروفة على مجموعات أوسع، واضِعِين في الاعتبار أن سمات المضيف والسمات الفيروسية يمكن أن تختلف بشدة فيما بينها؟ فعلى سبيل المثال.. الفيروسات التي تسبِّب أمراضًا أشد خطورة تزداد احتمالات معرفتها، مقارنة بغيرها، إذا تساوت جميع العوامل الأخرى. إنّ توقعات أوليفال وزملائه قائمة بالضرورة على معرفتنا الحالية، وهي تقدِّم لنا معيارًا، يمكن مقارنة البيانات المستقبلية به؛ بغية تحديد التحيز المحتمَل الناشئ عن تعميم النزعات على هذه المجموعات (التي ربما تكون مختلفة).

الشكل 1: تصنيف الفيروسات حيوانية المصدر، الممكن انتقالها إلى البشر. الفيروسات حيوانية المصدر هي تلك الفيروسات التي يمكن أن تنتقل من الحيوانات إلى البشر. ويمكن تقسيمها إلى مجموعات متداخلة، على أساس نجاحها في إصابة البشر، ونجاحنا في رَصْدها. والفيروسات المحتملة حيوانية المصدر هي كلها فيروسات تحملها حيوانات، وقادرة بيولوجيًّا على إصابة البشر. إحدى المجموعات الفرعية من هذه الفيروسات - وهي الفيروسات حيوانية المصدر القريبة - قادرة على إصابة البشر، بحُكْم وجودها في البيئة نفسها (ومن أسباب ذلك مثلًا أنّ حيوانات تعيش على مقربة من البشر تَحمِلها). وثمة مجموعة فرعية أخرى، وهي الفيروسات حيوانية المصدر المُحَقَّقة، وهي التي أصابت البشر بالفعل. أمّا المجموعة الفرعية الأخيرة، وهي الفيروسات المعروفة، فهي التي اكتُشفت إصابة البشر بها، وسُجِّلَت في الأدبيات العلمية. أجرى أوليفال وزملاؤه1 تحليلًا شاملًا لاشتراك البشر والثدييات الأخرى في الإصابة بالفيروسات نفسها، واكتشفوا أنماطًا بالفيروسات حيوانية المصدر المعروفة، وتنبَّأوا بأنماط أخرى في مجموعات الفيروسات الأوسع.

الشكل 1: تصنيف الفيروسات حيوانية المصدر، الممكن انتقالها إلى البشر. الفيروسات حيوانية المصدر هي تلك الفيروسات التي يمكن أن تنتقل من الحيوانات إلى البشر. ويمكن تقسيمها إلى مجموعات متداخلة، على أساس نجاحها في إصابة البشر، ونجاحنا في رَصْدها. والفيروسات المحتملة حيوانية المصدر هي كلها فيروسات تحملها حيوانات، وقادرة بيولوجيًّا على إصابة البشر. إحدى المجموعات الفرعية من هذه الفيروسات - وهي الفيروسات حيوانية المصدر القريبة - قادرة على إصابة البشر، بحُكْم وجودها في البيئة نفسها (ومن أسباب ذلك مثلًا أنّ حيوانات تعيش على مقربة من البشر تَحمِلها). وثمة مجموعة فرعية أخرى، وهي الفيروسات حيوانية المصدر المُحَقَّقة، وهي التي أصابت البشر بالفعل. أمّا المجموعة الفرعية الأخيرة، وهي الفيروسات المعروفة، فهي التي اكتُشفت إصابة البشر بها، وسُجِّلَت في الأدبيات العلمية. أجرى أوليفال وزملاؤه1 تحليلًا شاملًا لاشتراك البشر والثدييات الأخرى في الإصابة بالفيروسات نفسها، واكتشفوا أنماطًا بالفيروسات حيوانية المصدر المعروفة، وتنبَّأوا بأنماط أخرى في مجموعات الفيروسات الأوسع.

كبر الصورة

وأخيرًا، كلمة "انتقال". يتناول البحث ما إذا كان فيروسٌ ما حيواني المصدر، ومن ثم يمكن أن ينتقل من الحيوانات إلى البشر، ولكنّ هذا يختلف تمامًا عن المخاطر الكمية للانتشار الواسع. فعلى سبيل المثال.. لا يميز تحليل أوليفال وزملائه بين فيروس لاسا (الذي ينتقل عشرات الآلاف من المرات سنويًّا)6، وفيروس لوجو (الذي لم ينتقل إلا مرة واحدة فقط، على حدّ علمنا)6. وسوف تتطلب الدراسة المنهجية لمخاطر الانتشار الكّمِّية أساليب تتضمن الآليات ذات الصلة، التي تحدث على مقاييس تتراوح بين المقاييس الجزيئية متناهية الصغر، وتلك هائلة الضخامة7.

يدعو أوليفال وزملاؤه - والأمل يحدوهم - إلى الاستثمار في رصد الفيروسات، وهو ما مِن شأنه توسيع معرفتنا بالأمراض المحتملة حيوانية المصدر؛ وبصفة خاصة إذا كانت هذه المعرفة تنطوي على بيانات وصفية وبائية، وتبادُل صارم للبيانات. وعلى الرغم من أن معظم الأمراض الوبائية حيوانية المصدر، إلا أنّ غالبية الفيروسات حيوانية المصدر لا تسبب أوبئة. لذا.. من الضروري عدم الاستثمار في دراسات واسعة سطحية على حساب فَهْم محددات التفشي الوبائي المحتمل. إنّ العامل الحاسم في انتشار الأوبئة هو انتقال المرض من إنسان إلى آخر، وهو أمر تحكمه السمات الفيروسية8، وقابلية السكان للإصابة بالمرض9، وسهولة التنقل10. وسوف يتطلب اكتساب رؤى جديدة بشأن قابلية انتقال الفيروسات إلى البشر إجراء دراسات ميدانية ومختبرية متعمقة، مصحوبة بتطوير أساليب كمية؛ بهدف تضمين تيارات البيانات المعنية المتنوعة. وفي هذا الصدد.. قد تصبح النماذج الميكانيكية المستقاة من البيانات - في نهاية المطاف - هي الصورة الجديدة لدراسة أحشاء الحيوانات التي استخدمها القدماء.

References

  1. Olival, K. J. et al. Nature 546, 646–650 (2017). | article
  2. Davies, T. J. & Pedersen, A. B. Proc. R. Soc. B 275, 1695–1701 (2008). | article
  3. Luis, A. D. et al. Proc. R. Soc. B 280, 20122753 (2013). | article
  4. Han, B. A., Schmidt, J. P., Bowden, S. E. & Drake, J. M. Proc. Natl Acad. Sci. USA 112, 7039–7044 (2015). | article
  5. Pulliam, J. R. & Dushoff, J. J. Infect. Dis. 199, 565–568 (2009). | article
  6. Bausch, D. G. et al. in Viral Infections of Humans: Epidemiology and Control (eds Kaslow, R. A. et al.) 147–171 (Springer, 2014). 
  7. Plowright, R. K. et al. Nature Rev. Microbiol. http://dx.doi.org/10.1038/nrmicro.2017.45(2017). 
  8. Geoghegan, J. L., Senior, A. M., Di Giallonardo, F. & Holmes, E. C. Proc. Natl Acad. Sci. USA 113, 4170–4175 (2016). | article
  9. Gostic, K. M., Ambrose, M., Worobey, M. & Lloyd-Smith, J. O. Science 354, 722–726(2016). | article
  10. Pybus, O. G., Tatem, A. J. & Lemey, P. Proc. R. Soc. B 282, 20142878 (2015). | article

جيمس أوه لويد-سميث يعمل في قسم علم البيئة وعلم الأحياء التطوري بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجيليس، لوس أنجيليس، كاليفورنيا 90095-7239، الولايات المتحدة الأمريكية، وفي مركز فوجارتي الدولي، المعاهد الوطنية للصحة، بيثيسدا، ميريلاند.

البريد الإلكتروني: jlloydsmith@ucla.edu