أخبار

"ناسا" تبحث عن تُرَب فضائية زائفة أفضل

إن التُّربة التي تحاكي سطوح الكواكب عادة لا تكون دقيقة.

ألكسندرا فيتز

  • Published online:
أحد روّاد المركبة "أبوللو 15" وهو يجمع عيِّنة من تربة القمر.

أحد روّاد المركبة "أبوللو 15" وهو يجمع عيِّنة من تربة القمر.

NASA

احتاج جيمس كاربنتر إلى كمية من تربة القمر الزائفة؛ فهو خبير بالاستكشاف القمري في "وكالة الفضاء الأوروبية" ESA في نوردفايك بهولندا، ويعمل على حفار مُصمَّم للبحث عن الجليد المدفون على القمر. ومؤخرًا، طلب فريقه من مورِّد تجاري في الولايات المتحدة نصفَ طن من مادة غبارية؛ لمحاكاة سطح القمر، غير أن الفريق لم يحصل على ما كان يتوقعه. ويقول كاربنتر: "كانت الخصائص الفيزيائية مختلفة بشكل واضح".

يوضح هذا الموقف مشكلةً مزمنة فيما يتعلق بتربة الفضاء الاصطناعية، المعروفة بالتُّربة المحاكية، وهي: كيف يمكن تصنيعها على نحو متسق، وموثوق به؟ وفي الوقت الحالي، ثمة جهود جديدة تهدف إلى حل هذه المشكلة. ففي شهر يونيو الماضي، جمعت وكالة "ناسا" فريقًا من العلماء من ثمانية من مراكزها البحثية؛ بغية تحليل الخصائص الفيزيائية، وتوافُر أنواع التُّربة المحاكية الموجودة حاليًّا. وللمرة الأولى، بدأت شركة تعمل على التنقيب في الكويكبات - ومقرها فلوريدا - تصنيع مواد غبارية دقيقة علميًّا، من المفترض أن تمثل سطوح أربع فئات من الكويكبات. وقد سلَّمَت الشركة الدفعة الثانية إلى وكالة "ناسا" في الثامن والعشرين من يونيو الماضي. يقول فيليب ميتسجر، عالِم الكواكب في جامعة فلوريدا الوسطى في أورلاندو: "إن "ناسا" تحاول غزو عالَم التُّرب المحاكية الموحِش".

وهذه المواد مقصود بها محاكاة خليط الغبار والصخور المفتَّتة، الذي يغطي سطوح الكواكب والكويكبات. ويستخدم المهندسون هذه التُّرب الصناعية في اختبار تكنولوجيات استكشاف الفضاء، مثل الحفارات، والمركبات الجوالة، ولتحديد ما إذا كان بإمكان رواد الفضاء إنشاء أبنية عن طريق تزويد الطابعات ثلاثية الأبعاد بالترب الفضائية، أو عن طريق ضغط هذه الترب في داخلها، أم لا (B. J. Chow et al. Sci. Rep. 7, 1151; 2017). ويستخدم العلماء التُّرب المحاكية من أجل استكشاف العمليات الجيولوجية، مثل الكيفية التي تضمحل بها الصخور في الفضاء.

تُرَب فوق تُرَب

على مر السنين، عكفت وكالات الفضاء والمجموعات البحثية على تصنيع تُرَبها الاصطناعية بنفسها، حسب الحاجة، وذلك من خليطٍ من الرماد، والحصى، والرمال، والطوب المسحوق، بل والخرز الزجاجي أيضًا. وقد أدى هذا إلى وفرة كبيرة في أنواع التُّرَب؛ إذ يوجد أكثر من 30 تُربة تحاكي تربة القمر وحدها (L. A. Taylor et al. Planet. Space Sci. 126, 1–7; 2016). وتقول جينيفر إدمونسون، عالمة الجيولوجيا في "مركز مارشال لبعثات الفضاء"، التابع لوكالة "ناسا" في هنتسفيل بألاباما: "هناك كثير من الأشخاص يصنعون التُّرَب المحاكية الخاصة بهم، من دون أي خلفية عن الجيولوجيا، أو عن معالجة المواد".

هذا.. ومِن المستحيل أن تتمكن تُربة اصطناعية من إعادة خلق جميع الخصائص الفيزيائية والكيميائية لسطح أحد الكواكب، فالخليط الذي جرى تطويره، كي يُسيِّر المهندسون المركبات الجوالة فيه، لن يصلح إطلاقًا في دراسة الخصائص الجيوكيميائية للقمر.

ولا ينتبه الباحثون على الدوام لأوجه القصور تلك، وذلك حسب قول كلايف نيل، العالِم المتخصص في دراسات القمر بجامعة نوتردام في إنديانا، الذي يضيف أيضًا: "ليس لدينا مرجعية حول ما يمكن أن تُستخدَم فيه هذه المادة، وما لا يمكن أن تُستخدَم فيه. فإذا استخدمتها لغرض خاطئ؛ سينتهي بك المطاف إلى الحصول على نتائج مضللة".

في عام 2010، أوصت مجموعة من العلماء المتخصصين في دراسات القمر بأن تقوم وكالة "ناسا" ببناء قاعدة بيانات، يمكن أن يستخدمها الباحثون من أجل مقارنة خصائص التُّرب المحاكية المختلفة، وانتقاء أفضل تُربة مناسبة لكل استخدام، لكن لم تكن الوكالة تمتلك الأموال الكافية لدعم مثل هذا المشروع. وتهدف المجموعة العاملة الجديدة إلى توضيح تكلفة إنتاج قاعدة بيانات تغطي التُّرب المحاكية الخاصة بكل أنواع الأجسام الكوكبية. وعن هذا.. يقول براد بايلي، المدير المساعد بمعهد الأبحاث الافتراضي لاستكشاف المجموعة الشمسية، التابع لوكالة "ناسا"، والمقيم في واشنطن العاصمة: "نأمل أن نتمكن من بناء هذا المستودع".

ومن شأن قاعدة البيانات أن تشمل التُرَب المحاكية الجديدة لأربعة كويكبات، يُصَنِّعها مكتب شركة "ديب سبيس إنداستريز" Deep Space Industries في أورلاندو، وهي شركة تعمل على التنقيب في الكويكبات. وقد طلبت "ناسا" خمسة أطنان، سيجري تسليمها على مدار العامين المقبلين. وقد أُسست كل تُربة محاكية على فئة مختلفة من النيازك، تسمى النيازك الكوندريتية الغنية بالكربون، التي يُعتقَد أنها بمثابة أجزاء من كويكبات.

 وصفة سرية

من أجل تصنيع تربة الكويكبات الزائفة، يخلط الفنيون معادن متعددة معًا - منها البرونزايت، الذي يحصلون عليه في هيئة أحجار مصقولة من مورِّدي المجوهرات - ثم يضغطونها على شكل قوالب، ثم يسحقونها. ويقول ستيفن كوفي، مدير قسم الأبحاث والتطوير بالشركة: "علينا القيام بشيء مكافئ لعملية ارتطام آلاف النيازك بصخرة صماء على مدار فترة زمنية طويلة".

سَلَّمَت شركة "ديب سبيس إنداستريز" 512 كيلوجرامًا من التربة المحاكية الأولى إلى وكالة "ناسا" في شهر مارس الماضي، و532 كيلوجرامًا من النوع الثاني في يونيو الماضي. وتخطِّط الوكالة لاستخدام هذه التُّرَب المحاكية في بعثات على غرار بعثة "أوزيريس-ركس" OSIRIS-Rex، وهي مركبة فضائية تشق طريقها نحو أحد الكويكبات؛ من أجل جمع عيِّنة منه، وجَلْبها إلى الأرض.

وفي أوروبا، لا يزال كاربنتر وزملاؤه يبحثون عن التربة القمرية المثالية بالنسبة لهم، لكنهم تخلوا عن فكرة طلبها من الشركات التجارية. فالباحثون، الذين يحتاجون 700 طن من أجل موطن قمري مُزمع بناؤه في "مركز تدريب رواد الفضاء"، التابع لوكالة الفضاء الأوروبية في كولونيا بألمانيا، يبحثون في مواقع أقرب كثيرًا لموطنهم؛ ومن ثم قرروا طَحْن الصخور المأخوذة من مناجم البازلت القريبة في منطقة آيفل.