تحقيق إخباري

السر وراء تفوُّق ألمانيا العلمي

مع استعدادها للانتخابات العامة في هذا الشهر، تثبت ألمانيا أن الرؤية بعيدة المدى والاستقرار يمكنهما دعم البحث العلمي بقوة.

أليسون أبوت
  • Published online:
تحت قيادة أنجيلا ميركل، استثمرت ألمانيا كثيرًا في ابتكارات الطاقة.

تحت قيادة أنجيلا ميركل، استثمرت ألمانيا كثيرًا في ابتكارات الطاقة.

Sean Gallup/Getty

إذا ما سألتَ أيّ باحث ألماني الجنسية عن سر ازدهار الأساس العلمي في بلاده، فسيذكر لك حتمًا اسم المستشارة أنجيلا ميركل. فهذه المرأة الأقوى في العالم - كما يقولون عنها - لم تَنْس أصلها كفيزيائية من ألمانيا الشرقية.

خلال عقد زمني، اجتاحت فيه الاضطرابات المالية العالَم كله، زادت حكومةُ ميركل حجمَ الميزانية السنوية المخصصة للبحث العلمي بمعدل ثابت، وبشكل متوقع ومثالي، كما هو معهود من ألمانيا؛ فَبَثَّ ذلك روحَ المنافسة بين الجامعات، وعزز التعاون مع المؤسسات البحثية الفريدة في ألمانيا، التي تحصل على تمويلها من المال العام. تحت قيادة ميركل، حافظت ألمانيا على مكانتها كأحد رواد العالم في مجالات معينة، مثل الطاقة المتجددة، والمناخ؛ كما تنامَى تأثيرها في قطاعات أخرى، في ظل تأكيدها على عدم التنصل من تقديم دعم قوي للبحوث الأساسية.

وألمانيا هي وجهة الباحثين الأجانب بشكل متزايد كموطن لمسارهم المهني، حيث يؤثرونها على الوجهات التقليدية الجاذبة للعقول، مثل الولايات المتحدة، أو المملكة المتحدة. تبدو ألمانيا - بما تشتهر به من أمان ورتابة – بطيئة كالسلحفاة في قصة السباق الشهير مع الأرنب. وبينما تستعد البلاد للانتخابات في الرابع والعشرين من سبتمبر، يتوقع أغلب المراقبين استمرار هذه التوجهات.من جانبه، يقول وولفجانج شون - مدير "معهد ماكس بلانك لقوانين الضرائب والمالية العامة" في ميونخ، ونائب رئيس "المؤسسة الألمانية للبحوث" DFG، وهي الوكالة الرئيسة لتمويل البحوث الجامعية في ألمانيا - إن أسباب نجاح ألمانيا لا تقتصر على الميزانيات المخصصة للبحث العلمي، أو "تأثير ميركل" مثلًا، فألمانيا - مثلها مثل ميركل - لها جذور عميقة في مجال العلوم.

لطالما كانت ألمانيا دولة رائدة على مستوى العالم في مجالي العلوم، والتكنولوجيا، قبل اضطرابات القرن العشرين، وقد أرست تقاليد، لا تزال تطبِّقها دول عديدة حتى الآن. ورغم أنها ما زالت تعاني من بقايا الهياكل الوظيفية التي سيطر عليها الذكور، والتشريعات المتصلبة واسعة الانتشار، يبدو مجال البحث العلمي في ألمانيا راسخًا ومتينًا، كما هو العهد به دومًا، خاصة في فضاء عالمي يقل اكتراثه واهتمامه بالعلوم مع الوقت. تقول كينيث بريويت، عالمة سياسية من جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك: "أتمنى لو كان واضعو السياسات العلمية، ومتخذو قرارات تحديد الميزانيات في الولايات المتحدة يرغبون في التعلم مجددًا من ألمانيا".

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore magna aliqua.

© Replace me

تقوم منظومة العلوم الحديثة في ألمانيا على مفاهيم، أرساها قبل قرنين من الزمان المعلِّمُ البروسي فيلهيلم فون هامبولت، الذي ابتكر العديد من الأفكار، التي لا يزال تأثيرها منتشرًا في العالم بأسره، فهو الذي طرح مثلًا ضرورة استمرار أساتذة الجامعات في القيام بأبحاث مبتكرة بجانب التدريس.

ولا تزال فلسفته القائمة على ضرورة اتساع وتعمُّق عملية التعليم، وتحرُّر الحياة الأكاديمية من السياسة والدين، راسخة في الفكر الألماني. يقول ثورستن ويلهيلمي، الأمين العام لمعهد برلين للدراسات المتقدمة: "إن النظام الذي وضعه هامبولت قد زُرع في حمضنا النووي، ولذا.. في الأوقات العصيبة، لا ينجذب السياسيون إلى فكرة التقليل من البحوث الأساسية"، (انظر المقال "Build, link and trust"، المنشور في العدد 549 من النسخة الإنجليزية من دورية Nature، بتاريخ 7 سبتمبر 2017).

وقد صمدت هذه المبادئ أمام أعتى الاضطرابات السياسية. كان نظام "الرايخ الثالث" - الذي قاده أدولف هتلر - قد جعل العِلْم ينحرف عن غايته، وقاد البلاد إلى الدمار في الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1949، انقسمت ألمانيا إلى بلدين، قاما ببناء قوتهما العلمية في ظل نظم سياسية متعارضة.

كان الدستور الديمقراطي لألمانيا الغربية الساري حتى الآن ينص على "حرية الفنون، والعلوم، والأبحاث، والتعليم". ولضمان أن مركزية السلطة وإساءة استخدامها لن يَحْدُثا ثانيةً، أقام الدستور الألماني دولة اتحادية بشكل عال، تقع فيها مسؤولية الثقافة والعلوم والتعليم على عاتق الولايات الألمانية (تُسمى بالألمانية Länder)؛ الأمر الذي كانت له آثار سلبية، وأخرى إيجابية على تطوُّر الجامعات.

وعلى النقيض، حصرت جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشيوعية (DDR) البحث العلمي، وفرضت عليه رقابة صارمة؛ فتم عزل العلماء عن زملائهم في الجانب الغربي، وزاد فقر مؤسساتهم العلمية مع تدهور الاقتصاد تدريجيًّا في الجانب الشيوعي.

نشأت ميركل في هذه المنظومة، إذ تخرجت في "جامعة كارل ماركس" في لايبزيج في عام 1978، حاملة درجة علمية في الفيزياء، ثم انتقلت إلى "المعهد المركزي للكيمياء الفيزيائية" في برلين، وهو أحد أرقى المراكز البحثية في ألمانيا الشرقية. وهناك التقت بزوجها الثاني يواخيم ساور، المتخصص في الكيمياء الكَمِّية، وحصلت على شهادة الدكتوراة مع مرتبة الشرف، لكنها لم تتحمس للثقافة السياسية المطلوبة، بقدر حماسها الهائل للفيزياء. ففي ألمانيا الشرقية، لا يحصل أحد على شهادة الدكتوراة، من دون شهادة أخرى مصاحِبة لها في دراسة الماركسية اللينينية. وحاز بحث ميركل الذي قدمته في هذا الموضوع - بعنوان "ما هو نمط الحياة الاشتراكي؟" - على أدنى درجة قبول.

وعند تَوَحَّد جانبا ألمانيا، الشرقي والغربي، في عام 1990، قامت لجان خاصة من ألمانيا الغربية بتقييم مستوى علماء ألمانيا الشرقية؛ للتأكد من كفاءتهم. خسر كثيرون منهم وظائفهم، لكن ساور حاز على الموافقة على الانتقال إلى جامعة هامبولت في برلين. وهنا، انغمست ميركل - التي لم تظهر لها ميول سياسية من قبل - في السياسات الديمقراطية، وسرعان ما انضمت إلى "الحزب المسيحي الديمقراطي" CDU، الذي يتبنى توجهات اليمين الوسط. وبدأبٍ ومثابرة، شقت طريقها إلى قيادة الحزب، لتصبح أول سيدة مستشارة لألمانيا في عام 2005. وفازت بعد ذلك في الانتخابات الفيدرالية في عامي 2009، و2013، كما تبدو عازمة على الاحتفاظ بمنصبها في الانتخابات المقبلة (ففي ألمانيا ليس هناك حد زمني لتولِّي منصب رئاسة الحكومة). وفي مارس الماضي، صرحت قائلة: "كنت أعمل من قبل في البحوث الأساسية، وكنت دائمًا ما أقول لنفسي: لا يمكنكِ توقُّع الأشياء في هذا المجال. عليكِ فقط أن تتركي مساحة للأمور".

دعم ثابت

تنقسم البحوث العلمية التي تتلقى تمويلًا حكوميًّا في ألمانيا إلى خمس ركائز: الجامعات، والمؤسسات البحثية الأربع الفريدة الخاصة بها، وكل منها تحمل اسم شخصية علمية بارزة في التاريخ الألماني.

تدير جمعية "ماكس بلانك" - التي تأسست في عام 1948 - 81 معهدًا متخصصًا في البحوث الأساسية، يحصل مديروها على ميزانيات مالية غير عادية، مع الحرية الكاملة في تحديد مساراتهم البحثية. يحصل المدير في مجال علوم الحياة – عادةً - على حزمة أساسية من الدعم، تبلغ مليوني يورو (2.4 مليون دولار أمريكي) سنويًّا؛ لإدارة برنامجه البحثي، ولا تشمل عمليات شراء الأجهزة والمعدات الأساسية. أما "جمعية فراونهوفر"، فقد تأسست بعد ذلك بعام، وهي تكرس جهودها للبحوث التطبيقية. وقد سُميت على اسم الفيزيائي البافاري جوزيف فون فراونهوفر (1787-1826)، الأحد رواد علم البصريات الدقيقة. وقد اندمجت المراكز البحثية الوطنية التي تقوم ببحوث استراتيجية واسعة النطاق، وفقًا لأولويات الحكومة، في "جمعية هلمهولتز"، التي سُميت على اسم الفسيولوجي والفيزيائي الرائد هرمان فون هلمهولتز (1821-1894). كما اندمجت مجموعة أخرى من المعاهد والمَرافق العلمية في جمعية أخرى، تحمل اسم العالِم الموسوعي جوتفريد فيلهلم لايبنتز (1646-1716).

وفي إطار اتفاقية ترجع إلى عام 1949، تشترك الحكومة الفيدرالية مع الولايات في تحمُّل تكاليف المؤسسات البحثية، لكنْ بشكل عام.. يجب على الولايات أن تتحمل وحدها تمويل الجامعات. هذا.. ويوجد حوالي 110 جامعات، بالإضافة إلى 230 جامعة للعلوم التطبيقية (تُسمى Fachhochschulen بالألمانية) لا تمنح درجات الدكتوراة، لكنها تُدرِّب القوة العاملة التي يحتاجها قطاع الصناعة.

يقول فيردي شوث، أحد المديرين في "معهد ماكس بلانك لبحوث الفحم" في مولهايم: "يروق ما يتسم به هذا النظام من وضوح وشفافية للعقلية الألمانية المُحِبّة للنظام. فهي تسهِّل فَهْم النظام لمَنْ هم خارجه، بما في ذلك السياسيين".

وقد زاد الدعم للبحث العلمي بشكل سريع في ألمانيا الغربية خلال أعوام المعجزة الاقتصادية (التي يُطلق عليها Wirtschaftswunder بالألمانية) في أعقاب الحرب. ومع أن إعادة توحيد ألمانيا كانت لها تبعات ثقيلة أرهقت البلاد، تَمَكَّن السياسيون - في أغلب السنوات - من الحفاظ على وجود دعم ثابت وكبير للعلوم. وحتى عام 2015، كانت الحكومةُ تزيد الدعمَ المقدَّم إلى جميع المؤسسات البحثية و"المؤسسة الألمانية للبحوث" بنسبة 5% كل عام، وقد انخفضت هذه الزيادة السنوية في اتفاقية البحوث والابتكار الحالية بين الحكومة الفيدرالية والولايات، السارية حتى عام 2020، لكنها تظل مُرْضِيَة عند نسبة 3%.

ويقول الكيميائي مارتن ستراتمان، رئيس "جمعية ماكس بلانك": "إن هذا الضمان لوجود تمويل مستقبلي يتيح لنا تخطيط استراتيجياتنا البحثية على المدى الطويل. وهي ميزة كبيرة، لا تنعم بها سوى قلة قليلة من الدول الأخرى".

تدفق التمويل

إن الثقة في تَوَفُّر التمويل على المدى الطويل هي التي جعلت عالمة المناعة دولوريس شيندل تبقى ولا تعود إلى بلدها الأم (الولايات المتحدة)، بعد انتهاء ما كان يُفترَض أن يكون وظيفة كباحثة ما بعد الدكتوراة تمتد إلى عامين، في "جامعة لودفيج ماكسيميليان" LMU في ميونخ في أواخر سبعينات القرن الماضي. وقد كان هدفها فقط المساعدة في إنشاء مختبر للفئران؛ من أجل برنامج نقل نخاع العظام في الجامعة، لكنّ المَرافق كانت مغرية، وبينما أصبحت أبحاثها تطبيقية أكثر، وبشكل متزايد، ولم تعد تعتمد على نشرٍ متدفق لأوراق بحثية بارزة، علمت أنه بوسعها الاعتماد على تمويل محلي دائم. انتقلت بعد ذلك إلى "مركز هيلمهولتز" في ميونخ؛ لتوسيع نطاق عملها. وبعد بيع شركة بادئة، كانت قد أسستها، أصبحت المدير التنفيذي وكبيرة العلماء في شركة "ميديجين" Medigene، المتخصصة في العلاج المناعي في ميونخ. وهي تُجْرِي الآن تجارب إكلينيكية لأمصال السرطان المرشحة. وحول تجربتها تقول: "لست متأكدة مما إذا كنتُ سأتمكن من تحقيق ذلك، أم لا، لو كنتُ في الولايات المتحدة، حيث تتسم اتجاهات التمويل بالتقلب والاضطراب".

ولكنّ شيندل تُعتبر حالة نادرة.. فمع أن ألمانيا دولة رائدة - بلا منازع - في مجال الهندسة (انظر المقال "Get behind electric cars" المنشور في العدد 549 من النسخة الإنجليزية من دورية Nature، بتاريخ 7 سبتمبر 2017)، إلا أنها لم تحقق نجاحات كثيرة في نطاق التطبيق العملي للأبحاث في المجالات الواعدة، مثل التكنولوجيا الحيوية. فالقرارات والتغييرات تحدث ببطء، وذلك بسبب الكثير والكثير من البيروقراطية الموجودة بين الحكومات الفيدرالية، وحكومات الولايات. والأدهى من ذلك أن إساءة استخدام العِلْم في ظل نظام "الرايخ الثالث" – ومِن ذلك علم تحسين النسل، وإجراء التجارب على البشر - قد جعلت الألمان يتوجسون خيفة من علم الوراثة بكل أشكاله، وهم مُعَرَّضون لأنْ يُثاروا غاضبين لاعتبارات أخلاقية. كل هذا أدى إلى تقدم بطيء على بعض الجبهات.

وبإعادة توحيدها في عام 1990، وما صاحَب ذلك من اضطرابات، أُجبرت ألمانيا على إصلاح بعض المشكلات المنهجية، مثل نقص التعاون عبر المؤسسات. وانهمك الساسة في التخلص من العقبات العديدة التي تَحُول دون ذلك التعاون.

وفي عام 1999، عَدَّلَت الحكومةُ الفيدرالية التي سبقت حكومة ميركل – وكانت حكومة ائتلافية بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وحزب الخضر – قانونًا كان يُلْزِم وزارات الولايات بإصدار جميع القرارات الخاصة بالجامعات، ابتداءً من تخصيص الميزانيات، حتى تحديد المواعيد الأكاديمية. وشيئًا فشيئًا.. بدأت الولايات تتيح للجامعات إدارة شؤونها بنفسها.

وقد اقترحت الحكومة نفسها تغييرًا جوهريًّا في الجامعات، التي كانت في الأصل تُعتبر جميعها متكافئة. في أحد قوانينها الأخيرة، أطلقت الحكومة "مبادرة التميز" في عام 2005. وإذ أصبحت راسخة الآن، فهي تحثّ الجامعات على التنافس فيما بينها؛ للحصول على التمويل الفيدرالي؛ من أجل تعزيز البحوث رفيعة المستوى، وكليات الدراسات العليا، والأهم "مشارَكات التميز" - ويُقصد بها اتفاقيات التعاون الكبيرة مع العلماء في المؤسسات البحثية الأخرى. وتحصل الجامعات التي تكسب في كل الفئات على لقب "الصفوة" elite، الذي يصاحبه الحصول على المزيد من الأموال.

وعندما أصبحت ميركل مستشارة في نهاية ذلك العام؛ عَيَّنَت زميلتها وصديقتها - التي تشترك معها في طريقة التفكير - أنيت شافان كوزيرة للتعليم والبحث العلمي، وقد أسهمت شافان في تعزيز "مبادرة التميز"، من خلال سلسلة من الجولات التي غَيَّرت شكل الجامعات الألمانية بصورة جوهرية. ضخت الحكومة الفيدرالية حتى الآان 4.6 مليار يورو في المبادرة، وفازت 14 جامعة في المجمل بلقب "الصفوة" في جولات متنوعة. أما الجامعات التي لم تحصل بعد على اللقب، فتزيد فُرَصها من خلال سعيها جاهدة لذلك، ومن خلال مشارَكات التميز، التي فتحت مصادر أخرى للتمويل. وأصبحت المؤسسات العلمية الألمانية - التي كانت يومًا ما منعزلة، ومتفرقة - تتعاون الآن فيما بينها.

أَيَّدت ميركل وشافان القوانين التي تتيح للحكومة الفيدرالية تمويل البحوث في الجامعات بشكل مباشر، وتتيح للجامعات تقديم أجور عالية؛ لجذب أفضل العلماء؛ أو الإبقاء على مَن هم موجودون لديها (كموظفين مدنيين.. يحصل الأكاديميون الألمان عمومًا على أجور أقل من العلماء في الدول الأخرى، أو أولئك الذين يعملون في قطاع الصناعة).

وبفضل كل هذه التغيرات، صَعَدَت الجامعات الألمانية في قوائم الترتيبات العالمية. ففي عام 2005، كانت هناك 9 جامعات ألمانية فقط في قائمة "تايمز للتعليم العالي" لأفضل 200 جامعة في العالم. أما الآن، فهناك 22 جامعة. وقد صعدت "جامعة لودفيج ماكسيميليان" - التي تتصدر القائمة الألمانية في معظم السنوات، وفازت في كل جولة من جولات "مبادرة التميز" - من المركز 61 في عام 2011 إلى المركز رقم 30 في عام 2017.

أما الفيزيائي أكسل فرايموث، فيشغل منصب رئيس جامعة كولونيا منذ عام 2005، ويقول إن الجامعة قد تغيرت تمامًا. ففي هذه الفترة، أَشْرَفَ على التحولات الكبيرة التي فرضتها "مبادرة التميز"، وعلى تحوُّل شكل التدريس الجامعي. ففي الوقت الذي تولَّى فيه منصب رئيس الجامعة، بدأت ألمانيا تتحول من نظام "الدبلوما" المنفرد، الذي كان يستغرق وقتًا طويلًا، إلى النظام الأوروبي، الذي يتضمن درجتي البكالوريوس، والماجستير، والذي يجتازه الطلاب بكفاءة أكبر خلال فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات. ومع ظهور الاستقلال الجامعي، وضع فرايموث نظامًا جديدًا لإدارة جامعته. ويقول: "لقد تعلمنا كيف نتصرف على نحو استراتيجي كجامعة. وقد بثت فينا روحًا جديدة تمامًا".

عيوب المشارَكات

في الوقت نفسه، اجتاحت حُمَّى المشارَكات البحثية كل ربوع ألمانيا، حيث أطلقت شافان مبادرات عديدة؛ لحثّ العلماء من مؤسسات مختلفة على التعاون معًا، ومع قطاع الصناعة. والأكثر روعةً.. كان متمثلًا في إنشائها لشبكة من معاهد الصحة الوطنية، تحت مظلة "جمعية هيلموهولتز"، التي تقوم بجمع الكفاءات والكوادر من مختلف المؤسسات في البلاد في تخصصات صحية، مثل التنكس العصبي، أو الأمراض الاستقلابية.

وتحاول برلين من جانبها تجميع أجزاء من البحوث المتعلقة بالصحة خاصتها في كل من مستشفى "شاريتي" التعليمي، و"مركز ماكس ديلبروك للطب الجزيئي"، وهو أحد المراكز التي تنضوي تحت مظلة "جمعية هيلموهولتز"، في إطار كيان بحثي علاجي، سُمي "معهد برلين للصحة". أما ولاية بادن-فورتمبيرج، فقد ضخت مئات الملايين من اليورو في مبادرة "سايبر فالي" Cyber Valley، التي أُطلقت في ديسمبر من العام الماضي، والتي تجمع البحوث الإقليمية كلها في مجال الذكاء الاصطناعي، وتدعمها بشكل كبير الشركاتُ الكبيرة، مثل "بي إم دبليو"، و"ديملر"، و"بورش"، و"بوش"، و"فيسبوك".

"لست متأكدة مما إذا كنتُ سأتمكن من تحقيق ذلك، أم لا، لو كنتُ في الولايات المتحدة".

وتقول عالمة الأعصاب هانا مونير، التي تشغل مناصب مشتركة في كل من "جامعة هايدلبيرج"، و"المركز الألماني لبحوث السرطان"، وهو أحد المراكز التابعة لـ"جمعية هيلموهولتز" في المدينة نفسها: "إن هذه المشارَكات لها الكثير من الفوائد حقًّا". ورغم أنها تتطلب من الباحثين قضاء مزيد من الوقت في التحدث والتنظيم، كما تقول، "فهي أفضل ما يمكننا فعله هذه الأيام". فقد وفرت عليها - حسب قولها - إحدى المشارَكات التي تأسست في إطار إحدى جولات "مبادرة التميز" مجهودًا هائلًا، عندما قادها بحثها - لفترة وجيزة - إلى دراسة تخصص آليات الألم، وهو تخصص غير مألوف. وبدلًا من الاضطرار لتَعَلُّم كل شيء من الصفر، استفادت كثيرًا بالتعاون التام من مختبر سلوكي محلي، قَدَّم لها المشورة، والمُعِدّات، والدعم الفني.

ولا تزال هذه المشارَكات الضخمة في مرحلة الاختبار. فقد ترك هولجر جيرهارد - عالِم الأحياء المتخصص في الأوعية - منصبه الدائم في "معهد كريك" في لندن؛ للالتحاق بمبادرة معهد برلين للصحة في عام 2014. ويقول عن ذلك: "أعلم أن الأمر كله تجربة واحدة كبيرة، ولكنني أشعر بأنني قد أتمكَّن حقًّا من بناء شيء جديد هنا".

أما ما يكدِّر - في بعض الأحيان - صفو المزايا التي يستمتع بها الباحثون الآن، فهو رغبة الثقافة الألمانية في أن يكون هناك نظام إداري وأخلاقي. ويقول جيرهارد إنه كثيرًا ما كان يجد نفسه مضطرًا لتذكير الشركاء بعدم إنشاء كيانات تنظيمية غير ضرورية. فرغم أن بحوث الرئيسيات مسموح بها قانونًا، إلا أن القيام بها أمر صعب جدًّا. كما أن استخدام الخلايا الجذعية الجنينية البشرية - بخلاف بعض الخطوط الخلوية الأقدم - محظور، ولا تزال ميركل متمسكة بموقفها الصارم تجاه هذه النقطة.

قد تكون ثورةُ غضب الألمان للأخلاق سريعةً في بطشها. ففي عام 2011، ارتكبت ميركل غلطة حمقاء، عندما دافعَتْ عن وزير الدفاع كارل ثيودور زو جوتنبيرج، بعد أن ثبت أنه قد سرق رسالة الدكتوراة الخاصة به. تسرعت ميركل بالقول إن هذه الاتهامات لا ينبغي أن يكون لها تأثير على منصبه الحالي، فهو لا يعمل كمساعد للبحث العلمي. لكنه أُجبر على الاستقالة خلال أسبوعين. وكان هناك سياسيون كثيرون في ألمانيا، حاصلون على شهادة الدكتوراة، فتسببت هذه الفضيحة في إطلاق حملة عنيفة؛ للتحقق من كل منهم. وواجهت شافان نفسها اتهامات حول رسالة الدكتوراة الخاصة بها، التي تعود إلى عام 1980. ورغم أن علماء كثيرين لا يَعتبِرون ما فَعَلتْه سرقة، لكنها اضطرت للاستقالة في عام 2013.

وبصفة عامة.. تَكشِف الأرقام جوانب إيجابية للبحث العلمي (انظر: "ألمانيا بالأرقام")، فنسبة الأكاديميين الأجانب في الجامعات الألمانية قد قفزت من 9.3% في عام 2005 إلى 12.9% في عام 2015. وتتفوق ألمانيا الآن على الولايات المتحدة في نسبة الأوراق البحثية التي تنشرها ضمن الـ10% الأعلى في الاستشهادات المرجعية.

ولا يزال مجال العلوم في ألمانيا أمامه الكثير ليفعله، خاصة في البنية التحتية للجامعات (انظر المقال "Adapt to stay ahead"، المنشور في العدد 549 من النسخة الإنجليزية من دورية Nature، بتاريخ 7 سبتمبر 2017). فالمَرافق الجامعية تبدو بالية ومتهالكة، مقارنةً بالحداثة الشديدة في المؤسسات البحثية غير الجامعية؛ إذ يجب على الولايات تحمُّل تكاليف الأعداد المتزايدة من الطلاب – الذين يلتحقون بالجامعات مجانًا – في الوقت الذي لا يمكنها فيه تحمُّل تكلفة إصلاحات المباني. فالخرسانة المتداعية في مختبرات العلوم وقاعات المحاضرات - التي ظهرت حالاتها السيئة عندما توسعت الجامعات في ستينات وسبعينات القرن الماضي - أمر مخجل، كما يقول فيلهيلم كرول، الأمين العام لـ"مؤسسة فولكسفاجن" في هانوفر، وهي أكبر مموِّل خاص للأبحاث في ألمانيا. ويضيف قائلًا: "لدينا تناقض صارخ بين الفخامة، والبؤس".

هناك عدد قليل من العلماء في ألمانيا يرون أنها تقفز نحو الصدارة مرة أخرى في المشهد العلمي العالمي. وأحد أسباب ذلك هو أن اللغة الألمانية ربما تكون منفِّرة، رغم أن الإنجليزية واسعة الاستخدام في المختبرات الألمانية هذه الأيام.. فاللوائح التنظيمية، والحاجة إلى ملء النماذج تحبط الكثيرين. يقول كرول: "لا تزال ألمانيا – إلى حد ما - تميل إلى تجنب المخاطر.. فالابتكارات الجوهرية والمفاجئة أقل شيوعًا هنا".

وإضافة إلى ذلك.. على الدولة عمل الكثير؛ لتحسين نسبة وجود النساء في مجال البحث العلمي. فقد زادت نسبة النساء في المناصب العلمية القيادية في أغلب المؤسسات البحثية من نسبة 4.8% المتواضعة في عام 2005، إلى 13.7% في عام 2016، وهي نسبة لا تزال ضئيلة. أما حصة النساء اللاتي يشغلن مناصب أكاديمية رفيعة في الجامعات، فقد زادت من 10% في عام 2005 إلى 17.9% في عام 2014. وهي نسبة لا تزال أقل بكثير من المتوسط بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. ولا تبدو الأمور أفضل كثيرًا في مجال الصناعة، فشيندل واحدة من ثلاث نساء فقط، هن أعضاء في مجالس الإدارات التي تضم 160 عضوًا من أفضل 30 شركة للتكنولوجيا في ألمانيا.

إنّ العلماء - بصفة عامة - يثقون في أن الأمور ستستمر في التحسن بسرعة مطردة. وتتعهد حملة ميركل الانتخابية بالاستمرار في دعم البحث والابتكار، ورفع الميزانية السنوية إلى 4%. وفي كل يوم لا تسافر فيه خارج البلاد، تذهب المستشارة إلى شقتها بالقرب من "جامعة هامبولت"، لتقضي ما تَبَقَّى من اليوم مع زوجها الكيميائي. يقول شوث إن الأمر كله يرجع إلى جذورها: "إنها تعلم ما يَعْنِيهِ أن تكون عالِمًا، وتدرك قيمة البحث العلمي. لذا.. يأتي هذا الفكر مِن أعلى، متخِذًا منحنيًا إلى أعماق الجذور".

أليسون أبوت كبيرة مراسلي دورية Nature للقارة الأوروبية.