تحقيق إخباري

تحدِّي الدوائر العصبية بالمخ

حتى أبسط شبكات الخلايا العصبية تستعصي على الفهم. إذَن، كيف يمكن لعلماء الأعصاب فك طلاسم مخ يحتوي على مليارات الخلايا؟

كيري سميث
  • Published online:

Illustration by Daniel Hertzberg

تقتني عالمة الأعصاب، مارتا زلاتيك، مجموعة الأفلام الأكثر مللًا على الإطلاق؛ فقد احتفظت في مختبرها في "مركز جانِليا للبحوث" Janelia Research Campus في آشبيرن بولاية فيرجينيا بما يزيد على 20 ألف ساعة من مقاطع الفيديو القديمة بالأبيض والأسود ليرقات ذبابة الفاكهة Drosophila. لا تفعل اليرقات شيئًا سوى القيام بحركاتها المملة المعتادة، مثل التلوي، والزحف، غير أن تلك الأفلام تساعد في الإجابة عن واحد من أهم الأسئلة في علم الأعصاب الحديث: كيف تخلق دوائر المخ السلوك؟

من الأهداف الكبرى لهذا التخصص معرفة كيفية اتصال الخلايا العصبية ببعضها البعض، وكيفية انتقال الإشارات عبر الشبكات العصبية، وكيفية تناغم هذه الإشارات معًا؛ لتتحكم في حركة الحيوانات، أو في اتخاذ القرارات، أو في التعبير عن المشاعر وتشكيل الوعي، كما هو الحال في البشر.

تقول زلاتيك إنه حتى في أكثر الظروف رتابة – مثل "الإضاءة العادية، وعدم وجود إشارات حسية؛ لا تشعر اليرقات بالجوع" – يمكن جعل اليرقات تؤدي ثلاثين حركة مختلفة، منها إرجاع رؤوسها، أو تدويرها، أو التدحرج. تصدر هذه الحركات عن مخ يتكون من 15 ألف خلية عصبية فقط؛ وهو عدد لا يُعَدّ شيئًا، مقارنة بالمخ البشري الذي يتكون من 86 مليار خلية، وهذا أحد أسباب السعادة البالغة التي تشعر بها زلاتيك وزملاؤها بدراسة اليرقات.

يقول ألبرت كاردونا - زوج زلاتيك، وزميلها في البحث، الذي يعمل أيضًا في "مركز جانليا للبحوث" -: "يرقات ذبابة الفاكهة في الوقت الحالي هي أجدى ما يمكن دراسته. وإذا استطعنا أن نحصل على مخطط ارتباط خلاياها العصبية، ستكون تلك نقطة بداية ممتازة لمعرفة أسرار عمل النظام العصبي المركزي".

تقود زلاتيك وكاردونا فريقين من عشرات الفِرَق حول العالم، التي تعكف على رسم مخططات تفصيلية لارتباط الخلايا العصبية في أدمغة الكائنات المختارة. كان للأدوات والأساليب الجديدة في تشريح الدماغ وتتبُّع الارتباطات دور كبير في تسريع معدل التقدم خلال السنوات القليلة الماضية. وكشفت تخطيطات الشبكات العصبية التي جرى رسمها حتى الآن عن نتائج مدهشة؛ إذ أوضحت - على سبيل المثال - أن المخ يمكنه استخدام الشبكة العصبية نفسها بعدة طرق مختلفة؛ لإنتاج السلوكيات نفسها.

إلا أنّ فهم أبسط الدوائر العصبية – الأصغر كثيرًا في الحجم من الدوائر العصبية ليرقات زلاتيك – يفرض جملة من التحديات. فالدوائر العصبية تختلف في التصميم والوظيفة من حيوان إلى آخر. وتضم الأجهزة العصبية المختلفة وفرة تجعل من الصعب عزو وظيفة محددة لدائرة عصبية بعينها. وبالإضافة إلى ذلك.. فإن طريقة ارتباط الخلايا وحدها لا تقدِّم تفسيرًا كاملًا لكيفية تحكُّم الدوائر العصبية في السلوكيات؛ فهناك عوامل أخرى ينبغي أخذها في الاعتبار، مثل الكيماويات العصبية. يقول فلوريان إنجِرت - الذي يحاول إعداد أطلس لدماغ سمك الدانيو المخطط zebrafish بجامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوسِتس الأمريكية -: "أحاول تحاشي استخدام الكلمة ’فَهْم‘ قدر الإمكان. فما الذي نعنيه حقًّا عندما نقول إننا نفهم كيف يعمل شيء ما؟ فإذا كان الأمر يقتصر على رسم مخطط، فأنت في حقيقة الأمر لم تفهم أي شيء".

ومع ذلك.. بدأ العلماء يكتشفون أنماطًا في دوائر بسيطة قد تتكرر في أدمغة أكثر تعقيدًا. يقول ويلي توبين - عالِم الأعصاب في كلية هارفارد للطب في بوسطن بولاية ماساتشوسِتس -: "هذا ما نتمناه.. أنْ نكتشف مبادئ عامة تساعدنا في فهم الأجهزة العصبية الكبيرة والمعقدة".

 تدريب الدوائر

يُعَدّ أبسط دماغ تَمَكَّن العلماء من رسم مخطط ارتباطاته العصبية بالكامل هو دماغ دودة الربداء الرشيقة Caenorhabditis elegans، الذي يحتوي على ما يزيد قليلًا على 300 خلية عصبية. اكتملت خريطة جميع الارتباطات العصبية الخاصة بها في ثمانينات القرن العشرين1، غير أن دراسة هذه الارتباطات عن قرب أثناء عملها كانت أمرًا عسيرًا للغاية. ويشكك بعض علماء الأعصاب في أن دماغ اليرقات يعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها الأدمغة الأكبر حجمًا.

ولهذا السبب.. اعتمد الكثيرون، مثل زلاتيك، على فصيلة أخرى من اللافقاريات في مختبر الأحياء؛ ألا وهي ذبابة الفاكهة. فيرقات ذبابة الفاكهة معقدة بما يكفي للقيام ببعض السلوكيات المثيرة للانتباه، لكنها في الوقت نفسه تحتوي على عدد منخفض نسبيًّا من الخلايا العصبية على نحو يجعل مشروع تخطيط الدوائر العصبية ممكنًا ومجديًا. وإضافة إلى ذلك.. تطبِّق زلاتيك وزملاؤها حزمة من التقنيات، مثل علم الجينات الضوئية optogenetics، الذي تُستخدم فيه بروتينات حساسة للضوء في التحكم في نشاط الخلايا العصبية أثناء أداء عملها، أو مراقبة هذا النشاط.

تُطَوِّر زلاتيك وكاردونا أساليب لجمع صور مقطعية عالية الدقة لدماغ يرقة الذبابة، ولميكنة عملية تتبُّع كل الروابط من قطاع إلى آخر، وهي عملية منهكة للغاية. وبعد ذلك، عن طريق مضاهاة أنماط السلوكيات ونشاط الذبابة مع الخرائط، يستطيع الفريق تحديد الدوائر المسؤولة عن السلوكيات المختلفة.

على سبيل المثال.. من بين الأمور المحيرة للعلماء: كيف يختار المخ بين إجراءين متنافسين. ففي العام الماضي، تتبع كاردونا وزلاتيك وفريقاهما الدوائر التي تجعل اليرقات عندما تواجه نفخة مزعجة من الهواء تختار بين إرجاع رؤوسها إلى الوراء، أو الإشاحة بها جانبًا2(فاليرقة نفسها عندما تتعرض لنفخة الهواء مرتين ربما تسحب رأسها للخلف مرة، وتشيح بها جانبًا في مرة أخرى. حدَّد الفريقان الخلايا العصبية التي يعتقدون أنها مسؤولة عن رد الفعل لنفخة الهواء، واستخدموا علم الجينات الضوئية لتنشيطها بالتتابع. واستطاعوا رؤية تعطُّل الدائرة المسؤولة عن إرجاع الرأس وتنشيط الدائرة المسؤولة عن الثني، وذلك في مساحة زمنية لا تتجاوز بضع ملِّي ثانية. وبعد ذلك.. صمموا نموذجًا حوسبيًّا يتنبأ بالاستجابة التي ستقوم بها اليرقة عند تحفيزها بطريقة معينة.

تدرس مختبرات كثيرة مخططات الوصلات العصبية لذبابة الفاكهة البالغة. فالمخ بأكمله - الذي يتكون من 135 ألف خلية عصبية - كبير للغاية، بحيث لا يمكن إعادة بناء وصلاته بالكامل، ولهذا.. يدرس العلماء أجزاء صغيرة من الجهاز العصبي، حتى يتمكنوا من دراسة الوصلات بين الخلايا العصبية، وكذلك وظائفها.

فعلى سبيل المثال.. يعمل توبين على جزء من مخ ذبابة الفاكهة يساعد في تمييز الروائح؛ وهي دائرة تسمى "الكبيبة الشمية" olfactory glomerulus. يحتوي دماغ الذبابة على 50 دائرة مماثلة، كل منها تتكون من بضع عشرات من الخلايا العصبية في منطقة لا يزيد عرضها على 20 ميكرومترًا، وكل منها تنقسم إلى نصفين؛ لاستقبال الإشارات من قرني الاستشعار الأيمن والأيسر في الذبابة. في دراسة توبين الأخيرة3، التي نُشرت في شهر مايو، قام هو وفريقه بقطع "كبيبة شمية" بدقة، واستخدموا المجهر الإلكتروني لرسم خريطة لجميع الخلايا العصبية الخمسين من نوع معين، بما في ذلك الخلايا الأخرى التي تتصل بها، ومدى قوة الروابط بينهم. وكشفت المقارنة بين النصفين عن بعض الفروق الملحوظة في عدد الخلايا والارتباطات، رغم أن وظيفة الدائرة لم تتغير.

يقترح توبين  أن تكون توصيلات الدائرة تعوض تقلبات النمو التي أدت إلى الاختلافات الطفيفة بين النصفين. ويقول إن هذه الصلابة قد تكون قاسمًا مشتركًا بين كل الأدمغة، وقد تكون مفقودة في بعض الاضطرابات. ويضيف: "المرض هو نقص في القوة، يعجز النظام العصبي على تعويضه".

أما إنجرت فيركز جهوده على دماغ يرقات سمك الدانيو المخطط Danio rerio ، الذي يتكون من 100 ألف خلية عصبية. وكان فريقه قد نشر4في مايو الماضي مخططًا تفصيليًّا لوصلات مخ يرقة سمكة الدانيو بالكامل، واستخدم هذا المخطط في دراسة المسارات التي تتبعها الخلايا العصبية المتماثلة أثناء التوسع والاتصال خلال مرحلة النمو. وتوقع الفريق درجة ما من العشوائية في الرحلة من المخ حتى النخاع الشوكي، لأن مثل هذه التخطيطات غالبًا ما تكون متشابكة وعشوائية في الثدييات، ولكن الخلايا العصبية التي درسوها في سمكة الدانيو ظلت معًا في شكل حِزَم أو مجموعات، وسلكت مسارات متطابقة على جانبي السمكة. إنّ ما يبدو أن له سلطة كبيرة في توجيه مسار هذه الخلايا، كما يقول إنجرت، هو خصائصها الوراثية. ويضيف قائلًا إن موجهات التوصيل هذه "لها دور أقوى بكثير مما كنا نظن مسبقًا".

"لست أعرف حتى إنْ كانت هناك كلمة تصف هذا الرقم. إنه رقم يتجاوز البيتابايتات".

كما تقوم فِرَق من الباحثين بإعداد مخططات للدوائر في مناطق معينة في أدمغة الفئران. ففي عام 2014، على سبيل المثال، نشر فريق يقوده سباستيان سيونج - الذي يعمل الآن في جامعة برينستون في نيوجيرسي - خريطة للخلايا العصبية وروابطها في شبكية عين الفأر5. وبالنظر إلى أشكال الخلايا العصبية والروابط بينها، إذ نجد مثلًا أن الخلايا العصبية التي تأخذ شكل نجمة بها نقاط تشابك عصبي أكثر من الخلايا التي بها فروع أقل، استطاع الفريق التكهن بالطريقة التي تُمَرَّر بها الإشارات عبر الخلايا. وكان من المعروف عن بعض الخلايا التي رسمت لها خرائط مؤخرًا أنها ترسل إشارات للخلايا الأخرى مع فترة تأخير، الأمر الذي قد يفسر كيفية نقل العين للمعلومات الخاصة بجسم متحرك.

 بيانات ضخمة

إذا كان هناك من درس يمكن أن تعلمه لنا الدوائر العصبية، فهو أنه ما من شبكة صغيرة على تحقيق المفاجآت؛ أو إحباط محاولات الفهم. فقد قضت إيف ماردر - عالمة الأعصاب بجامعة برانديز في وولثام بولاية ماساتشوستس - 30 عامًا في دراسة دائرة عصبية بسيطة تتكون من 30 خلية عصبية في الجهاز الهضمي للسلطعون. يُعَدّ دور هذه الدائرة بسيطًا، وكان مخطط وصلات الخلايا متاحًا طوال عقود، غير أن الدائرة لا تنفك تكشف المزيد من الأسرار. فقد أثبتت ماردر - على سبيل المثال - أن الدوائر العصبية للحيوانات قد تبدو متماثلة، وتقوم بالوظيفة نفسها، لكنها تتفاوت تفاوتًا كبيرًا في قوة إشاراتها، والقدرة على التوصيل عند نقاط التشابك العصبي6. وتعكف ماردر حاليًّا على دراسة كيفية حفاظ الدوائر على هويتها مع مرور الوقت، وذلك مع استبدال أشياء مثل قنوات ومستقبلات الأيون. وتتساءل ماردر: "ما القواعد التي تستخدمها لاستبدال كل المكونات، مع الحفاظ على الدائرة؟"، وتضيف قائلة إنّ جميع هذه التحديات تنطبق كذلك على الشبكات الأكبر. وتردف قائلة: "ما زالنا بعيدين للغاية عن معرفة كيفية التعامل مع أنواع المعلومات التي نحصل عليها من سلوك الحيوانات أثناء أداء مهمة معقدة".

يستعد العلماء حاليًّا لهذه المواجهة. وقد تطلبت جهود الاستعداد استخدام عدة طرق لجمع البيانات وتحليلها، وقد أثبتت هذه الطرق فائدة عظيمة في السنوات الخمس الماضية، أو نحو ذلك. تعاوَن فريق زلاتيك مع آخرين في مركز جانليا من أجل تحسين الأدوات الجينية الضوئية. ولتحليل أفلام الفيديو الخاصة بحركة اليرقات، استعانت زلاتيك بخبراء إحصاء، وعلماء كمبيوتر متخصصين في مجال تعلم الآلة؛ لابتكار طرق لتصنيف حركات اليرقات.

بعد ذلك.. في مختبر كاردونا، قام العلماء برسم خرائط لأدمغة اليرقات، عن طريق جمع آلاف الصور لشرائح الدماغ التي تم التقاطها بالمجاهر الإلكترونية، ثم تجشم عناء تتبع الوصلات بين الخلايا العصبية. وتشكل هذه الخريطة نقطة البداية لبقية الجهود اللاحقة – رسم مخطط للدائرة، والتأثير على الدائرة، ومشاهدة السلوك الناتج (انظر: "توصيل النقاط"). وفي صفحة 175 من البحث، استخدم الفريق هذا البروتوكول في كشف مدى تحكم دائرة عصبية داخل دماغ ذبابة الفاكهة، تُسمَّى "جسم الفِطر" mushroom body في التعلم والذاكرة، وذلك من خلال ربط مشاعر الثواب أو العقاب بالمعلومات الحسية7، ولكن عملية رسم الخرائط العصبية غدت في الوقت الحالي عائقًا كبيرًا في هذا المجال، كما يقول كاردونا. فرسم خريطة لجزء يتكون من 160 خلية عصبية في دائرة كشف الروائح في دماغ الذبابة لدراسة بحثية أخرى8 استغرق من الفريق أكثر من 1100 ساعة. ويشير أحد التقديرات9 - بناء على الجهود السابقة في دراسة ذبابة الفاكهة – إلى أن إعداد خريطة كاملة لدماغ ذبابة الفاكهة الناضجة سوف يستغرق مئات السنوات، إذا قام به باحث واحد. وستسهم ميكنة العملية في اختصار الوقت، لكن اللوغاريتمات قد تضيف وصلات زائفة، أو تتجاهل بعض الوصلات بالكلية.

Nik Spencer/Nature

أما الفِرَق التي تعمل على دوائر عصبية أكبر، فهي عادة ما تقسم المشكلة إلى أجزاء؛ حيث تبدأ بوضع قائمة بأنواع الخلايا أولًا. ويتبع هذا المنهج برنامج "أطلس وصلات أدمغة الفئران" في "معهد آلِن لعلوم المخ" في سياتل، واشنطن. ففي دراسة نُشرت في عام 2014،  حدد الفريق 49 نوعًا من الخلايا في القشرة البصرية وحدها10 تختلف فيما بينها في الحجم والشكل، وسرعة إطلاق الإشارات العصبية، والجينات التي تعبر عنها. ويتوقع الفريق وجود أنواع من الخلايا تُقَدَّر بأضعاف أضعاف هذا الرقم في الدماغ بالكامل. تقول هونكوي زينج - التي تعمل على الأطلس في "معهد آلِن" -: "قد تصل أنواع الخلايا العصبية إلى 10 آلاف نوع في تقديري".

وعندما طُلِبَ منها تقدير حجم البيانات المطلوب لتخطيط دماغ فأر بالكامل، ضحكت زينج في البداية، ثم قالت: "ستكون أرقامًا فلكية. لست أعرف حتى إنْ كانت هناك كلمة تصف هذا الرقم، أم لا. إنه رقم يتجاوز البيتابايتات. بيتابايتات البيتابايتات".

وهذا القَدْر من البيانات هو ما سيتولد عن مخطط الوصلات العصبية لدماغ حيوان واحد فقط، غير أن العديد من العلماء يتطلعون إلى مرحلة يستطيعون فيها إنتاج العديد من المخططات، والمقارنة بينها. يرى توبين أن خرائط الوصلات العصبية لحيوانات مختلفة ستُظهِر فروقًا مهمة؛ وربما مدهشة فيما يتعلق بالوظائف. فحتى الآن، حسب قوله: "نحن لا نزال في مرحلةٍ.. العينة فيها مكوَّنة من حيوان واحد".

ومن الأولويات الأخرى على قوائم أمنيات العديد من علماء الأعصاب التسجيل من الكثير من الخلايا العصبية في الوقت نفسه. وبهذه الطريقة، يستطيع الباحثون محاكاة خلية عصبية، ورؤية أي الخلايا العصبية الأخرى تنشط، ثم وضع صورة ديناميكية لسلسلة من الأوامر التي تصنع السلوك. وتقول زينج إن هذا سيكون "التحدي الضخم التالي للأدمغة الأكثر تعقيدًا".

وحتى في الدائرة المفضلة لدى ماردر، التي تضم 30 خلية عصبية، ما زال هذا أمرًا افتراضيًّا. وتستطيع ماردر توصيل الأقطاب الكهربية بمجموعة من الخلايا في وقت واحد. أما الآخرون الذين يدرسون دوائر صغيرة، فيستخدمون تقنيات متنوعة لتوفير المواد الوسيطة التي تمكِّنهم من معرفة الخلية التي أطلقت الإشارة العصبية ووقت الإطلاق. وعلى سبيل المثال.. يستطيع الباحثون قياس الكالسيوم الذي تفرزه الخلايا العصبية بعد بث الإشارة، أو دراسة الإشعاع الفلورسيني، استجابة للتغير في الجهد الكهربي على غشاء الخلية، ولكن ذلك أشبه بقياس سرعة سيارة بقوة الهواء الذي تصنعه، كما أن المواد الوسيطة ليست بسرعة عملية الإطلاق نفسها. تقول زلاتيك: "في الوقت الحالي، يمكنك التسجيل من كل الخلايا العصبية، ولكن ببطء شديد؛ مرتين فقط في الثانية، ولكنك ستفقد كل الأشياء التي حدثت بين هاتين المرتين".

 قد يفيد فَهْم آليات الدوائر بدقة أكبر في الإجابة عن الأسئلة الطبية. قضت ماردر 25 عامًا تدرس للطلاب شبكات المخ العصبية، بما في ذلك الشبكات التي رسمها المتخصصون في مرض الشلل الرعاش Parkinson. وتقول ماردر: "كلما أطلتَ النظر في مخططات الدوائر، زاد ارتباط المسارات ببعضها البعض". وهي تعترف بأن تفاصيل الدوائر ليست لها أهمية، طالما كان العلاج فعالًا، ولكن هذه المخططات قد تساعد في معرفة السبب راء نجاح العلاج مع بعض الأفراد، دون غيرهم، أو ما الذي يرتبط بنجاح العلاج. تبيِّن الأدلة الإكلينيكية أن الأفراد المصابين بمرض "باركنسون" لديهم انحرافات أساسية مختلفة في مناطق ودوائر معينة بالمخ11.

بعض الباحثين يرون أن التركيز على الأهمية الإكلينيكية رأي قصير النظر، مؤكدين أن الجهود الساعية لرسم خرائط الدوائر مجدية بذاتها. يقول إنجرت عن دراسته التي يجريها على سمك الدانيو المخطط: "من الصعب بالنسبة لي وضع خطة بحثية تنتهي عند أسرة المرضى".

كثيرٌ من الباحثين - في الوقت الحالي على الأقل - متقبلون للتعقيد المريع للمهمة. فعلى سبيل المثال.. تشعر زلاتيك بالارتياح، لأنها بدأت ترى أنماطًا متكررة في نسق وترتيب الخلايا العصبية ليرقات ذبابة الفاكهة، وكيفية إنشاء حلقات التغذية الرجعية. وتقول إن هذا النسق على مستوى الدوائر العصبية قد يجعل الأمور أسهل، بعد انتهاء الفريق من وضع الخريطة. وتضيف قائلة: "عندما تكون المعلومات ناقصة، يبدو الأمر أشبه بفوضى حقيقية. وربما كان أكثر الأمور إثارة للدهشة هو مدى منطقية المعلومات التي يمكن أن تحصل عليها عندما يتوفر لديك نظام كامل نسبيًّا".

References

  1. White, J. G., Southgate, E., Thomson, J. N. & Brenner, S. Phil. Trans. R. Soc. Lond. B 314, 1–340 (1986). 
  2. (Jovanic, T. et al. Cell 167, 858–870 (2016 
  3. (Tobin, W. F., Wilson, R. I. & Lee, W.-C. A. eLIFE 6, e24838 (2017 
  4. (Hildebrand, D. G. C. et al. Nature 545, 345–349 (2017
  5. (Kim, J. S. et al. Nature 509, 331–336 (2014
  6. (Goaillard, J.-M., Taylor, A. L., Schulz, D. J. & Marder, E. Nature Neurosci. 12, 1424–1430(2009
  7. (Eichler, K. et al. Nature 548, 175–182 (2017
  8. (Berck, M. E. et al. eLIFE 5, e14859 (2016
  9. (Plaza, S. M., Scheffer, L. K. & Chklovskii, D. B. Curr. Opin. Neurobiol. 25, 201–210 (2014
  10. (Oh, S. W. et al. Nature 508, 207–214 (2014
  11. (Gratwicke, J., Jahanshahi, M. & Foltynie, T. Brain 138, 1454–1476 (2015 
كيري سميث محررة التحقيقات الإخبارية بدورية Nature في لندن.