أنباء وآراء

نحو القضاء على شلل الأطفال

مرض شلل الأطفال في طريقه إلى الزوال تمامًا تقريبًا. دراسة ميدانية تُظْهِر أن ثمّة حاجة إلى مزيج من العلوم الموجهة، وعلم الأوبئة، والأساليب الصحية المتكاملة المرتكزة على المجتمع؛ لإنجاز المهمة.

جيمي سيبولفيدا
  • Published online:

في عام 1988، التزمت الدول الأعضاء جميعها في "منظمة الصحة العالمية" بالقضاء على مرض شلل الأطفال المُعدي بحلول عام 2000. كانت نتائج هذا البرنامج مذهلة حقًّا؛ فقد انخفض عدد حالات مرض شلل الأطفال، المسبِّب للشلل، المقدَّرة بـ350,000 حالة في عام 1988 إلى 8 حالات فقط، حدثت بسبب فيروس شلل الأطفال النشط هذا العام (حتى الثاني عشر من يوليو)، وفقًا لتصريحات القائمين على "المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال"، (go.nature.com/2thuu4d). والنجاح في القضاء التامّ على المرض وشيك الحدوث، غير أن شلل الأطفال لا يزال متوطنًا في باكستان، وأفغانستان، ونيجيريا. لماذا؟ الإجابة ببساطة ووضوح هي أن القضاء على انتقال فيروس شلل الأطفال في الأماكن المتأثِّرة بالنزاعات المسلحة، وأنظمة الرعاية الصحية المتدنيَّة أكثر صعوبة من القضاء عليه في المجتمعات الأغنى، التي تتمتع بنظم رعاية صحية عامة لائقة. ففي تقريرٍ نشرته دورية "ذا لانسيت جلوبال هيلث" The Lancet Global Health ، يذكر حبيب وآخرون1 نتائج تجربة إكلينيكية جيدة التصميم، أُجريت في باكستان، قامت على مقارنة الأساليب المختلفة لتقديم برنامج للتطعيم ضد شلل الأطفال في ثلاث مناطق تُوجَد فيها عدوى فيروس شلل الأطفال المتوطِّن، وذلك بالتزامن مع ارتفاع معدَّل انعدام الأمن.

فيما يلي نقدم شرحًا للسياق العام أولًا. فهناك نوعان رئيسان من اللقاحات الواقية من شلل الأطفال: لقاح شلل الأطفال المُعَطَّل (IPV) - الذي يؤخذ في صورة حقن - ولقاح شلل الأطفال الفموي (OPV)، الذي يحتوي على سلالات حية من الفيروس، ولكنها مُوَهَّنَة. ونظرًا إلى انخفاض تكلفته وسهولة إعطائه، كان الشكل الفموي هو اللقاح الأساسي المستخدَم في البرنامج العالمي لاستئصال المرض، غير أن اللقاح الفموي له عيوب كذلك، ففي حالات نادرة، يمكن للسلالات المُوهَّنَة المستخدَمة في اللقاح الفموي أن تتحور وتستعيد خاصية القدرة على إصابة الجهاز العصبي، وكذلك قابلية الانتقال المميزة للفيروس النشط2، مما يؤدي إلى تفشي المرض بين الجماعات غير المحصنة جيدًا. وقد أُبلغ هذا العام عن حدوث بضع نوبات تفشٍّ لفيروس شلل الأطفال المنتشر والمشتق من اللقاح في سوريا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وبإلقاء نظرة تاريخية، سنجد أن نصف الكرة الأرضية الغربي هو مَن قاد مسيرة القضاء على شلل الأطفال. فبدايةً من عام 1962، استخدمَت كوبا حملات تطعيم جماعي بلقاح شلل الأطفال الفموي؛ لتصبح أول بلد يقضي على المرض في الأمريكتين. ووافقت دول في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي على تنفيذ حملات تطعيم جماعية بلقاح فيروس شلل الأطفال الفموي في أيام التطعيم الوطنية في عام 1985. وإبان الحرب الأهلية في السلفادور في ثمانينيات القرن الماضي، أُعلِنَ وَقْف إطلاق النار؛ للسماح بحملات التطعيم باللقاح الفموي خلال "أيام الهدنة". وفي المكسيك، انضمت حملات التطعيم بلقاح شلل الأطفال الفموي - التي بدأت منفردة في أول الأمر – إلى مجموعة أخرى من التدخلات الصحية فعالة التكلفة، ومن بينها إعطاء فيتامين أ، وعلاج تعويض السوائل الفموي، والتوعية الصحية، التي كانت تجري في البيوت والمجتمعات المحلية على حد سواء3. وقد حدثت آخِر إصابة بشلل الأطفال في الأمريكتين في عام 1991 في دولة بيرو. ومنذ ذلك الحين، استُخدِمَت بنجاح الدروس العديدة المستفادة من القضاء على شلل الأطفال في تلك المنطقة بنجاح في مناطق أخرى من العالم4.

في باكستان، تتلقى نسبة منخفضة نسبيًّا من السكان التطعيم بلقاح شلل الأطفال الفموي على نحو منتظم (يبلغ متوسط معدل التطعيم ​​الوطني 72%، مع تباين إقليمي يتراوح بين 29، و90%)5. شرع حبيب وزملاؤه في تقصِّي ما إذا كانت الأساليب المتكاملة قد تحسِّن معدّل التغطية في مناطق الاضطرابات الأهلية في ذلك البلد، أم لا. وقد ضمت الدراسة المجتمعية - التي أعدها الباحثون - قرابة 90,000 طفل في سن ما قبل الالتحاق بالمدرسة (من سن شهر إلى 5 سنوات) ممن كانوا يعيشون في ثلاث مقاطعات معرَّضة بنسبة كبيرة للإصابة بمرض شلل الأطفال، ووَزَّعتهم بالتساوي على ثلاث مجموعات.

 في المجموعة الأولى، تلقَّى الأطفال الشكل الفموي من لقاح شلل الأطفال فقط (الشكل 1). وأُعطي أطفال المجموعة الثانية مجموعة خدمات صحية متكاملة، تشمل مواد تثقيفية للمجتمعات المحلية، ولقاح شلل الأطفال الفموي، وغيره من اللقاحات والمكمِّلات الغذائية، وذلك في معسكرات صحية ثابتة ومتنقلة. وتلقَّت المجموعة الثالثة الحزمةَ نفسها التي تلقَّتها المجموعة الثانية، ولكنْ أُضيف إليها لقاح شلل الأطفال، الذي يُعطَى في صورة حقن. وجد الباحثون أن حِزَم الخدمات الصحية المتكاملة أدَّت إلى زيادة تقبُّل المجتمع المحلي للتطعيم ضد شلل الأطفال، وبالتالي؛ ارتفعت التغطية بلقاح شلل الأطفال الفموي بنسبة 6,6% في المجموعة الثانية، و8,5% في المجموعة الثالثة، مقارنةً بالمجموعة الأولى.

الشكل 1 | طفل يتلقَّى لقاح شلل الأطفال الفموي.

يذكر حبيب وزملاؤه أن إعطاء الشكل الفموي من لقاح شلل الأطفال مع مواد تثقيفية، ولقاحات أخرى ومكمِّلات غذائية حَسَّن تقبُّل اللقاح من قِبَل الأطفال في سن ما قبل المدرسة في مناطق النزاع في باكستان، مقارنةً بتقديم الشكل الفموي من اللقاح وحده.

يذكر حبيب وزملاؤه أن إعطاء الشكل الفموي من لقاح شلل الأطفال مع مواد تثقيفية، ولقاحات أخرى ومكمِّلات غذائية حَسَّن تقبُّل اللقاح من قِبَل الأطفال في سن ما قبل المدرسة في مناطق النزاع في باكستان، مقارنةً بتقديم الشكل الفموي من اللقاح وحده.

UNICEF/Zaidi

أُجريت دراسة حبيب وزملائه بين يونيو 2013، ومايو 2014. وقد جرى بالفعل بسَّط نهجها المتكامل إلى مناطق صراع أخرى في باكستان. وتحسنت حالة شلل الأطفال بشكل عام في تلك المناطق في السنوات الثلاث الماضية، بفضل تحسُّن المراقبة الوبائية، وضمان أمن فِرَق عمال الرعاية الصحية الذين يعطون اللقاحات. ونتيجة لذلك، تم الإبلاغ عن ثلاث حالات فقط لمرض شلل الأطفال في باكستان حتى الآن خلال العام الحالي (حتى الثاني عشر من يوليو)، ولكنْ يظل التحدي القائم هو استهداف انتقال شلل الأطفال عبر الحدود بين باكستان وأفغانستان، وهما آخِر بلدَين على الأرض لا يزال يُوَثَّق فيهما انتقال فيروس شلل الأطفال النشط. (لم تبلغ نيجيريا عن أي حالات منذ شهر أغسطس من عام 2016).

وسيكون إشراك المجتمع المحلي أساسيًّا، إذا ما أردنا أن تحظى فكرة التطعيم بقبول في هذه المناطق. وبخلاف ذلك، فإن مجموعات سكانية فقيرة عديدة لن تلمس فائدة تلقِّي جرعة من اللقاح في غياب تدخلات صحية أخرى مطلوبة بشدة وضرورية للغاية. وحسبما يَقترِح حبيب وزملاؤه، يجب أن تكون برامج التطعيم أساس لتقديم تدخلات أخرى ذات جدوى اقتصادية إلى المجتمع، إذا ما أُريد تحسين معدَّلات القبول.

وبالإضافة إلى تحديات التنفيذ، هناك عقبات تقنية للقضاء على شلل الأطفال ما زالت قائمةً. يتكون لقاح شلل الأطفال الفموي الذي استُخدم في الجهود الأساسية للقضاء على شلل الأطفال من ثلاث سلالات من الفيروس الموهن، إلا أن عمليةً انتقالية جيدة التنسيق نجحت في الاستفادة من لقاح فموي يحتوي على سلالتين فقط6. ويُفترَض أن يؤدي هذا إلى القضاء على نوبات تفشي شلل الأطفال، الناجمة عن طفرة في السلالة المزالة، التي كانت السبب الأكثر شيوعًا للإصابة بشلل الأطفال المنتشر والمشتق من اللقاح.

وثمة مشكلة فنية أخرى، هي أن الطلب الهائل على لقاح شلل الأطفال المُعَطَّل قد فاق القدرة الإنتاجية الحالية، مما أدَّى إلى حدوث عجز مؤقت. تتصدى بضع دول لهذه المشكلة، عن طريق استخدام جرعة جزئية من حُقَن لقاح شلل الأطفال المُعَطَّل بإعطائها داخل الجلد، وحققت نتائج جيدة. كما تنبغي أيضًا معالجة مشكلة انتقال العدوى من قِبَل المصابين. ولهذا الغرض، يجب تحديد مضادات الفيروسات الفعالة، التي يجري حاليًّا اختبار العديد منها. وأخيرًا، يتطلب إنتاج لقاح شلل الأطفال المُعَطَّل إعداد سلالة غير نشطة من فيروس شلل الأطفال النشط، وهذه قد تنجح في التسلل خارج المختبر. ومن شأن الانتقال إلى إنتاج لقاح  مُعَطَّل باستخدام السلالات المُوهِنة نفسها، كتلك المستخدَمة في إعداد لقاح شلل الأطفال الفموي أن يحدّ من إمكانية حدوث أمر كهذا.

في كل عام، تساعِد "المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال" في تطعيم 450مليون طفل ضد شلل الأطفال. ووفقًا لما ذكرته منظمة الصحة العالمية، يُقدَّر أن هذه الجهود أنقذت حياة 1,5مليون طفل، ومنعت إصابة 16مليون شخص بالشلل. ويمکن القول إن القضاء على شلل الأطفال هو أکثر الأهداف العالمية طموحًا في مجال الصحة، وهو هدف لا يمکن تحقيقه إلا بعد مواجهة التحديات والعقبات التقنية التي ما زالت تقف في طريق تحقيقه. لقد اقتربنا جدًّا من تحقيق الهدف، وستكون المكاسب المترتبة على تحقيقه هائلة. لذا، لننجز المهمة على نحو حاسم، وإلى الأبد.

References

  1. Habib, M. A. et al. Lancet Glob. Health 5, e593–e603 (2017). | article
  2. Patel, M. & Orenstein, W. N. Engl. J. Med. 374, 501–503 (2016). | article
  3. Sepúlveda, J. et al. Lancet 368, 2017–2027 (2006). | article
  4. Daniel, T. M. & Robbins, F. C. Polio (Univ. Rochester Press, 1997). | article
  5. Hsu, C. H. et al. MMWR Morb. Mortal. Wkly Rep. 65, 1295–1299 (2016). |article
  6. Global Polio Eradication Initiative. Polio Eradication and Endgame Strategic Plan 2013–2018 (World Health Organization, 2013). | article

جَيمي سيبولفيدا يعمل في "مركز العلوم الصحية العالمية"، جامعة كاليفورنيا في سان فرانسسكو، كاليفورنيا 94158، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: jaime.sepulveda@ucsf.edu