كتب وفنون

آل جور وفيلم جديد مزعج

يستعرض مايكل مان الفيلم الثاني لرجل الدولة الأمريكي، الذي يسبر فيه أغوار التغير المناخي.

مايكل مان

  • Published online:
آل جور في لقطة من فيلم "تتمة مزعجة"، وهو يتحدث مع الناجين من أحد أعاصير الفلبين، وهما ديمي رايا، وألفريد روموالديز؛ العمدة السابق لمدينة تاكلوبان.

آل جور في لقطة من فيلم "تتمة مزعجة"، وهو يتحدث مع الناجين من أحد أعاصير الفلبين، وهما ديمي رايا، وألفريد روموالديز؛ العمدة السابق لمدينة تاكلوبان.

Paramount Pictures 2017

لم يسبق لشخصٍ أنْ قُوبل بالتجريح بسبب جهوده الهادفة إلى التعريف بالتهديد المناخي، مثلما قوبل آل جور (ومن منطلق خبرتي في التعامل مع مُنْكِرِي التغير المناخي، أتحدثُ في هذا الأمر بقَدْر من الثقة).

عندما كان جور نائبًا للرئيس بيل كلينتون، تَصَدَّر الحركة المقاوِمة للاحترار العالمي المتسبِّب فيه الإنسان. كما صار جور أيضًا هدفَ الانتقاد واللوم المتكرر المفضل لأولئك الساخرين من التغير المناخي، الباحثين عن كبش فداء، لكنّ جور يتمتع بشخصية بارزة، تبدو منيعة ضد الهجوم في هذا الميدان، حتى إن المنتقدين هاجموه بكل ما في جعبتهم من أسلحة. وكما ذكرتُ أنا وتوم تولز في كتابنا "تأثير مستشفى المجانين" (The Madhouse Effect (Colum­bia Univ. Press, 2016; see D. Reay Nature 538, 34–35; 2016: "لقد انتقدوا وزنه، ومشروعات قوانين الطاقة التي قدمها، وأحداث حياته الشخصية. في الحقيقة، لقد انتقدوا كل ما طالته أيديهم".

ثمة مشكلة واحدة تتعلق بالهجوم على جور، وهي أنه يرد الضربة بمثلها، بل وبأشدّ منها. فعلى أي حال، هو يواجه صناعةً يمكن الزعم بأنها الأقوى والأشد رسوخًا وثراءً على مستوى العالم على الإطلاق، إنها صناعة الوقود الحفري. فلا يزال ذلك المقاتل يخوض الصراع، ويشهد على ذلك فيلمه الأخير "تتمة مزعجة: الحقيقة في مواجهة السلطة" An Inconvenient Sequel: Truth to Power، وهو جزء مُكَمِّل لفيلمه الأول، الذي صدر في عام 2006 بعنوان "حقيقة مزعجة" An Inconvenient Truth.

وليطمئن أولئك الذين يخشون مشاهدة محاضرة وعظية عن علم المناخ، عامرة بشرائح العرض "باور بوينت"؛ فإنّ الفيلم ليس على هذه الشاكلة. إنما يأخذ الفيلم الأدلة العلمية كمُعْطَى مُسَلَّم به، ولا سيما أن جور قدَّم بالفعل فيلمًا كاملًا يغطي هذا الأمر. فهذا الفيلم هو محاولة لإثبات كيف صارت التأثيرات المناخية مفجعة في العقد الذي انقضى منذ صدور الفيلم الأول.

في بداية فيلم "تتمة مزعجة"، وفي مشهد يدور في لوح جرينلاند الجليدي، يشير المتخصصان في الأنهار الجليدية إريك ريجنوت، وكونراد ستفن، إلى الانحسار الشديد للجليد في السنوات الأخيرة. ونشاهد أيضًا أنهارًا من الثلوج الذائبة على سطوح الأنهار، وهي تندفع بعيدًا عن اللوح الجليدي تجاه مياه المحيط الأطلسي الشمالي المفتوحة. وهنا، يطرح جور السؤال التالي: "أين يذهب كل هذا الماء؟" ثم يقدم الجواب؛ إذ يأخذنا الفيلم إلى شاطئ ميامي في فلوريدا، حيث نشاهد فيضان الشوارع، الذي صار ببساطة أمرًا مُرَافِقًا لمواسم المَدّ العالي. فإذا كان ذوبان جليد جرينلاند يبدو أمرًا تجريديًّا غير ملموسًا وبعيدًا عنا، فإن الفيضانات المتواصلة طوال السنة في ميامي وغيرها من المدن الساحلية، والبلدان المنخفضة ذات الكثافة السكانية المرتفعة من بنجلاديش إلى بلجيكا هي أبعد ما تكون عن التجريدية.

يُعَدّ الجفاف الذي ضرب سوريا لأكثر من عقد هو الأبرز والأطول أمدًا على مدار 900 عام على الأقل (وذلك في ضوء ما لدينا من بيانات تاريخية موثوق بها). ولا ريب أن للتغير المناخي دورًا في الأمر. ويبين جور كيف أن تأثير الجفاف على المزارعين الريفيين أدى إلى زيادة حدة الصراع، والحرب الأهلية، والهجرة الجماعية، والصراع العالمي حول مسألة الهجرة، وظهور الجماعة الإرهابية، تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) كنتيجة لذلك. فإذا كان الجفاف في سوريا يبدو بعيدًا، أو حتى أمرًا بسيطًا، فإن تهديد الإرهاب، وانعدام الاستقرار السياسي العالمي فورِيّان وتأثيرهما مباشر. يمتلك جور عبقرية الربط بين الخيوط؛ لرسم الخريطة العالمية للتأثيرات المناخية.

في فيلم "حقيقة مزعجة"، عَرَض جور نسخة من منحنى الانحدار المفاجئ الشهير الشبيه ب"عصا الهوكي"، الذي نشرتُه أنا وزملائي في أواخر تسعينيات القرن الماضي ( M. E. Mann et al. Geophys. Res. Lett. 26, 759–762; 1999)، والذي كشف عن ارتفاع حاد في درجات الحرارة على مدار القرن الماضي. يوجد المنحنى الشبيه ب"عصا هوكي" في الفيلم الجديد، غير أنه يُظْهِر هذه المرة النمو العالمي الملحوظ في الطاقة المتجددة على مدار العقد السابق. إنّ التغير المناخي آخِذ في التسارع، وكذلك قدرتنا على التعامل معه؛ ولذا، فهناك أسباب تدعونا للتفاؤل الحَذِر.

في الوقت ذاته، نقابل آل جور، الذي وصفه أصدقاؤه، لكن لم يره سوى قِلة غيرهم. فآل جور هذا ليس شخصًا متبلدًا، بل رأيناه يذرف الدمع في أعقاب الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس في عام 2015. وهو يصب جام سخطه على أولئك الذين يضللون العامة عمدًا بشأن قضية التغير المناخي. لقد غضب آل جور بالفعل غضبًا شديدًا لهذا الأمر، ونحن نؤيده فيما فعل.

"يصير في حضرته رئيس الوزراء الكندي المحبوب جاستِن ترودو مجرد واحد من معجبيه".

يبدو آل جور أيضًا متصالحًا مع نفسه؛ إذ خطّ الشيب رأسه، وتَقَدَّم به العمر في سلاسة، ليصير أحد رجال الدولة المخضرمين البارزين. فهو دبلوماسي بارع، تمكَّن من إقناع الريادي إيلون ماسك بتزويد الحكومة الهندية بحق الاستخدام المجاني لتكنولوجيا الطاقة الشمسية التي طَوَّرها، وذلك في محاولة منه لحمل هذه الدولة على الانضمام إلى اتفاقية باريس للمناخ. إنه البطل الذي يصير في حضرته رئيس الوزراء الكندي المحبوب جاستِن ترودو مجرد واحد من معجبيه.

سيخيب أمل مَن يتوقعون أن يشن آل جور هجومه على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ إن آل جور - المنصف كعادته دومًا - يبذل قصارى جهده، كي ينخرط في العمل مع ترامب على نحو بنَّاء، غير أن موقفه واضح تمام الوضوح. يعرض جور لقطة لترامب، وهو يقول فيها إنّ علينا أن نقلق من تنظيم داعش، بدلًا من أن نقلق بشأن التغير المناخي. إنّ كل مَن يتبنَّى الرؤية التي يتبناها هذا الفيلم سيعرف بالفعل أن هذه المقاربة مغلوطة.

يُعَدّ هذا الجزء المكمِّل مزعجًا على نحو مُحَبَّب، وذلك لعدة أسباب.. فهو يزعج أصحاب المصالح الشخصية، الذين كانوا يأملون أن يستسلم جور فحسب. كان الهدف من حملة التشويه التي شَنُّوها ضده هو إعاقة جهود التواصل الجارية التي يبذلها، وبث الخوف في قلوب الآخرين الذين قد يفكرون في الانضمام إليه. (أُطلقت على هذه الطريقة اسم "استراتيجية سيرينجيتي" في كتابي "عصا الهوكي، وحروب المناخ" The Hockey Stick and the Climate Wars، مطبعة جامعة كولومبيا، 2013)، لكن كما يبشر العنوان الفرعي للفيلم،لا يزال جوريتحدث بالحقيقة في مواجهة السلطة.

ولهذا السبب، يُعَدّ الفيلم مزعجًا لجور كذلك، فبدلًا من أن يقضي سنوات عمره الباقية في الاحتفاء بثمار تاريخه المهني المميز في الخدمة العامة برفقة عائلته وأصدقائه، ما زال يقاتل قوى الإنكار والتسويف.

وأخيرًا، يسلط الفيلم ضوءًا مزعجًا على البشرية؛ فمِن المذهل أننا لا نزال عالقين في جدل سياسي بشأن ما إذا كان للتغير المناخي وجود من الأساس، أم لا، بينما كل سنة تمر من دون اتخاذ إجراءات كافية تزيد من صعوبة تفادي الكارثة أكثر وأكثر، تمنحنا معرفة أن آل جور لا يزال متفائلًا، بصيص من الأمل ، في وقت يشوبه عدم اليقين.

مايكل إي. مان أستاذ متميز متخصص في علوم الغلاف الجوي في جامعة ولاية بنسلفانيا في يونيفرسيتي بارك، وعضو في قسم العلوم الجيولوجية، ومعهد المنظومات الأرضية والبيئية، ويشغل أيضًا منصب مدير "مركز علوم المنظومة الأرضية" في جامعة بنسلفانيا.

البريد الإلكتروني: mann@psu.edu