أنباء وآراء

علم خواص المادة: الكيمياء والفيزياء تلتقيان في نظرية مشتركة

هناك تقدُّم كبير في نظرية الكَمّ فيما يخص المواد الصلبة، يسمح بالتعرف على المواد التي تكون لحالاتها الإلكترونية طوبولوجيا معقدة. وقد يكون لتلك المواد الكثير من التطبيقات الحاسوبية والإلكترونية.

جريجوري إيه. فيت
  • Published online:

يتطلب الكثير من تقنيات الحوسبة، والاتصال، والاستشعار الإلمام بكيفية تحرُّك الشحنة الكهربائية خلال مادة ما. وتعتمد جميع مجالات العلوم، وقطاعات عريضة من الاقتصاد، ووظائف حكومية مهمة اعتمادًا كبيرًا على هذه التقنيات في عملها اليومي. ومع ذلك، رغم إجراء البحوث على نظرية الكَمّ للحركة الإلكترونية في المواد الصلبة على مدار أكثر من 80 عامًا، والإمكانيات المذهلة التي تتمتع بها أجهزة، مثل الهواتف الذكية الحديثة، ما زالت هناك ثغرات فيما لدينا من معرفة. وفي قفزة هائلة في عالم النظريات، قدم برادلين وزملاؤه1 - في بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature - نظرية تَجْمَع بين جوانب من الكيمياء، والفيزياء معًا. تقدم لنا هذه النظرية صورة أفضل عن المواد المعروفة، ويمكن استخدامها للبحث عن المواد التي لها خصائص إلكترونية لم تُكتشَف من قبل.

عند وضع نظرية تتعلق بأي ظاهرة، يعتمد الفيزيائيون على قوانين الحفظ، باعتبارها قيودًا قوية للهيكل الرياضي للنظرية. ومن أشهر هذه القوانين "قانون حفظ الطاقة"، و"قانون حفظ العزم"، بينما يحظى أصل قوانين الحفظ بتقدير ضيق النطاق، ألا وهو التناظر. فعلى سبيل المثال، يُعَدّ قانون حفظ العزم نتيجة مباشرة لوجود نظام يحتفظ بشكله عند تحركه على طول خط - وهي خاصية تُسمى "التناظر الانتقالي".

في بلورةٍ تحتوي على ترتيب دوريّ منتظم من الذرات على شبيكة، لا تظهر البيئة بالشكل نفسه، إلا إذا تم تحريك البلورة بمقدار يساوي عددًا صحيحًا من التضاعف للفراغات في الشبيكة. ونتيجة لهذا التناظر الانتقالي "الناقص"، يظهر مستوى ناقص من حفظ العزم. يُطلق على المكوِّن المحفوظ شبه عزم، وهو الكمية الطبيعية لوصف الحالة الكَمّية لإلكترون.

تُعرَف العلاقة بين طاقة إلكترون وشبه العزم الخاص به ببنية النطاق الإلكتروني (الشكل 1-أ). ومنذ أربعينيات القرن العشرين، تم ابتكار العديد من الأدوات النظرية القوية؛ لحساب بِنية النطاق في المواد. ويمكن استخدام هذه المعلومات؛ لتحديد ما إذا كانت مادة معينة فلزًّا، أم مادة عازلة، وكيف يمكن أن تعمل في ترانزستور (وهي المفاتيح الكهربائية النانوية التي دائمًا ما تُوجَد في الإلكترونيات الحديثة)، وكيف تستجيب للضوء؛ وهو أمر مهم للغاية في التطبيقات الضوئية، مثل الخلايا الشمسية.

الشكل 1 | وصفان للإلكترونات في بلّورة. يقدم برادلين وزملاؤه1 نظريةً توفِّق بين منظورين للمواد، يختلفان بشكل جوهري، وتحظى بتأييد كل من الفيزيائيين والكيميائيين. يَظهَر هنا مثال على هذين المنظورين لمادة الجرافين، وهي مادة بلورية تتألف من شبيكة سداسية ثنائية الأبعاد من ذرات الكربون. أ. يصف الفيزيائيون المواد عن طريق حركة الإلكترونات، وتحديدًا بنية النطاق الإلكتروني؛ وهي العلاقة بين طاقة الإلكترون، وشبه العزم الخاص به. ويشار إلى مكونات شبه العزم في الاتجاهين x، وy بـpx، وpy على التوالي. وتطابق السطوح العليا والسفلى الإلكترونات في نطاقين مختلفين (هما نطاقا التوصيل والتكافؤ، على التوالي). ب. أما الكيميائيون، على النقيض، فيصفون المواد عن طريق موضع الإلكترونات حول الذرات. ويُعرف الحيز المادي من الفراغ الذي يمكن أن يشغله إلكترون باسم "المدار الذري".

الشكل 1 | وصفان للإلكترونات في بلّورة. يقدم برادلين وزملاؤه1 نظريةً توفِّق بين منظورين للمواد، يختلفان بشكل جوهري، وتحظى بتأييد كل من الفيزيائيين والكيميائيين. يَظهَر هنا مثال على هذين المنظورين لمادة الجرافين، وهي مادة بلورية تتألف من شبيكة سداسية ثنائية الأبعاد من ذرات الكربون. أ. يصف الفيزيائيون المواد عن طريق حركة الإلكترونات، وتحديدًا بنية النطاق الإلكتروني؛ وهي العلاقة بين طاقة الإلكترون، وشبه العزم الخاص به. ويشار إلى مكونات شبه العزم في الاتجاهين x، وy بـpx، وpy على التوالي. وتطابق السطوح العليا والسفلى الإلكترونات في نطاقين مختلفين (هما نطاقا التوصيل والتكافؤ، على التوالي). ب. أما الكيميائيون، على النقيض، فيصفون المواد عن طريق موضع الإلكترونات حول الذرات. ويُعرف الحيز المادي من الفراغ الذي يمكن أن يشغله إلكترون باسم "المدار الذري".

كبر الصورة

وقد ظل مفهوم بِنْية النطاق الإلكتروني سائدًا على مدى عدة عقود، لكن في منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، تم اكتشاف2-4 أن أي مادتين عازلتين تمتلكان بِنَى نطاق متشابهة جدًّا قد تختلفان اختلافًا جذريًّا من ناحية الدالات الموجية الكمية، التي تصف التوزيع المكاني للإلكترونات. وقد تكون لهذه الاختلافات تبعات هائلة على سطوح المواد العازلة، وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالخصائص الطوبولوجية للحالات الإلكترونية في كتلة المواد، بل وتتحدد من خلالها. ومن ثم، وُلد مجال العوازل الطوبولوجية5-8. و قد حصل العمل الرائد الذي تم في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وأدى إلى النمو الهائل الحالي في فَهْمنا للمواد الطوبولوجية (تلك التي تمتلك طوبولوجيا معقدة)، على جائزة "نوبل" في الفيزياء لعام 2016.

تتميز المواد الطوبولوجية الأكثر شهرة بسطوح تُظْهِر درجة عالية من الحصانة ضد العيوب والنقائص. وإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام مجال كهربائي للتحكم في تدفق الخاصية المغناطيسية للإلكترونات، ويُطلق عليها الغزل، خلال هذه المواد. وقد كان مزج هذه الخصائص مصدر إلهام للعديد من المقترحات المطروحة للتطبيقات. وهكذا، فإن إيجاد مواد طوبولوجية يُعَدّ أمرًا مهمًّا جدًّا بالنسبة إلى المجتمع العلمي. ويتضمن الإجراء البحثي المعتاد حساب بِنْية النطاق لمادة معينة، وإيجاد الحالات الإلكترونية، وإدخال هذه المعلومات في معادلة من شأنها أن تَكشِف ما إذا كانت المادة طوبولوجية، أم لا.

وبينما يركِّز الفيزيائيون على حركة الإلكترونات، يفكر الكيميائيون عادةً في المدارات الذرية التي تصف موضع الإلكترونات حول نواة معينة (الشكل 1-ب). يرجع ذلك إلى أن الكيميائيين يتعاملون عادة مع نظم ذات عدد أقل من الذرات، وتناظُر أقل، مقارنةً بتلك التي يدرسها الفيزيائيون. وإضافة إلى ذلك، يُوصف الارتباط الكيميائي - بطبيعة الحال - بلغة المدارات.

وتنصّ إحدى الأفكار الشهيرة في ميكانيكا الكَمّ - وهي "مبدأ عدم التيقن"، الذي صاغه العالِم هايزنبرج - على أنه كلما زادت معرفة المرء بموضع جسم ما؛ قلت معرفته بحركته، والعكس بالعكس. ولذلك، فإن صياغة نظرية تعتمد على وجهة نظر الكيميائيين للموضع الإلكتروني، ومنظور الفيزيائيين للحركة الإلكترونية، تتطلب قدرًا معينًا من التمارين الذهنية والرياضية، ولكن هذا هو ما أنجزه برادلين وزملاؤه.

توفِّر النظرية التي طرحها الباحثون وسيلة للتنبؤ بالمواد الطوبولوجية، واكتشافها بشكل تجريبي. ويستفيد عملهم من قواعد البيانات الحالية للمواد، ويتيح إجراء عمليات بحث آلية واسعة النطاق، كشفت بالفعل عن مئات المواد الطوبولوجية المُحتملة، التي لم يكن بالإمكان توقُّعها بسهولة من خلال نظريات أخرى. فعلى سبيل المثال، يُظهِر الباحثون أن تحت أكسيد الرصاص (Pb2O)، الذي لم تُكتشف خصائصه الطوبولوجية من قبل، يصبح عازلًا طوبولوجيًا عند تَعَرُّضه للضغط. كما يتمكن الباحثون من التنبؤ بأشباه الفلزات، وهي المواد التي تكون خصائصها وسطية بين خصائص الفلزات، واللافلزات.

وبالإضافة إلى قدرتها التنبؤية، تقدِّم نظرية برادلين وزملائه كذلك منظورًا جديدًا للحالات الطوبولوجية، التي تكمل النظريات السابقة وتضيف إليها. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه النجاحات، لا يمكن للنظرية الخاصة بالباحثين معالجة تعقيدات الارتباطات الإلكترونية القوية في الحالات الطوبولوجية، التي تتجاوز - في كثير من الأحيان - صورة بِنْية النطاق ومدارات الجسيم المفرد التي تشكِّل أساس النظرية. وتُعَدّ النظم المرتبطة ارتباطًا قويًّا ذات أهمية كبيرة، إذ يمكن أن تُظْهِر إثارات "ناشئة" مفيدة للحوسبة الكَمِّية، وقد تؤدي إلى ظهور العديد من الأشكال الغريبة من المغناطيسية والموصلية الفائقة.

وبسبب قيود الأدوات النظرية والحاسوبية المتاحة حاليًّا للفيزيائيين النظريين، ستظل الارتباطات الإلكترونية تشكِّل تحديًا في المستقبل المنظور9،10 . تقع الارتباطات القوية في النظم الكَمّية في صميم أفضل ما توصلت إليه البحوث الحديثة في الفيزياء - بغض النظر عن مسألة ما إذا كانت الطوبولوجيا مهمة، أم لا - وتتطرق إلى موضوعات تتجاوز علم خواص المادة، بما فيها الفيزياء النووية، والنجوم النيوترونية. ومن ثم، فإن حدوث قفزة في مدى فَهْمنا لهذه النظم المترابطة يمكن أن يؤدي إلى الكشف عن تفاصيل جديدة عن الكون نفسه.

References

  1. Bradlyn, B. et al. Nature 547, 298–305 (2017). | article
  2. Kane, C. L. & Mele, E. J. Phys. Rev. Lett. 95, 146802 (2005). | article
  3. Bernevig, B. A., Hughes, T. L. & Zhang, S.-C. Science 314, 1757–1761 (2006). | article
  4. Fu, L., Kane, C. L. & Mele, E. J. Phys. Rev. Lett. 98, 106803 (2007). | article
  5. Moore, J. E. Nature 464, 194–198 (2010). | article
  6. Hasan, M. Z. & Kane, C. L. Rev. Mod. Phys. 82, 3045–3067 (2010). | article
  7. Qi, X.-L. & Zhang S.-C. Rev. Mod. Phys. 83, 1057–1110 (2011). | article
  8. Bansil, A., Lin, H. & Das, T. Rev. Mod. Phys. 88, 021004 (2016). | article
  9. Maciejko, J. & Fiete, G. A. Nature Phys. 11, 385–388 (2015). | article
  10. Stern, A. Annu. Rev. Condens. Matter Phys. 7, 349–368 (2016). | article

جريجوري إيه. فيتو يعمل في قسم الفيزياء، جامعة تكساس في أوستن، أوستن، تكساس 78712، الولايات المتحدة الامريكية.

البريد الإلكتروني: fiete@physics.utexas.edu