أنباء وآراء

الاختلافات يمكنها الحفاظ على وحدة مجموعات النوع

يحابي التطور الأشكال الجسدية المتكيفة على النحو الأمثل مع البيئة المحيطة، لكنه يمكن أن يحابي أيضًا الأشكال النادرة. وتكشف التجارب التي أُجريت على سمك أبو شوكة عن الكيفية التي تتفاعل بها قوَّتا الانتخاب الطبيعي هاتان، وعن الكيفية التي يمكن بها لهذا التفاعل أن يحدّ من تشعُّب الأنواع. 

ديفيد إن. ريزنيك وجوزيف ترافيس
  • Published online:

يتسبب التطور التكيفي في جعل مجموعات النوع تتطور تجاه شكل جسدي يتوافق - على النحو الأمثل - مع البيئة المحيطة، فعلى سبيل المثال.. مجموعات حلزون الأيكة (المعروف باسم Cepaea nemoralis) التي تسكن الغابات لها أصداف يهيمن عليها اللون البني، أو الوردي، بينما المجموعات التي تعيش في المراعي تكون أصدافها صفراء في المعتاد. وأكثر ألوان الأصداف شيوعًا هو أكثرها اتفاقًا مع البيئة التي يعيش فيها الحلزون، ومن ثم فهو يوفر الحماية من المفترِسين، عن طريق التمويه. ومع ذلك.. فإن الحلزونات التي لا تتفق ألوان أصدافها مع البيئة المحيطة من الممكن أن تظل باقية هي الأخرى ضمن هذه المجموعات، لأن المفترِسين يميلون إلى تركيز بحثهم على ألوان الأصداف الأكثر شيوعًا1. ويُطلَق على هذا النوع من الانتخاب الذي يحابي الأنواع النادرة اسم الانتخاب المعتمِد على التكرار. وفي بحث نشر في دورية Nature- يستقصي بولْنِك وشتوتز2 التفاعل بين الانتخاب الذي يحابي الأمثل، والانتخاب الذي يحابي النادر، وذلك حين يؤثر نوعا الانتخاب كلاهما في الوقت ذاته.

يُعرَف الانتخاب المعتمِد على التكرار في الأساس لدوره في الحفاظ على التنوع الوراثي داخل النوع. ففي مجموعات أسماك الزينة المعروفة باسم جوبي3، ومجموعات متماثلات الأرجل4، ومجموعات السحالي5، يمكن للانتخاب المعتمِد على التكرار المساعدة في الحفاظ على وجود الذكور النادرة ذات المظهر المختلف، واستراتيجيات التزاوج المختلفة، مقارنة بذكور الأغلبية. يُعَدّ الانتخاب المعتمِد على التكرار أيضًا السبب وراء سباق التسلح التطوري المتواصل بين العوائل والعوامل المُمْرِضة.

وكثيرًا ما توفِّر الآليات الدفاعية لدى العوائل تنوعًا وراثيًّا عاليًا للغاية. ومن الأمثلة الكلاسيكية لذلك، المستويات المرتفعة من تنوع التسلسلات في جينات مركّب التوافق النسيجي الكبير6، التي تشفِّر البروتينات التي تُجَمِّع شذرات الببتيدات، وتقدِّمها إلى خلايا الجهاز المناعي. تتطور العوامل المُمْرِضة، بحيث تتحاشى الرصد من جانب غالبية بروتينات مركّب التوافق النسيجي الكبير الشائعة لدى العوائل، وتتمثل النتيجة في ازدهار الأفراد ذوي النُّسَخ الأقل شيوعًا من جينات مركّب التوافق النسيجي الكبير7، إلا أن هذه المزية تؤدي إلى أن يصير الأفراد ذوو جينات مركّب التوافق النسيجي الكبير النادرة هم الأكثر شيوعًا مع مرور الوقت، وأن يجذب هؤلاء الأفراد - في نهاية المطاف - الانتباه غير المرغوب فيه للعوامل المُمْرِضة. وقد تكون نتيجة ذلك دائرة مفرغة من التكيف، والتكيف المضاد بين العوائل والعوامل المُمْرِضة8.

استقصى بولْنِك وشتوتز دور الانتخاب المعتمِد على التكرار في عملية التشكُّل التطوري للأنواع، وذلك عن طريق دراسة سمك أبو شوكة ثلاثي الشوكات Gasterosteus aculeatus. لقد تكيفت الأسلاف البحرية المهاجرة لهذا النوع من الأسماك، بحيث صارت مقِيمة على نحو دائم في بيئات مياه عذبة متنوعة، وبهذافهي تُعَدّ مثالًا جيد التوصيف للتشكل التطوري الإيكولوجي للأنواع؛ ونعني بهذا تطور النوع الواحد إلى أنواع منفصلة، وهو الأمر الذي يمكن أن يحدث كنتيجة ثانوية لعملية التكيف مع البيئات المختلفة.

إن أسماك أبو شوكة التي تقطن البحيرات تختلف في الحجم، والشكل، والنظام الغذائي عن تلك الموجودة في الجداول التي تنبع من هذه البحيرات، وتصب فيها. وهذه الاختلافات (الشكل رقم 1) تتضح في كثيرٍ من أحواض البحيرات-الجداول10،9. وتشير مثل هذه الأمثلة الخاصة بالتطور المتوازي إلى أن الاختلافات تمثِّل عمليات تكيُّف ناتجة عن العيش، إمّا في البحيرات، أو الجداول11. ومن ثمَّ، قد يتوقع المرء أن الأسماك المهاجرة من الجداول إلى البحيرات، أو العكس، ستتفوق عليها في المنافسة الأنواعُ ذات التكيف الأفضل، المتوطنة في المكان الذي هاجرت إليه. وإضافة إلى ذلك.. لُوحِظ12 أن النسل الهجين الناتج عن تزاوج أبوين من أسماك "أبو شوكة" ثلاثية الشوكات آتِيَين من بيئتين مختلفتين يتسم بصلاحية أقل، مقارنة بالأفراد المتوطنين في أي من البيئتين الأبويتين. وهذه النتيجة قد تعني ضمنًا أن تبادل الجينات بين المجموعات التي تعيش في بيئات مختلفة سيكون ضئيلًا، وبهذا.. يدفع المجموعات المتوطنة نحو تشكيل أنواع جديدة.

الشكل 1: شكلان مختلفان لأسماك "أبو شوكة"، التي تقطن البحيرات والجداول.ذكور أسماك "أبو شوكة" ثلاثية الشوكات المعروف باسم Gasterosteus aculeatus في جزيرة فانكوفر، وتقطن الجداول، وهي ذات أجسام ضخمة (بالأعلى)، بينما تلك التي تقطن البحيرات لها أجسام أنحف (بالأسفل). أجرى بولْنِك وشتوتز2 تجارب زَرْع متبادَل، نَقَلا فيها أسماكًا من البحيرة إلى الجدول، والعكس؛ بغية استقصاء العوامل التي قد تقود إلى هذا النوع من التغير التطوري. مقياس الرسم: 1 سم.

الشكل 1: شكلان مختلفان لأسماك "أبو شوكة"، التي تقطن البحيرات والجداول.ذكور أسماك "أبو شوكة" ثلاثية الشوكات المعروف باسم Gasterosteus aculeatus في جزيرة فانكوفر، وتقطن الجداول، وهي ذات أجسام ضخمة (بالأعلى)، بينما تلك التي تقطن البحيرات لها أجسام أنحف (بالأسفل). أجرى بولْنِك وشتوتز2 تجارب زَرْع متبادَل، نَقَلا فيها أسماكًا من البحيرة إلى الجدول، والعكس؛ بغية استقصاء العوامل التي قد تقود إلى هذا النوع من التغير التطوري. مقياس الرسم: 1 سم.

كبر الصورة

(Daniel Berner (adapted

تقدِّم الأبحاث التي أجراها بولْنِك وشتوتز منظورًا مختلفًا للتشكل التطوري الإيكولوجي للأنواع، وذلك عن طريق التساؤل عما إذا كان من شأن التكيف مع البيئات المختلفة أن يخلق صراعًا بين عملية التكيف مع المَواطن البيئية المختلفة — التي تدفع مجموعات النوع إلى التشعب — والانتخاب المعتمِد على التكرار، الذي يعمل على إبقائها متحدة. وقد فعل الباحثان هذا عن طريق دراسة مصير أسماك "أبو شوكة" ثلاثية الشوكات، التي تهاجر من مواطنها الأصلية. تواجه الأسماك المهاجِرة عائقًا يتمثل في كونها أقل تكيفًا مع البيئة التي تهاجر إليها، إلا أنها قد تجني بعض الفائدة، نتيجة كونها شكلًا نادرًا يحابيه الانتخاب المعتمِد على التكرار. وقد وضع الباحثان أقفاصًا شبكية في البحيرات والجداول، ثم وضعا أسماك "أبو شوكة" ثلاثية الشوكات من النوع الذي يعيش في البحيرات مع أخرى من النوع الذي يعيش في الجداول داخل القفص نفسه، وهو نوع من التجارب يُعرف باسم "تجارب الزرع المتبادَل". احتوى كل قفص على ثلاث سمكات، وفي كل مرة كان الباحثان يجعلان الأسماك المتوطنة تمثل الأقلية (سمكة واحدة)، ثم الأغلبية (سمكتين)، وكذلك الحال بالنسبة إلى الأسماك المهاجرة.

كانت الأسماك التي تنتمي إلى الأقلية ذات احتمال بقاء أعلى بنسبة 25% من الأسماك التي تنتمي إلى الأغلبية في كلا الموطنَين (البحيرة، والجدول)، وذلك بصرف النظر عن الموطن الذي جاءت منه الأسماك. وقد رأى بولْنِك وشتوتز أن هذه المزية يعززها التنافس على الموارد؛ إذ إن الأسماك التي تستوطن البحيرات تختلف عن تلك التي تستوطن الجداول في نظامها الغذائي10، وبالتالي فإن السمكة المنفردة ربما يتاح لها من الطعام أكثر مما كان سيُتاح لها لو كانت برفقة سمكة أخرى من المجموعة نفسها. تقدِّم النتائج التي توصل إليها الباحثان أيضًا إشارة إلى تأثير الانتخاب المعتمِد على التكرار على مقاومة الطفيليات. فقد حلل الباحثان تسلسلات مركّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة IIb، التي تعزز مقاوَمة الطفيليات، لدى جميع الأسماك، كما قاسا أعداد الطفيليات التي تصاب بها الأسماك. وقد وجدا أن الأسماك ذات تسلسلات مركّب التوافق النسيجي الكبير النادرة في الموطن محل الدراسة كانت تعاني من أعداد طفيليات أقل، مقارنة بالأسماك ذات الأنماط الظاهرية الشائعة من مركّب التوافق النسيجي الكبير.

ومن الجوانب الغريبة للنتائج التي توصل إليها الباحثان أن أسماك "أبو شوكة" التي تقطن الجداول كانت لها معدلات بقاء أعلى من تلك التي تقطن البحيرات في كلا الموطنين. وهذا يعني – ببساطة - أن الأسماك التي تقطن الجداول أعلى تطورًا، وأن الشكل الذي يقطن البحيرات ما كان يُفتَرَض أن يتطور من الأساس، ومع ذلك.. فقد تَطَوَّر النوع الذي يقطن البحيرات على نحو متكرر. ليس بولْنِك وشتوتز وحدهما اللذان يواجهان هذا اللغز المحير؛ إذ كشف تحليل13 لتجارب الزرع المتبادَل المنشورة أن الكائنات الآتية من إحدى البيئتين كانت لها معدلات بقاء أفضل في كلتا البيئتين في 43% من الدراسات، لكن كاتب هذا التحليل يرى أن هذه النتائج نابعة من عدم تقديم الدراسات تقييمًا كاملًا لصلاحية الشكلين في كلتا البيئتين.

في دراسة بولْنِك وشتوتز، لو كانت الأسماك التي تقطن البحيرات متكيفة بالفعل على نحوٍ أفضل مع البحيرات، فمِن المؤكد إذن أنه توجد جوانب يمكنها فيها التفوق في الأداء على أسماك الجداول الموجودة معها في البحيرات. وقد أماط الباحثان اللثام عن آلية، بمقدورها أن ترجِّح كفة الأسماك التي تقطن البحيرات، وذلك عن طريق تحليل أعداد الطفيليات. فبالنسبة إلى الأسماك التي كانت تمتلك النسخة عينها من جين مركّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة IIb، كانت الأسماك المهاجرة مصابة بقدر أكبر بكثير من الطفيليات، مقارنة بالأسماك المحلية، وهو ما يشير إلى وجود اختلافات أخرى في الآليات الدفاعية تساعد الأسماك المحلية.

وقد قدمت دراسات عديدة أمثلةً على تكيُّف مجموعات داخل أحد الأنواع مع بيئات مختلفة، وعلى اختلاف المجموعات بعضها عن بعض، عن طريق عملية الانتخاب التشعُّبي، لكنْ ما الذي يحدد ما إذا كان الانتخاب التشعبي سيؤدي في النهاية إلى التشكل التطوري الإيكولوجي للأنواع؟ قبل هذا التقرير، ربما كان المرء ليقترح وجود توازن بين قوة الانتخاب التشعبي - الذي يسبِّب تباعد المجموعات - وتبادل الجينات بين المجموعات، الذي يسبب تماسكها معًا، لكنْ ظهر مؤخرًا الانتخاب المعتمِد على التكرار - المعروف سابقًا، لدوره في الحفاظ على التنوع داخل المجموعات - بوصفه آلية يمكنها الإبقاء على وحدة المجموعات، وربما يعمل عمل "الغِراء" الذي يقيِّد المدى الذي يمكن أن تتشعب فيه المجموعات المختلفة. وتكشف هذه الرؤية الثاقبة التي توصل إليها بولْنِك وشتوتز عن وجود عامل إضافي، ينبغي وضعه في الاعتبار عند مواجهة مسألة ما، إذا كان الانتخاب التشعبي سيؤدي إلى التشكل التطوري الإيكولوجي للأنواع، أم لا.

References

  1. Clarke, B. Heredity 17, 319–345 (1962). | article
  2. Bolnick, D. I. & Stutz, W. E. Nature 546, 285–288 (2017). | article
  3. Hughes, K. A., Houde, A. E., Price, A. C. & Rodd, F. H. Nature 503, 108–110 (2013). | article
  4. Shuster, S. M. & Wade, M. J. Nature 350, 608–610 (1991). | article
  5. Sinervo, B. & Lively, C. M. Nature 380, 240–243 (1996). | article
  6. Kubinak, J. L. et al. Genes Immun. 14, 365–372 (2013). | article
  7. Dybdahl, M. F. & Lively, C. M. Evolution 52, 1057–1066 (1998). | article
  8. Apanius, V., Penn, D., Slev, P. R., Ruff, L. R. & Potts, W. K. Crit. Rev. Immunol. 17, 179–224 (1997). | article
  9. Berner, D., Adams, D. C., Grandchamp, A. C. & Hendry, A. P. J. Evol. Biol. 21, 1653–1665(2008). | article
  10. Ravinet, M., Prodöhl, P. A. & Harrod, C. J. Evol. Biol. 26, 186–204 (2013). | article
  11. Reznick, D. N. & Travis, J. in Adaptation (eds Rose, M. R. & Lauder, G. V.) 243–290(Academic, 1996). | article
  12. Schluter, D. Science 266, 798–801 (1994). | article
  13. Hereford, J. Am. Nat. 173, 579–588 (2009). | article

ديفيد إن. ريزْنِك يعمل في قسم التطور، وعلوم البيئة، وبيولوجيا الكائنات بجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، كاليفورنيا 92521، الولايات المتحدة.

جوزيف ترافيس يعمل في قسم العلوم البيولوجية بجامعة ولاية فلوريدا ، تالاهاسي، فلوريدا 32306، الولايات المتحدة.

عنوانا البريد الإلكتروني:  gupy@ucr.edu،  travis@bio.fsu.edu