أنباء وآراء

فيزياء الكم: التفاعلات تستحثّ رقصة مغناطيسية

مزيج من التقنيات الحديثة المتطورة يُمَكِّن من رصد حركة مغناطيسية مستحثة بالتفاعلات لأزواج من ذرات فائقة البرودة — ما يعد قفزة علمية هائلة فى مجال تطوير نماذج السلوك الكَمِّي المعقد.

ليندسي جيه. ليبلانك
  • Published online:

لتفاعلات الجسيمات دورًا حاسمًا في تحديد العديد من خواص المواد، ولكن غالبًا ما يكون من الصعب دمجها في إطار نظري. فعلى الرغم من أن النظريات التي تُغْفِل هذه التفاعلات يمكن أن تصف بعض السلوكيات، فإن تحقيق فَهْم كامل للمادة لا يمكن أن يتأتى إلا من خلال إحاطة تامة بالنظام، بما في ذلك تفاعلاته. إنّ الظواهر المبنية علي التفاعلات - مثل المغناطيسية - غير مفهومة بشكل جيد على المستوى المجهري، وعليه، فإن إمكانية دراستها باستخدام المقاربات التصاعدية، التي توفِّرها تجارب الغاز الكَمِّي فائق البرودة تحمل أملًا كبيرًا. ففي عدد 22 يونيو من الطبعة الدولية لدورية Nature، يشير تاي وآخرون1إلى تجربة من هذا النوع، تُظْهِر فيها أزواج الذرّات حركة عديمة التناظر - وهي حركة لها "اتجاه لف" معين - كنتيجة لتفاعلات النظام. ويمثل هذا العمل خطوة مبكرة نحو محاكاة النظم الكَمِّية المعقدة متعددة الأجسام، وهو الأمر الذي سيُتيح دراسة الظواهر الغريبة للمواد المكثفة.

جَمَع تاي وزملاؤه - لأول مرة - بين اثنتين من أكثر الأدوات فعالية في دراسة الغازات الكَمِّية فائقة البرودة. الأولى هي مجهر الغازات الكَمِّية، الذي يمكن استخدامه لتصوير المواقع الفردية لشبكة بصرية (وهي نسق من أشعة الليزر المتداخلة، التي تُستخدم لحَبْس غاز كَمِّي). والثانية هي مجال مغناطيسي اصطناعي (فعال)، يجعل الذرات المتعادلة في مثل هذه التجارب تتصرف وكأنها جسيمات مشحونة فى مجال مغناطيسي حقيقي.

ابتُكِرَ2 أول مجهر غازات كَمِّية قادر على دراسة فيزياء الأجسام المتعدد في مختبر المؤلفين في عام 2009. وبالنسبة إلى النظم الكَمِّية متعددة الأجسام في الحالة الصلبة، يَعتمِد العلماء التجريبيون إمّا على قياسات إجمالية لمجموعات من جسيمات عديدة، أو على تقنيات التصوير ذات النطاق الذري، مثل المسح النفقي المجهري، أو مجهر القوة الذرية، وهما مقتصران على دراسة الأسطح، ولكنْ في النظم الغازية الكَمِّية تعمل الشبكة البصرية على إبقاء الذرات على مسافة بضع مئات من النانومترات من بعضها البعض (وهو الحدّ الأقصى للدقة فى الأنظمة البصرية)، مما يشير إلى أن الفحص المباشر للجسيمات المكوِّنة لشبكة متعددة الأجسام ممكن باستخدام طرق بصرية. وعن طريق الدمج بعناية بين بصريات عالية الجودة، وأجهزة مصمَّمة خصيصًا، يُمكن للعلماء التجريبين رصد الكيفية التي تتحرك بها الذرات في مثل هذا النظام عندما تتفاعل مع بعضها البعض، ومع المجالات التطبيقية، في مجموعة محددة من الظروف الخاضعة لتَحَكُّم جيد.

في الدراسة الحالية، يقوم تاي وزملاؤه بتصميم مجال مغناطيسي فعال، بناءً على نموذج هاربر هوفستادر4،3، وهو وصف ميكانيكي كَمِّي لحركة الجسيمات في مجال مغناطيسي، عندما تكون محتجَزة داخل شبكة. انبثق النموذج المشار إليه عن فرضية رائدة5 للفيزيائي رودولف بيرلز، الذي أشار في عام 1933 إلى أن المجال المغناطيسي يُحْدِث تغييرًا في حالة الجسيم أثناء حركته عبر الشبكة، وهي خاصية لا يمكن اكتشافها في النظم الكَمِّية، إلا بشكل غير مباشر.

كان قد جرى استكشاف بعض جوانب الدراسة الحالية في تجارب سابقة، بما في ذلك عمليات المحاكاة الأولى للغاز الذري في نموذج هاربر هوفستادر7،6، إضافة إلى ملاحظات الحركة عديمة التناظر للجسيمات في المجالات المغناطيسية الفعالة باستخدام أبعاد اصطناعية8-11. ولكن دراسة تاي وزملائه تعمِّق فَهْمنا للعلاقة بين آثار التفاعل والمجالات المغناطيسية الفعالة. وتَكْمُن طريقة رصد تلك التأثيرات في الحركة الدائرية عديمة التناظر التي تنتج عن المجال. تُظْهِر الجسيمات حركة عديمة التناظر أثناء قفزها في أرجاء الشبكة مماثلة لحركة الجسيمات المشحونة الواقعة تحت تأثير مجال مغناطيسي.

يتحقق الباحثون أولًا من إنشاء المجال المغناطيسى الفعال لهاربر هوفستادر عن طريق رصد الحركة عديمة التناظر لذرات منفردة من الروبيديوم تتحرك داخل نظام شبكى. يوسع الباحثون عملهم بعد ذلك، ليشمل نظامًا ثنائي الجسيمات، تتفاعل فيه ذرتان تفاعلًا تنافريًّا طبيعيًّا (الشكل 1). يتنبأ تفسير مبدئي لنموذج هاربر هوفستادر المدمج في النظام بأنّ الحركة عديمة التناظر لإحدى الذرتين ستلغي الحركة عديمة التناظر للذرة الأخرى، بحيث لا يمكن رصد حركة عديمة التناظر للنظام ككل.

الشكل 1: رصد آثار التفاعلات بين جسيمين في مجال مغناطيسي فعّال. يشير تاي وآخرون1 إلى تجربة، يَجري فيها تقييد زوج من ذَرّات الروبيديوم في منطقة تشبه السلم، ضمن شبكة بصرية ثنائية الأبعاد، بحيث يكون الجسيمان قادرَين على القفز من موقع إلى آخر فى الشبكة. وجرى تصميم النظام ليحتوي على مجال مغناطيسي فعّال (B)، وهو ما يجعل ذرات الغاز المتعادلة تتصرف وكأنها جسيمات مشحونة في مجال مغناطيسي حقيقي. (أ) عندما تقع الذَّرَّتان على جانبين متقابلين من درجة السلم، ويكون النظام مُعَدًّا بحيث لا تتفاعل إحداهما مع الأخرى، تتحرك الذرتان متباعدتَين، بتفضيل متساوٍ لكلتا ساقَي السلم. (ب) عندما تتفاعل الذَّرَّتان بتنافر؛ تتحركان حركة عديمة التناظر؛ فترتبط الحركة نحو اليمين بتحيز إلى الساق السفلى للسلم، في حين تنحاز الحركة نحو اليسار إلى الساق العليا. ويُعَدّ رصد الحركة عديمة التناظر الناتجة عن التفاعلات بين الذرتين علامة فارقة في دراسة النظم الكَمِّية المعقدة متعددة الأجسام.

الشكل 1: رصد آثار التفاعلات بين جسيمين في مجال مغناطيسي فعّال. يشير تاي وآخرون1 إلى تجربة، يَجري فيها تقييد زوج من ذَرّات الروبيديوم في منطقة تشبه السلم، ضمن شبكة بصرية ثنائية الأبعاد، بحيث يكون الجسيمان قادرَين على القفز من موقع إلى آخر فى الشبكة. وجرى تصميم النظام ليحتوي على مجال مغناطيسي فعّال (B)، وهو ما يجعل ذرات الغاز المتعادلة تتصرف وكأنها جسيمات مشحونة في مجال مغناطيسي حقيقي. (أ) عندما تقع الذَّرَّتان على جانبين متقابلين من درجة السلم، ويكون النظام مُعَدًّا بحيث لا تتفاعل إحداهما مع الأخرى، تتحرك الذرتان متباعدتَين، بتفضيل متساوٍ لكلتا ساقَي السلم. (ب) عندما تتفاعل الذَّرَّتان بتنافر؛ تتحركان حركة عديمة التناظر؛ فترتبط الحركة نحو اليمين بتحيز إلى الساق السفلى للسلم، في حين تنحاز الحركة نحو اليسار إلى الساق العليا. ويُعَدّ رصد الحركة عديمة التناظر الناتجة عن التفاعلات بين الذرتين علامة فارقة في دراسة النظم الكَمِّية المعقدة متعددة الأجسام.

كبر الصورة

بيد أنه في حالة الذرات التي تقع في مواضع متجاورة، يحدث نقص طفيف في طاقة النظام، نتيجة لتفاعل تبادلي؛ وهي عملية افتراضية تقفز خلالها الذَّرَّة لموضع مجاور يحتوي بالفعل على ذَرَّة أخرى، ثم تعود إلى موضعها الأول مرة أخرى، بدون أن تشغل الموضع الثاني على الإطلاق. لذا، فإن الترتيب المتماثل ثنائي الجسيمات للنظام تكون له طاقة إجمالية أقل من الترتيبات الأخرى، ويكون هذا الترتيب هو الحالة المفضلة للنظام. ومن المتوقع أيضًا أن يظهر هذا الترتيب حركة كلية غير متناظرة. يرصد تاي وزملاؤه هذا النمط من عدم التناظر في تجاربهم، على نحو يدل على أن نظامهم يجد أن تلك هي الحالة المفضلة. ويوضح هذا أن التفاعلات يمكن أن تفرض الترتيب عديد الأجسام للنظم الكَمِّية، وإنْ كان  هذا فى نظام يتكون من جسيمين فحسب.

وتُعَدّ تجربة المؤلفين معلمًا بارزًا على الطريق نحو تجارب محاكاة كَمِّية كاملة للنظم متعددة الأجسام؛ ويُتوقع لعمليات المحاكاة من هذا النوع أن تكون قادرة على تقديم تنبؤات تتجاوز نطاق قدرات أنظمة المحاكاة الحاسوبية التقليدية، إلا أن الدراسة لا تزال في مراحلها الأولى. فمثلًا، على الرغم من أن تاي وزملاءه يقيسون نتائجهم على تنبؤات نظرية الجسيمات المتعددة، فإن أقصى عدد للجسيمات التي يستخدمونها هو جسيمان فحسب. وإضافة إلى ذلك، فإنّ نظامهم ليس في حالة توازن، مما يَحُول دون الرصد المباشر لحالة مبدئية مستقرة. وعلى الرغم من أن نظريتهم تُبَيِّن أنه لا وجود لحركة غير متناظرة في غياب التفاعلات، فإن هذا لم يمكن إثباته تجريبيًّا باستخدام الأدوات المتاحة.

سوف يكون هناك تلهُّف شديد في انتظار بحوث تُوَسِّع نطاق العمل الذي يتناول مثل هذه وغيرها. وبصفة خاصة، سيكون من الرائع أن نرى ما يحدث عندما يكون هناك العديد من الجسيمات، عندما يَجري تصميم أشكال هندسية جديدة، أو أبعاد جديدة لبيئة الجسيمات، أو عند تطبيق أنواع مختلفة من التفاعلات بين الجسيمات.

References

  1. Tai, M. E. et al. Nature 546, 519–523 (2017). | article
  2. Bakr, W. S., Gillen, J. I., Peng, A., Fölling, S. & Greiner, M. Nature 462, 74–77 (2009). | article
  3. Harper, P. G. Proc. Phys. Soc. A 68, 874–878 (1955). | article
  4. Hofstadter, D. R. Phys. Rev. B 14, 2239–2249 (1976). | article
  5. Peierls, R. Z. Phys. 80, 763–791 (1933). | article
  6. Aidelsburger, M. et al. Phys. Rev. Lett. 111, 185301 (2013). | article
  7. Miyake, H., Siviloglou, G. A., Kennedy, C. J., Burton, W. C. & Ketterle, W. Phys. Rev. Lett.111, 185302 (2013). | article
  8. Mancini, M. et al. Science 349, 1510–1513 (2015). | article
  9. Stuhl, B. K., Lu, H.-I., Aycock, L. M., Genkina, D. & Spielman, I. B. Science 349, 1514–1518(2015). | article
  10. An, F. A., Meier, E. J. & Gadway, B. Sci. Adv. 3, e1602685 (2017). | article
  11. Kolkowitz, S. et al. Nature 542, 66–70 (2017). | article

ليندسي جيه. ليبلانك تعمل في قسم الفيزياء بجامعة ألبرتا في إدمونتون، ألبرتاT6G 2E1 ، كندا.