تعليقات

مقاومة محاولات منع البحوث حول الأسلحة النارية

يقول ديفيد هيمنواي إنه بينما تجتاح العالم مشاعر معاداة العلوم، من الأهمية بمكان وقف محاولات قمع الدراسات حول الأسلحة النارية.

ديفيد هيمنواي
  • Published online:
تلقى هذا الطفل ذو الأحد عشر عامًا طلقًا ناريًا في منزله

تلقى هذا الطفل ذو الأحد عشر عامًا طلقًا ناريًا في منزله

E. Jason Wambsgans/Chicago Tribune/Zuma

على مدار نصف قرن مضى منذ اغتيال مارتن لوثر كينج، قُتل مدنيون في الولايات المتحدة بالأسلحة النارية أكثر من عدد الجنود الأمريكيين الذين قضوا نحبهم في الحروب التي خاضتها البلاد في جميع حروبها منذ تأسيسها في عام 1776. وفي وقتنا الراهن، يتعرض نحو 300 أمريكي لإطلاق النار يوميًّا في المتوسط، ويموت 100 متأثرين بجروح ناجمة عن أعيرة نارية؛ ما بين جرائم القتل أو محاولات الانتحار أو الحوادث (انظر go.nature.com/2qnp4m2).

وربما كانت المشكلة تزداد سوءًا. فوفقًا لإحدى الدراسات، تضاعف معدل إطلاق النار الجماعي ثلاث مرات بين عامي 2011 و2014 (انظر go.nature.com/2rkdtaw). وخلال العقد الماضي، زادت حالات الانتحار بالأسلحة النارية بنسبة 30%، وزادت جرائم القتل بالأسلحة النارية بنسبة تجاوزت 18% في الفترة من 2014 إلى 2015، وشهد عام 2015 حالات وفيات بالأسلحة النارية أكثر بـ2600 حالة من عام 2014 (انظر: go.nature.com/2qnp4m2).

ومع ذلك، فإن حكومة الولايات المتحدة، بإيعاز من مجموعات ضغط شركات الأسلحة، تقيِّد عملية جمع البيانات عن الأسلحة النارية، وتمنع الباحثين من الحصول على جلّ البيانات التي يجري جمعها بشأنها، وتقيد بشدة الأموال المتاحة للبحوث عنها. لقد رأيت هذا رأي العين، إذ إنني واحد من حوالي ستة باحثين أو نحو ذلك يدرسون الأسلحة النارية في الولايات المتحدة، ولي العديد من الأبحاث المنشورة في هذا المجال على مدار العقدين الماضيين.

خلال فترة رئاسته، حقق باراك أوباما تقدُّمًا طفيفًا في معالجة مشكلة الأسلحة بالولايات المتحدة. فمنذ عام 2013، دأب الكونجرس على عرقلة محاولته لتقديم أموال لدعم بحوث الأسلحة النارية إلى الوكالة الرئيسية للصحة العامة، ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (Centers for Disease Control and Prevention (CDC. وبوجه عام، كانت إنجازاته ضئيلة، تتمثل في تعديلات إدارية لتحسين نظام التحري عن السوابق المستخدم لتحديد ما إذا كان شخصٌ ما مؤهلًا لشراء سلاح ناري أم لا، على سبيل المثال.

والآن، يعتريني شعور متزايد بالقلق؛ فقد أعلن الرئيس دونالد ترامب أنه سيلغي المناطق الخالية من الأسلحة في المدارس والقواعد العسكرية. وهو يعتزم التراجع عن الأوامر التنفيذية لأوباما، وتعزيز الحق الوطني في حمل السلاح من خلال الإصرار على أن تعترف الولايات التي تفرض أكثر الشروط صرامةً على حمل السلاح بالتصاريح التي يتم الحصول عليها في ولايات أخرى لحمل سلاح خفي.

وبسبب تضييق الخناق الذي استمر لعقدين من الزمن على أبحاث الأسلحة النارية في الولايات المتحدة، فإن الدراسات العلمية المتاحة التي يمكن للأشخاص الرجوع إليها عند الترويج للتغييرات المقترحة في الرقابة على الأسلحة أو التصدي لها قليلة جدًّا، إن وُجِدت أصلًا. ويسير صُناع السياسات أساسًا على غير هدى عندما يتعلق الأمر بالسبب المصنف حاليًّا على أنه السبب الرئيسي الثالث للإصابة والوفاة في الولايات المتحدة، بعد السيارات والمواد المخدرة أفيونية المفعول (انظر go.nature.com/2rpky2y).

في شهر أبريل، تجمّع عشرات الآلاف من الناس في واشنطن العاصمة، وفي أكثر من 600 مدينة أخرى، لدعم صنع السياسات بناءً على الأبحاث والأدلة. وينبغي للجمعيات العلمية والمؤسسات الخاصة وغيرهم ممن يهتمون بالبحث العلمي أن يسخِّروا هذه الطاقة لمكافحة محاولات قمع البحوث على الأسلحة. والواقع أن تجارب باحثي الأسلحة النارية في الولايات المتحدة ينبغي أن تكون بمنزلة ناقوس خطر لأي شخص يتساءل حول مدى إمكانية تقليص أنشطة العلماء في مجتمع ديمقراطي.

خفض أعداد الوفيات

منذ ثماني سنوات، كتبتُ كتابًا بعنوان "بينما كنا نائمين" While We Were Sleeping (مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2009)، وهو كتاب حول 64 قصة نجاح لقطاع الصحة العامة في جميع أنحاء العالم مرتبطة بمنع الإصابات والعنف. في معظم الحالات، كانت البيانات والبحوث حاسمة من أجل النجاح.

على سبيل المثال، أظهرت دراسات أُجريت بين ستينيات القرن الماضي وتسعينياته أن احتمالات وفاة السائقين في عمر 16 عامًا خلف عجلات القيادة، في الولايات المتحدة، تزيد بعشرة أضعاف من السائقين في عمر 40 عامًا، وتزداد احتمالات وفاتهم ثلاث مرات مقارنة بالسائقين في عمر 19 عامًا. ووجدت دراسة أُجريت عام 1971 على سائقي ولاية كارولينا الشمالية أن الشباب معرضون بشدة للموت في الليل، وعندما يوجد مراهقون آخرون في مقعد الراكب الأمامي. وقد تكررت هذه النتائج على مدار العقدين التاليين، ويرجع الفضل في ذلك جزئيًّا إلى البيانات التي جمعها نظام تحليل الوفيات والإبلاغ عنها (Fatality Analysis Reporting System (FARS الذي أنشأته الإدارة الوطنية لسلامة حركة المرور على الطرق الرئيسية.

ومنذ عام 1997، اقتداءً بنيوزيلندا، أنشأت بعض الولايات الأمريكية "أنظمة تراخيص متدرجة" على خلفية هذه النتائج؛ فيمكن للمراهقين القيادة، ولكن فقط في ظل ظروف معينة، مثل ضوء النهار. وأظهرت التقييمات الإحصائية التي استخدمت بيانات نظام FARS فوائد الصحة العامة المترتبة على هذه القوانين. وفي غضون عقد من الزمن، اعتُمِدت قوانين مماثلة في جميع الولايات الخمسين. وقد خفضت هذه القوانين مخاطر اصطدام السائقين في عمر 16 عامًا بنسبة تتراوح بين 20% إلى 40% (المرجع 1).

"الأشخاص الذين يمتلكون أسلحة نارية في منازلهم، في الولايات المتحدة، تزيد احتمالات انتحارهم ثلاث مرات مقارنةً بغيرهم".

وكانت نظم البيانات الجيدة مهمة لتعزيز وتقييم العديد من البرامج والتدخلات الناجحة الأخرى لمنع الإصابة. وقد أدت سياسات المشاة الجديدة في هولندا -بما في ذلك تدابير تهدئة حركة المرور، مثل مطبات السرعة- إلى خفض وفيات المشاة بنسبة 73% بين عامي 1975 و2001. وأدت مجموعة من البرامج في السويد -مثل دروس السباحة المجانية، وبناء ممرات مشاة إلى الملاعب والمدارس- إلى خفض معدلات وفيات الأطفال الناجمة عن الإصابة إلى أدنى مستوياتها في العالم. وكانت البيانات مهمة أيضًا لسن قانون خوذات الدراجات النارية لعام 1997 في تايوان، الذي أدى إلى خفض الوفيات الناجمة عن إصابات الرأس بنسبة 22% (المرجع 2)، وإصدار قوانين المرور لعام 2002 في اليابان، والتي أدت إلى انخفاض عدد الوفيات المرتبطة بحوادث الكحول لكل مليار كيلومتر بنسبة 38% (المرجع 3).

وبفضل أنماط النجاح هذه، رفعت حكومات العالم شعار السياسات القائمة على الأدلة. وهذا يجعل غياب بحوث استخدام الأسلحة النارية في الولايات المتحدة أمرًا أكثر وضوحًا.

بيانات ضئيلة

من بين الدول الأربع والعشرين الأعلى دخلًا في العالم، تُعَدُّ معدلات الجرائم والعنف غير المرتبطة بالأسلحة النارية في الولايات المتحدة متوسطة. ولكن في ظل وجود أسلحة أكثر وقوانين أضعف لحمل السلاح، يوجد بها أعلى معدل وفيات من جَرَّاء الأسلحة النارية للفرد. فتزيد احتمالات تعرض الطفل الأمريكي الذي يتراوح عمره بين خمسة أعوام و14 عامًا للقتل بسلاح ناري بأكثر من 18 ضِعفًا، واحتمالات استخدامه للسلاح الناري في الانتحار 11 ضعفًا، واحتمالات تعرُّضه للقتل في حادث إطلاق نار 12 ضِعفًا مقارنةً بالأطفال ذوي العمر نفسه في البلدان الأخرى ذات الدخل المرتفع4. وبالمقارنة بالفئات العمرية الأكبر سنًّا، يُعَدُّ معدل الوفيات من جَرَّاء الأسلحة النارية للفئة العمرية من 5 أعوام إلى 14 عامًا منخفضًا. ومع ذلك، ففي العقد الماضي، كان المتوسط السنوي لضحايا جرائم القتل بالأسلحة النارية 182 طفلًا، واستخدم 96 طفلًا سلاحًا ناريًّا لقتل أنفسهم، وقُتل 36 طفلًا بسلاح ناري بطريق الخطأ (انظر: go.nature.com/2qnp4m2). وعلى الرغم من وفاة أكثر من 300 طفل سنويًّا بسبب الأسلحة النارية، فقد أصيب أضعاف هذا العدد بالرصاص ونجوا من الموت.

وفي الوقت نفسه، لا يزال نظام الإبلاغ الوطني عن حالات الوفاة من جَرَّاء العنف National Violent Death Reporting System  التابع لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها غير قائم في عشر ولايات بسبب عدم كفاية التمويل. ويجمع نظام الرقابة الموحد هذا، الذي تأسس على غرار نظام FARS، بيانات من شهادات الوفاة، وتقارير الشرطة، ونتائج الفاحصين الطبيين أو الأطباء الشرعيين. وتقع الولايات الغائبة مثل أيداهو ومونتانا وتكساس وفلوريدا بشكل رئيسي في الولايات الجنوبية أو الجبلية، حيث تكون معدلات امتلاك الأسلحة النارية والوفاة بسبب الأسلحة عالية.

وفي عام 2005، ألغت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أيضًا السؤالين المتعلقين بالأسلحة النارية اللذين كانا يُستخدمان في نظام مسوح عوامل الخطر السلوكيّة Behavioral Risk Factor Surveillance System. هذا النظام هو دراسة استقصائية هاتفية تشمل أكثر من 400 ألف بالغ تهدف إلى الكشف عن الاتجاهات في السلوكيات المتعلقة بالصحة، مثل النوم، واستخدام حزام الأمان، والتطعيمات.

ويقوم مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات Bureau of Alcohol, Tobacco, Firearms and Explosives بتسجيل البيانات المتعلقة بالأسلحة التي يجري جمعها بناءً على طلب الشرطة. غير أنه منذ عام 2003، تسببت بعض التعديلات في منع المكتب من الإفراج عن هذه البيانات لاستخدامها من قِبَل الباحثين أو غيرهم. وعلى مستوى الولاية، يكاد يكون من المستحيل الحصول على بيانات تتعلق بتصاريح حمل الأسلحة الخفية، أي فئات الأفراد الذين يحصلون على التصاريح، وعدد الجنايات التي يرتكبونها ونوعها، وما إلى ذلك.

والأسوأ من ذلك أن التمويل الاتحادي للأبحاث المتعلقة بالأسلحة النارية قد اختفى تقريبًا منذ عام 1996، بعد أن أسفرت انتخابات منتصف المدة في عام 1994 عن سيطرة الجمهوريين على الكونجرس. وأشار تحليل أُجري مؤخرًا5 إلى أنه بالنظر إلى حجم مشكلة الصحة العامة (انظر: "لم تحظ بدراسة كافية")، كان ينبغي أن يكون تمويل البحوث المتعلقة بالأسلحة النارية للفترة من عام 2004 إلى عام 2015 1.4 مليار دولار أمريكي. وقد كان الرقم الفعلي أقل من واحد على ستين من ذلك المبلغ: 22 مليون دولار.

كبر الصورة

Sources: J. A. Ladapo et alJ. Am. Med. Assoc. 310, 532–534 (2013)/CDC

وفي الوقت الراهن، لا تمول مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أيَّ بحث حول الأسلحة النارية. لم يُحظَر عليها القيام بذلك، ولكن، من وجهة نظري، يخشى قادتها من معاقبة منظماتهم. ففي الاجتماعات العلمية في العقدين الماضيين، التقيت  موظفين من المنظمة يخشون النطق بكلمات "سلاح" أو "أسلحة نارية". فإذا كنت أحادث أحد علماء المنظمة على الهاتف وتطرقت المحادثة إلى الأسلحة النارية، عادةً ما يطلبون معاودة الاتصال بي مرة أخرى من هاتفهم المحمول الخاص، ثم يغادرون المكتب للقيام بذلك. ومَن يستطيع إلقاء اللوم عليهم؟ فالجراح العام الأمريكي السابق فيفيك مورثي، الذي رشحه أوباما ولاقى ترشيحه مقاومة في بادئ الأمر لأنه قال في وقت سابق إن العنف المسلح هو قضية تتعلق بالصحة العامة، جرى عزله من منصبه من قِبَل ترامب في شهر أبريل الماضي.

ولم يكثف الممولون الاتحاديون الآخرون جهودهم. فعلى سبيل المثال، بين عامي 1973 و2012، قدمت معاهد الصحة الوطنية الأمريكية 486 منحة لدراسة الكوليرا، والدفتيريا، وشلل الأطفال، وداء الكلب، وخلال هذه الفترة كان هناك نحو 2000 حالة من هذه الأمراض الأربعة. وفي الفترة نفسها، قامت معاهد الصحة الوطنية بتوزيع ثلاث منح بحثية على أبحاث الأسلحة النارية (انظر: go.nature.com/2sdtjpb)، وكان أكثر من 4 ملايين مدني قد أُطلق عليهم النار.

وبالمثل، غامرت مؤسسات قليلة بالخوض في أبحاث السلاح. قد يكون هذا بسبب وجود شخص واحد على الأقل في مجلس الإدارة عضوًا في مجموعة ضغط شركات الأسلحة، أو مؤيدًا لها، والأرجح أنه محاولة لتجنُّب التعرُّض للهجوم. وقد وصفت مؤسسة جويس في شيكاغو بولاية إلينوي، التي خصصت نحو 3 ملايين دولار سنويًّا لدعم منع العنف المسلح في السنوات العشرين الماضية، بأنها "نازعة للسلاح" أو بأنهم "متعصبون مكافحون للأسلحة النارية" من قِبَل المدافعين عن تملك الأسلحة. ومن ذا الذي يرغب في البحث عن المتاعب بينما توجد الكثير من القضايا الأخرى التي تستحق الدعم؟

دواعٍ للأمل

ما الذي يمكن عمله إذًا؟ من الصعب الحصول على تمويل لأبحاث الأسلحة النارية. وعندما تناقَش أبحاثي في وسائل الإعلام، أكون واثقًا من تلقي رسائل إلكترونية بغيضة وغريبة مثل: "أنت أحمق جاهل أو كاذب لا يطاق"، أو "كفّ عن إحراج هارفارد"، أو "شهرتك بأكملها راجعة إلى تحيز وسائل الإعلام". ومع ذلك، فإن العمل على قضايا الأسلحة النارية مجزٍ؛ ويرجع ذلك -إلى حد كبير- إلى أنه من السهل فتح آفاق جديدة، وأي تقدم يُحرَز يمكن أن ينقذ أرواحًا.

في أبريل، على سبيل المثال، نشرتُ أنا وزملائي أول مقال لنا في مجلة حول سرقة الأسلحة6، الذي بيَّن من بين أشياء أخرى أن 60% أو أكثر من الأسلحة المسروقة تأتي من جنوب الولايات المتحدة. قد تساعد هذه المعلومات سلطات إنفاذ القانون على توجيه جهودها بشكل أكثر فاعلية؛ إذ يُسرق أكثر من 300 ألف سلاح كل عام، ويبدو أن سرقة الأسلحة هي وسيلة رئيسة لوصولها إلى أيادٍ غير شرعية. (نحن نكتب الآن المقال الأول حول ما يُدرّس بالفعل في صفوف التدريب على الأسلحة).

إحدى الحقائق القليلة التي تدعمها أدلة علمية دامغة هي أن الأشخاص الذين يمتلكون أسلحة نارية في منازلهم، في الولايات المتحدة، تزيد احتمالات انتحارهم ثلاث مرات مقارنةً بغيرهم7. ونحن نعمل مع الخبراء في مجال الصحة العامة ومنع الانتحار والأطباء وتجار التجزئة ومدربي حمل الأسلحة والمدافعين عنها، ونحاول إيجاد سبل للحد من وصول الناس إلى الأسلحة خلال الفترات التي تزيد فيها احتمالات الانتحار8.

وقد أظهرت دراسات أُجريت في بلدان أخرى أن تغيير الوسائل التي يستطيع الناس بواسطتها الانتحار يمكن أن يكون له تأثير كبير على معدلات الانتحار بشكل عام. ففي سويسرا، على سبيل المثال، انخفضت معدلات الانتحار بعد خفض عدد الجنود السويسريين إلى النصف في عامي 2003 و2004 (عدد الجنود الأقل يعني انخفاضًا في توافر الأسلحة على الصعيد الوطني9، من بين متغيرات أخرى). وقد يكون أحد احتمالات ذلك في الولايات المتحدة في محاولة نقل الشعور بهذا الخطر في صفوف التدريب على الأسلحة، وأن يوصي المدربون بأن يضع الناس أسلحتهم في رعاية شخص آخر إذا أبدى أفراد الأسرة علامات على الاكتئاب أو مشكلات أخرى تتعلق بالصحة العقلية.

وهناك سبب آخر يبعث على الأمل، هو أن إحدى الولايات قد أظهرت بالفعل ما يمكن تحقيقه من خلال ضخ موارد صغيرة. فالآن، تمتلك كاليفورنيا، الولاية الأكثر اكتظاظًا بالسكان، أقوى قوانين تنظيم الأسلحة في الولايات المتحدة، وفقًا لتقدير المركز القانوني لمنع العنف المسلح في سان فرانسيسكو Law Center to Prevent Gun Violence in San Francisco. ويبدو أن هذه القوانين أثبتت فاعليتها؛ فقد انخفضت معدلات الوفيات بسبب الأسلحة النارية في كاليفورنيا بأكثر من 55% بين عامي 1993 و2015 (انظر: go.nature.com/2qnp4m2).

من بين القيود المختلفة المفروضة في ولاية كاليفورنيا: يُطلب التحري عن السوابق لجميع عمليات شراء الأسلحة، وتُحظر معظم الأسلحة الهجومية (الأسلحة النارية شبه الآلية المصممة لإطلاق النيران السريع والاستخدام القتالي)، وتقتصر عمليات شراء المسدسات على سلاح واحد لكل شخص في الشهر للحد من الاتجار في الأسلحة؛ ويمكن للشرطة أن تستخدم صلاحياتها عندما يتعلق الأمر بإصدار تصاريح حمل الأسلحة الخفية للأشخاص. واعتبارًا من يناير 2016، كانت ولاية كاليفورنيا أيضًا أول ولاية تقوم بتفعيل أمر تقييدي على الأسلحة النارية (انظر: go.nature.com/2qay4qt). وعلى غرار الأوامر التقييدية المتعلقة بالعنف العائلي، يمنح ذلك الأسر والشرطة الحق في التماس نزع الأسلحة النارية من الأفراد الذين يُحتمل أن يكونوا خطرين.

إن وضع قوانين أكثر صرامة للرقابة على الأسلحة أسهل بكثير على خلفية بيانات جيدة. وفي رأيي، فإن الكثير من الفضل في التغييرات القانونية في ولاية كاليفورنيا يعود إلى ممول واحد هو مؤسسة كاليفورنيا لضمان الصحة California Wellness Foundation في وودلاند هيلز. لقد جعلت المؤسسة الحد من العنف في الولاية التي تأسست فيها محور تركيز كبير عندما أُنشئت في عام 1992. ومنذ ذلك الحين، قدمت أكثر من 130 مليون دولار للأنشطة الرامية إلى المساعدة في منع العنف، بما في ذلك جمع البيانات وإجراء البحوث. إن كاليفورنيا -بنظامها الشامل لتتبُّع مشتريات الأسلحة، وأموال الولاية المقدمة لبحوث الأسلحة النارية المستقلة- تقدم نموذجًا لما يمكن للولايات الأخرى عمله. وتوضح مؤسسة كاليفورنيا لضمان الصحة ما يمكن أن تفعله الوكالات المانحة الأخرى.

ولعل التحوُّل الأهم الذي يجب أن يحدث هو الإدراك الأوسع نطاقًا -سواء في الولايات المتحدة أو في أماكن أخرى- للضرر الذي يمكن أن يأتي من جماعات الضغط التي تعرقل البحوث أو تضللها. هناك قانون في فلوريدا -حكمت المحكمة العليا بعدم دستوريته في فبراير- كان من شأنه أن يجعل الأطباء يخشون الحديث عن الأسلحة مع مرضاهم. يمكنهم أن يتحدثوا عن ارتداء أحزمة الأمان وممارسة التمارين الرياضية، ولكنهم قد يفقدون تراخيصهم إذا ما تحدثوا بشكل غير مناسب عن مخاطر وجود الأسلحة في المنزل10.

الأمر المثير للجزع أن مجموعات ضغط شركات الأسلحة تُعرب عن تأييدها على نحوٍ متزايد لحركة سياسية واسعة لا ترى أن دور العلم هو البحث عن الحقيقة والفهم، وإنما تراه أداةً لتعزيز أهدافها الحزبية (انظر: go.nature.com/2sderwh). وأعربت نقابة المحامين الأمريكية والعديد من الجمعيات الطبية عن رأيها في القيود المفروضة على تمويل بحوث الأسلحة النارية التي فرضها الكونجرس11. والآن، على جميع الهيئات العلمية أن تعبِّر عن آرائها.

ثمة ابتذال في استخدام العبارة التالية، ولكنها مناسبة تمامًا في هذا السياق: لقد هاجموا أولًا أبحاث الأسلحة النارية، لكنني لم أتكلم لأنني لا أشارك في أبحاث الأسلحة النارية. ثم شنوا هجومهم على علماء المناخ، لكنني لم أتكلم لأنني لست عالِم مناخ.

إن محاولة تكميم أفواه الباحثين يجب أن تُقابل بمقاومة مستمرة. ودائمًا ما أشعر بالصدمة عندما أتذكر مدى حداثة عصر التنوير، ومدى هشاشة حرية اختيار العمل بمهنة البحث عن الحقيقة.

References

  1. Shope, J. T. J. Safety Res. 38, 165–175 (2007). | article
  2. Tsai, M.-C. & Hemenway, D. Inj. Prevent. 5, 290–291 (1999) | article
  3. Nagata, T., Setoguchi, S., Hemenway, D. & Perry, M. J. Inj. Prevent. 14, 19–23 (2008). | article
  4. Grinshteyn, E. & Hemenway, D. Am. J. Med. 129, 266–273 (2016). | article
  5. Stark, D. E. & Shah, N. H. J. Am. Med. Assoc. 317, 84–85 (2017). | article
  6. Hemenway, D., Azrael, D. & Miller, M. Inj. Epidemiol. 4, 11 (2017). | article
  7. Anglemyer, A., Horvath, T. & Rutherford, G. Ann. Intern. Med. 160, 101–110 (2014). | article
  8. Barber, C., Frank, E. & Demicco, R. JAMA Intern. Med. 177, 5–6 (2017). | article
  9. Reisch, T., Steffen, T., Habenstein, A. & Tschacher, W. Am. J. Psychiatry 170, 977–984(2013). | article
  10. Parmet, W. E., Smith, J. A. & Miller, M. N. Engl. J. Med. 376, 1901–1903 (2017). | article
  11. Weinberger, S. E. et al. Ann. Intern. Med. 162, 513–516 (2015). | article

ديفيد هيمنواي أستاذ سياسات الصحة بجامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، الولايات المتحدة الأمريكية.

بريد إلكتروني: hemenway@hsph.harvard.edu