أخبار

وكالة الصحة العقلية تنصرف عن التجارب السريرية

تحليل يكشف عن نقص التجارب التي يموِّلها المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية بنسبة 45%.

سارة ريردون
  • Published online:
صعوبة إيجاد علاجات جديدة للاكتئاب

صعوبة إيجاد علاجات جديدة للاكتئاب

Sandy Huffaker/NYT/Redux/eyevine

توقف روي برليس -الطبيب النفسي بمعهد برود في كامبريدج بولاية ماساتشوستس- عن إجراء الأبحاث السريرية. كان برليس قد تولى على مدار العقدين الماضيين قيادة نحو 20 تجربة سريرية على الاكتئاب واضطرابات المزاج الأخرى. ولكنه تخلى عن السعي للحصول على منح من المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية US National Institute of Mental Health (NIMH) —وهو أكبر مموِّل لبحوث الصحة العقلية في العالم— منذ بدأ المعهد الترويج لطريقة جديدة للبحث في الأمراض العقلية. إذ تحثُّ الوكالة الباحثين على دراسة الجذور البيولوجية للمرض بدلًا من دراسة اضطرابات محددة.

كان لهذا التحول آثار عميقة على بحوث الصحة العقلية في الولايات المتحدة، ولكن حجم التحول لم يظهر جليًّا إلا الآن. يشير تحليل أجرته دورية Nature إلى أن عدد التجارب السريرية المموَّلة من المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية قد انخفض بنسبة 45% بين عامي 2009 و2015 (انظر: "إعادة النظر في دراسات الصحة العقلية"). ويتزامن ذلك مع إطلاق الوكالة في عام 2011 لمعايير النطاق البحثي Research Domain Criteria (RDoC)، وهو إطار للبحث عن آليات المرض العقلي. ومن سبل نشر المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية لإطار معايير النطاق البحثي أنه طلب من الباحثين التركيز بشكل أكبر على الأسس البيولوجية للسلوك -مثل دوائر الدماغ وعلم الوراثة- بدلًا من التركيز على الأعراض الأوسع التي يستخدمها الأطباء عادةً في تعريف الأمراض العقلية وتصنيفها.

أثار قيام المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية باعتناق البحوث الأساسية غضب العديد من الباحثين السريريين، والذين يرون ذلك محاولةً لإبطال مناهجهم، كما يزعمون أنه لا توجد سوى أدلة ضئيلة تدعم فكرة أن استخدام معايير النطاق البحثي سيؤدي إلى نظرة أعمق أو علاجات أفضل للمرض العقلي. كما يلاحظ العديد من هؤلاء الباحثين أن تمويل المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية التجاربَ السريرية قد انخفض بشكل مطَّرد على مدار العقد الماضي، هذا بالإضافة إلى الاعتقاد السائد بأن الوكالة تفضِّل الآن البحوث التي تستخدم إطار معايير النطاق البحثي.

يقول برليس: "من الإنصاف أن نقول إننا بحاجة إلى فهم أفضل لعلم الأعصاب [للمرض العقلي] للتوقف عن التخبط في الظلام". ويضيف: "لكنني أعتقد أننا نمتلك الفهم الكافي لعلم الأعصاب وعلم الوراثة بشكل يوجب علينا الآن أن ننطلق بقوة نحو البحوث السريرية".

حاول مدير المعهد، جوشوا جوردون -الذي تولى منصبه في يوليو عام 2016- تهدئة هذه المخاوف بتوضيح أن استخدام معايير النطاق البحثي ليس ضروريًّا للحصول على منحة. ولكنه أكّد في مدونة بتاريخ 5 يونيو عدم تراجُع الوكالة عن الإطار. وقد كتب جوردون ردًّا على المخاوف المستمرة من عدم اختبار الإطار بشكل صحيح قال فيه: "سنستمر في تجربة معايير النطاق البحثي". كما سيتخذ المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية خطوات نحو التحقق من صحة العلم الذي يقف وراء تصميم معايير النطاق البحثي.

بدأ المعهد في تطوير معايير النطاق البحثي وسط مخاوف من أن البحوث في مجال الصحة العقلية لم تكن تنتج علاجات أكثر فاعلية. ومنذ خمسينيات القرن العشرين، كان الأطباء النفسيون يشخصون المرضى باستخدام الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorder (DSM، وهو كتيب يُعرِّف الأمراض المختلفة وفق الأعراض، وقد وصلت إصداراته الآن إلى الطبعة الخامسة (DSM-5). وقد أصبحت هذه التعريفات بدورها دليلاً للبحوث السريرية التي تُجرى على الاضطرابات العقلية. ولكن التقدم المُحرَز في تطوير العلاجات الفعالة لكثير من الأمراض الشائعة، بما فيها الاكتئاب، كان بطيئًا.

يتخذ إطار معايير النطاق البحثي نهجًا مختلفًا؛ إذ يتجاهل التشخيصات السريرية لصالح تصنيف الناس باستخدام خمس فئات -مثل الخصائص المعرفية والتفاعلات الاجتماعية- يتضمن كلٌّ منها عناصر سلوكية وبيولوجية. والهدف من ذلك هو تجنُّب الجمع بين جميع الأشخاص في مجموعة واحدة تشترك في نفس التشخيص الواسع، مما قد يُخفي الاختلافات بينهم، وهو ما قد يحدث مع الدليل التشخيصي والإحصائي. فعلى سبيل المثال، لا يميل جميع المصابين بالاكتئاب إلى الانتحار؛ إذ إن الصفات المشتركة بين مَن يميلون للانتحار والمصابين بالفصام والمشاعر الانتحارية أكثر بالمقارنة بالصفات المشتركة بينهم وبين المصابين بالاكتئاب.

صعود وهبوط

يتفق علماء الأعصاب والباحثون في مجال الصحة العقلية على أن الفكرة العامة سليمة من الناحية العلمية. بل وصل الأمر إلى اعتقاد الطبيب النفسي الذي تولّى قيادة كتابة الطبعة الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي، وهو ديفيد كوبر من جامعة بيتسبرج بولاية بنسلفانيا، بضرورة وجود نهج مبني على أساس الفئات التي تشترك في التشخيص -مثل معايير النطاق البحثي- من أجل تحسين العلاج النفسي.

لكن ما أزعج الباحثين السريريين في عام 2013 هو إعلان توماس إنسيل -المدير السابق للمعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية- أن الوكالة ستنصرف عن تمويل البحوث التي تصنف الأشخاص باستخدام الطبعة الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي، وعندما قال مرة أخرى عام 2014 إن المعهد لن يموِّل التجارب السريرية التي لم تسْعَ لفهم الآلية البيولوجية الكامنة وراء أي علاج أو مرض معين. وعلى الرغم من انتهاء الضجة الأولية، فإن العديد من الباحثين ما زالوا يعتقدون أن المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية لن يموِّل سوى الدراسات التي تستخدم إطار معايير النطاق البحثي.

Sources: NIMH & NIH RePORTER

يقول دانيال وَيْنبرجر -مدير معهد ليبر لتطور الدماغ Lieber Institute for Brain Development في بالتيمور بولاية ماريلاند- إن العديد من الباحثين في مؤسسته ممَّن قدموا طلبات المِنح قد طُرحت عليهم أسئلة من مراجعي الوكالة بخصوص كيفية ارتباط عروضهم بمعايير النطاق البحثي. يقول دانيال: "لقد كان ذلك بمنزلة اختبار حاسم لمعرفة إمكانية تمويل المعهد الوطني للمنحة من عدمه".

يرفض بروس كوثبرت -مدير وحدة معايير النطاق البحثي بالمعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية- هذا الادعاء، ويقول إن ما يقرب من نصف المِنح الصادرة عن الوكالة هي ما يمكن تصنيفها بأنها تعتمد على معايير النطاق البحثي. ويشير كوثبرت إلى أن التمييز بين البحوث التي تعتمد على معايير النطاق البحثي والبحوث التي لا تعتمد عليها ليس أمرًا قاطعًا، وأن بإمكان الباحثين دراسة الآليات البيولوجية الكامنة وراء المرض العقلي دون استخدام إطار المعهد الوطني.

لم تتمكن دورّية Nature من التحقُّق من صحة تقدير كوثبرت؛ لأن طلبات المِنَح المقدَّمة إلى المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية تكون سرية. ولكن تحليلنا لقاعدة بيانات المعهد يبيِّن أن عدد المنح البحثية المقدَّمة التي تذكر الدليل التشخيصي والإحصائي قد انخفض منذ عام 2009. كما انخفض ذكر بعض الحالات التي تم تعريفها في الدليل التشخيصي والإحصائي، مثل "الاضطراب الاكتئابي الكبير" Major depression disorder. وفي الوقت نفسه، زاد استخدام مصطلح "المؤشرات الحيوية" وغيره من المصطلحات ذات الصلة بإطار معايير النطاق البحثي.

يقول جوردون إن العديد من الدراسات الحديثة تدعم نهج معايير النطاق البحثي في دراسة السمات والأعراض مقابل دراسة الاضطرابات. وقد أظهرت إحداها إمكانية تقسيم فحوص التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ على 1188 شخصًا مصابًا بالاكتئاب إلى أربعة "أنواع بيولوجية" استجابت بشكل مختلف عند العلاج بتحفيز الدماغ الكهربائي (A. T. Drysdale et al. Nature Med. 23, 28–38; 2017). ويشير ذلك إلى أن السبب البيولوجي الكامن لدى مَن يشتركون في التشخيص نفسه -الاكتئاب- قد يكون مختلفًا.

يقول ستيفان هيكرز -وهو طبيب نفسي ومحرِّر في دوريّة JAMA Psychiatry-: إن من المرجح أن يكون قياس التأثير العلمي لمعايير النطاق البحثي صعبًا. مضيفًا أنه عند تقديم طلب للحصول على منحة من المعهد الوطني للصحة العقلية، يضيف الكثيرون ممن يعملون في مجال عمله -بحوث الذهان- إلى دراساتهم بعض الأشخاص المختلفين في التشخيص طبقًا للدليل التشخيصي والإحصائي للادعاء بأن المشروع يغطي دراسة الاضطرابات. يقول هيكرز: "هذا ليس في الواقع ما تختص به معايير النطاق البحثي".

وليس من الواضح إلى أي درجة أدى تبنّي الوكالة لمعايير النطاق البحثي إلى تثبيط الباحثين السريريين عن السعي للحصول على تمويل من الوكالة، أو ما إذا كانوا قد أصبحوا يحصلون على منح أقل. وقد وجد تحليل أجراه "إنسيل" في عام 2014 أن تمويل المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية للتجارب السريرية قد انخفض من 110 ملايين دولار أمريكي في عام 2011 إلى 75 مليون دولار أمريكي في عام 2014. وينعكس ذلك في قاعدة بيانات ClinicalTrials.gov التابعة للحكومة الأمريكية؛ إذ تَبيَّن أن عدد التجارب السريرية التي كان المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية الراعي الرئيسي لها قد انخفض من 28 تجربة في عام 2001 إلى 5 تجارب في عام 2015.

 

ثِقْ ولكن تَحقَّق

أيًّا كان السبب وراء انخفاض عدد البحوث السريرية المموَّلة من المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية، فقد عبَّر جوردون عن رغبته في تغيير ذلك. وكخطوة أولى، كتب جوردون العديد من التدوينات التي تحاول أن توضح للباحثين كيفية تكييف الدراسات السلوكية لفحص الآليات البيولوجية للمرض العقلي. كما يقوم بإعادة النظر في بعض جوانب معايير النطاق البحثي.

يقول جوردون: "إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجه معايير النطاق البحثي هي نهج التصنيف التنازلي، إذ نقوم ببنائه على أساس فئات نعتقد أنها موجودة. إننا كبشر مَن يقوم بصنعه، ونحن بالتأكيد عرضة للخطأ عند تصنيف الأشياء إلى فئات".

ومن أجل وضع نهج أكثر اعتمادًا على البيانات، يعتزم جوردون تبنّي مبادرة الطب الدقيق التابعة للمعاهد الصحية الوطنية الأمريكية، والتي ستقوم بتتبُّع صحة مليون أمريكي لمدة 10 أعوام. أُطلِقَ البرنامج هذا الشهر، ويقول جوردون إن المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية يخطط لإرسال مجموعة من الاختبارات السلوكية إلى المشاركين عبر الإنترنت، والتي ستقيس سمات مثل المزاج والاستجابة للمكافآت. ومن خلال دمج هذه الاختبارات مع السجلات الصحية الإلكترونية والبيانات الجينية، تأمل الوكالة في العثور على مجموعات من الأشخاص ذوي سمات عقلية خاصة يمكن إدراجها في الدراسات من أجل ربط خصائص الدماغ بالسلوك بصورة أفضل.

قد يؤدي هذا الجهد يومًا ما إلى النظر في معايير النطاق البحثي، بل قد يدفع المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية إلى التخلي عن الإطار تمامًا. يقول جوردون: "من المفترض أن تكون معايير النطاق البحثي قابلة للتغيير". ويضيف: "فمن المفترض تغييرها عندما تكون الأدلة متوفرة". ولكن في الوقت الراهن، يتجنب جوردون الحُكم بكَون معايير النطاق البحثي تمثل نجاحًا أو لا. ويقول: "أعتقد أن ذلك أمر سابق لأوانه للغاية".