تحقيق إخباري

علماء الرياضيات الراغبون في إنقاذ الديمقراطية

على مدار أكثر من 200 عام ظل التلاعُب في ترسيم حدود الدوائر الانتخابية ركنًا أساسيًّا في السياسة الأمريكية. ومع توفر النماذج والخوارزميات يراود الأمل بعض العلماء في تغيير ذلك الأمر.

كاري أرنولد
  • Published online:
المعارك القضائية حول الحدود الصحيحة للدوائر الانتخابية أمرًا شائعًا في الولايات المتحدة

المعارك القضائية حول الحدود الصحيحة للدوائر الانتخابية أمرًا شائعًا في الولايات المتحدة

Jay Baker/CC BY 2.0

يميل جوناثان ماتينجلي للخلف في مقعده ويرفع قدميه ويضعهما على سطح مكتبه، ثم يضغط على أحد مفاتيح جهاز الكمبيوتر المحمول ليغير نتائج انتخابات عام 2012 في ولاية نورث كارولينا. على الشاشة، تبين الخطوط والنقاط المضيئة خريطة لدوائر الكونجرس الانتخابية للولاية وعددها 13، حيث تختار كل دائرة منها ممثلًا واحدًا ليصبح نائبًا لها في مجلس النواب الأمريكي. عن طريق تعديل حدود تلك الدوائر الانتخابية، ولكن من دون تغيير صوت انتخابي واحد، تُظهِر خرائط ماتينجلي أن مرشحي الحزب الديمقراطي قد حصلوا على ستة أو سبعة أو حتى ثمانية مقاعد في السباق الانتخابي. وفي الواقع، هم لم يحصلوا سوى على أربعة مقاعد، رغم حصولهم على أغلبية الأصوات بشكل إجمالي.

لا يمكن لنماذج المحاكاة تلك التي ابتكرها ماتينجلي للانتخابات أن تعيد كتابة التاريخ، ولكن مخترعها يأمل في أنها سوف تساعد في دعم الديمقراطية في المستقبل، في الولاية التي ينتمي إليها تحديدًا، وعلى مستوى الأمة ككل. قام ماتينجلي -عالِم الرياضيات بجامعة ديوك في دورهام بولاية نورث كارولينا- بتصميم خوارزمية تضخ صيغًا عشوائية بديلة للخرائط الانتخابية للولاية، إذ أنشأ أكثر من 24 ألف خريطة حتى الآن، كجزء من محاولة لإحصاء مدى التلاعب في ترسيم حدود الدوائر الانتخابية ومدى تأثيره، ويحدث ذلك التلاعب عندما تُرَسم حدود الدوائر الانتخابية لمصلحة مجموعة معينة من المرشحين أو الأحزاب السياسية، أو لإلحاق الضرر بمجموعة أخرى.

يحظى التلاعب في حدود الدوائر الانتخابية في الولايات المتحدة بتاريخ طويل وبغيض، وهو السبب الرئيس في احتلال البلاد المرتبة 55 من بين 158 دولة -وهو المركز الأخير بين الديمقراطيات الغربية- ضمن مؤشر عدالة التصويت لعام 2017 الذي يديره مشروع النزاهة الانتخابية، وهو مشروع تعاون أكاديمي بين جامعة سيدني بأستراليا وكلية جون إف. كينيدي للحكم بجامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس. ورغم أن التلاعب في حدود الدوائر الانتخابية لم يكن له دور في الانتخابات الرئاسية العاصفة التي جرت في عام 2016، فإنه على ما يبدو كان له تأثير على مَن فازوا بمقاعد في مجلس النواب الأمريكي في تلك السنة.

يقول ماتينجلي: "حتى لو أثَّر التلاعب في رسم حدود الدوائر الانتخابية على خمسة مقاعد فقط من بين 435 مقعدًا، فذلك يكفي في الغالب لتغيير نتائج التصويت على قرارات حاسمة".

لا تتدخل المحاكم إلا عندما يكون هناك دافع عرقي وراء التلاعُب في حدود الدوائر الانتخابية. على سبيل المثال، أيدت المحكمة العليا في الشهر الماضي حكمًا يقضي بأن دائرتين انتخابيتين في ولاية نورث كارولينا قد تم ترسيم حدودهما مع وضع التركيبة العرقية في الحسبان. ولكن المحاكم ظلت أقل حرصًا على إبداء وجهة نظرها بشأن التلاعب الحزبي، أي عندما تقع محاباة حزب سياسي معين على حساب آخر. من أسباب ذلك أنه لم يكن هناك مطلقًا مقياس واضح وموثوق به لتحديد متى يتجاوز ذلك النوع من التلاعب الحد الفاصل بين المناورة السياسية المقبولة ومخالفة الدستور الأمريكي.

كبر الصورة

يأمل ماتينجلي وكثير من علماء الرياضيات الآخرين في تغيير تلك المسألة. فعلى مدار السنوات الخمس الماضية، عمل هؤلاء العلماء على تصميم خوارزميات ونماذج حاسوبية تكشف عن جوانب التحيُّز في رسم حدود الدوائر الانتخابية. وقد بدأ صوتهم يلقى تجاوبًا في الوقت الراهن.

في ديسمبر من عام 2016، أخذت إحدى محاكم ولاية ويسكونسن بالتحليل الإحصائي عند إصدارها حكمًا بشأن التلاعب الحزبي في ترسيم حدود الدوائر الانتخابية. كذلك سوف يمثُل ماتينجلي كشاهد خبير في قضية أخرى هذا الصيف في ولاية نورث كارولينا.

وعلى الرغم من أن تلك النوعية من المعارك قد بدأت في الظهور فجأة في دول أخرى مثل المملكة المتحدة وأستراليا، فإن المخاطر مرتفعة للغاية في الولايات المتحدة. ولا تزال هناك قضايا مرفوعة ضد التلاعب الحزبي في الدوائر الانتخابية قيد النظر في جميع أنحاء البلاد، ومن المتوقع أن يؤدي تعداد للسكان مخطط إجراؤه في عام 2020 إلى إعادة ترسيم حدود الدوائر الانتخابية على الصعيد الوطني ككل. فإذا نجح علماء الرياضيات في عرض وجهة نظرهم، يمكن أن يؤثر ذلك على كيفية رسم تلك الخرائط.

تقول ميجان جول -عالِمة الاجتماع بلجنة المحامين للحقوق المدنية بموجب القانون في واشنطن العاصمة-: "هذا ما كانت المحاكم في انتظاره. هذا طريقنا نحو إيقاف ذلك الأمر".

 

ترسيم الحدود

في عام 1812 قام إلبريدج جيري -حاكم ولاية ماساتشوستس- بالتوقيع على مشروع قانون يقضي بإعادة ترسيم حدود بعض الدوائر الانتخابية لمصلحة الحزب الذي ينتمي إليه. كانت النتيجة ظهور دائرة انتخابية غريبة الشكل اتخذت شكلًا ملتويًا يشبه حيوان السلمندر يطوِّق مدينة بوسطن. تلقَّف الكتاب السياسيون الساخرون ذلك الموقف وأطلقوا على الدائرة الجديدة اسمًا يمزج بين اسم الحاكم جيري وحيوان السلمندر هو "جيري-ماندر" (Gerry-mander). منذ ذلك الحين صارت تلك الاستراتيجية مَعلمًا أساسيًّا من معالم السياسة الأمريكية؛ إذ قامت الهيئات التشريعية الرسمية بإعادة ترسيم الكتل التصويتية بمهارة إبداعية ملتوية.

يشار في الغالب إلى النهجين السائدين في عملية التلاعُب في الدوائر الانتخابية باسم التجميع والتفكيك (انظر: "الحدود الحزبية"). في النهج الأول، التجميع، تحاول الهيئات التشريعية التابعة للحزب والمكلفة برسم الخريطة حشد الناخبين المعارضين المحتملين في أقل عدد ممكن من الدوائر الانتخابية. أما نهج التفكيك فيشير إلى تشتيت أنصار الحزب المنافس وتوزيعهم على امتداد عدة دوائر انتخابية، مما يقلل من قدرتهم على انتخاب ممثل معين ويضمن النصر للحزب الحاكم.

كبر الصورة

تاريخيًّا، لم يسبق أن تدخلت المحكمة العليا في تلك العملية طالما كانت الدوائر الانتخابية تمتثل لأربعة معايير: أن تكون الدائرة متصلة، ومدمجة، وتضم العدد نفسه من الأشخاص تقريبًا، وتتيح للأقليات الفرصة لانتخاب ممثليهم وفقًا لقانون حقوق التصويت لعام 1965. وفي قضية عام 1986 المعروفة باسم "ديفيز ضد بانديمر"، وافقت المحكمة على أن تكون لها السُّلطة للتدخل في قضايا التلاعُب الحزبي في رسم الدوائر الانتخابية، ولكنها امتنعت عن ذلك لأنه كان ينقصها معيار واضح لبيان متى حدث التلاعب.

لم يكن ماتينجلي بوصفه متخصصًا في الإحصاء والاحتمالات قد منح تلك المسألة اهتمامًا كبيرًا من الناحية المهنية مطلقًا، ولكن ذلك الاهتمام العام بالعملية السياسية قاده إلى حضور لقاء جماهيري في عام 2013 سمع فيه أحد المتحدثين ينتقد بشدة نتائج انتخابات عام 2012 في ولاية نورث كارولينا. فعلى مدار ما يقرب من عشر سنوات، كان الحزبان الديمقراطي والجمهوري يتقاسمان أصوات الولاية في دوائرها الانتخابية التي يبلغ عددها 13 دائرة بشكل متساوٍ نسبيًّا. كان الديمقراطيون يحصلون أحيانًا على ستة مقاعد وفي أحيان أخرى على سبعة مقاعد. ولكن قيام الجمهوريين بإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية قبل انتخابات عام 2012 أدى إلى حصر الديمقراطيين في ثلاث دوائر فقط، وهو الأمر الذي ألحق ضررًا بالغًا بالحزب في تلك الولاية. فرغم أن مرشحي الحزب الديمقراطي حصلوا على نسبة 50.3% من عدد الأصوات، لم يستطع الحزب سوى الحصول على أربعة مقاعد فقط.

أصيب ماتينجلي بالدهشة لسببين: أولهما انفعال المتحدث في انتقاده، وثانيهما اللغز الذي طرحه ذلك الحديث. يقول: "لو كان الأمر يفتقر إلى العدالة بالفعل، فلا بد أن تكون هناك وسيلة لبيان ذلك بطريقة رياضية. أردت تجاوز ’قيل وقال‘ وابتكار شيء أكثر موضوعية". وعندما بدأ ماتينجلي في القراءة حول تلك المسألة، أدرك أنه قد أتيحت له الفرصة لابتكار المقياس الذي ظل القضاة يبحثون عنه طويلًا.

يتمخض عن استراتيجيتي التجميع والتفكيك بعض المؤشرات الدالة على التدخل؛ فالحزب المعارض غالبًا ما يفوز بأغلبية ساحقة في الدوائر التي تعرضت للتجميع، ولكنه يخسر بفارق ضئيل في الدوائر التي جرى تفكيكها. أما الدوائر التي تعرضت لتلاعب مكثف فتكون على الأرجح منتشرة على مساحة واسعة جغرافيًّا، وتكون أشكالها غريبة. بدأ ماتينجلي العمل مع إحدى طالباته -واسمها كريستي جريفز- على دمج تلك المقاييس في مؤشر كمي منفصل لقياس التلاعب في ترسيم حدود الدوائر الانتخابية لولاية نورث كارولينا.

بدأ الثنائي بالدوائر الانتخابية للولاية في 2012 والبيانات العامة التي قسمت الأصوات حسب الأحياء، ثم أدخلا آلاف التغييرات الصغيرة على حدود الدوائر الانتخابية، مع اختبار كل تكرار يحمل امتثالًا لمعايير المحكمة العليا الأربعة.

كان ضمان الاتصال، وفكرة تبايُن عدد السكان في كل دائرة بنسبة 0.1% فقط، أمرًا بسيطًا وواضحًا نسبيًّا. كذلك كان من السهل ضمان أن تشمل الخريطة عددًا تمثيليًّا من الدوائر التي تتشكل غالبيتها من الأمريكيين من أصول أفريقية ومن أصول لاتينية من أجل الامتثال لقانون حقوق التصويت.

ولكن تقييم مسألة الدمج كان يشكل تحديًا. كان من بين المشكلات أنه من الصعب عمل تحليل رياضي يبين أن دائرة انتخابية معينة تمتثل لمعيار كتابي غامض يشير إلى كونها "مدمجة". كذلك كانت هناك مشكلة أخرى تتمثل في أن علماء الرياضيات لديهم أكثر من 30 طريقة مختلفة لحساب دمج شكل ما، وكل طريقة منها تعطي نتائج مختلفة بشكل طفيف. ولا يوجد إجماع في الرأي بشأن ما هو الخيار الأفضل للدوائر الانتخابية. قضت عالِمة الرياضيات مون داتشين -بجامعة تافتس في ميدفورد بولاية ماساتشوستس- السنوات القليلة الماضية وهي تحاول ابتكار مقياس للدمج بخصوص التلاعب في ترسيم الدوائر الانتخابية. ولكن "المجال كله عبارة عن فوضى عارمة"، وفق قولها.

ومما يعقد الأمور بصورة أكبر أن الكثير من الدوائر الانتخابية تتميز بأشكال غريبة نتيجة لوجود الأنهار وغيرها من الحدود الطبيعية الأخرى. طوَّر ماتينجلي وجريفز مقياسًا للدمج جرى حسابه كما يلي: طول مربع محيط الدائرة الانتخابية مقسومًا على مساحتها، وهو أحد أشكال ما يُعرف باسم مقياس بولسبي-بوبر Polsby–Popper. تمتلك الدائرة أقل نسبة بين المحيط والمساحة، ولكن عندما تصبح الحدود متعرجة فتشمل مناطق معينة وتستبعد مناطق أخرى، يتسع المحيط وتزداد النسبة.

ومع توفر آلاف الخرائط ونتائج التصويت الناتجة عنها، أمكن لماتينجلي وجريفز البدء في تحليل طريقة التلاعب بالدوائر الانتخابية في ولاية نورث كارولينا. كانت ثلاث دوائر من بين الدوائر الانتخابية في الولاية وعددها 13 في انتخابات 2012 تضم ناخبين ديمقراطيين بنسبة تزيد على ثلاثة أرباع، وكانت تلك الدوائر بذلك الأكثر تجميعًا للديمقراطيين من أية خريطة من الخرائط التي رسمها الفريق بشكل عشوائي، حتى في الدوائر ذات الانتماء الشديد للديمقراطيين. رغم ذلك، فالأمر الأكثر دلالة كان التأثير على نتائج الانتخابات. فباستخدام الخرائط المرسومة عشوائيًّا، ذهبت 7.6 مقاعد إلى الديمقراطيين في المتوسط مقارنة بالمقاعد الأربعة التي حصلوا عليها في الواقع. (J. Mattingly and C. Vaughn Preprint at http://arxiv.org/abs/1410.8796; 2014). يقول ماتينجلي: "كلما زاد ما تعرفه، ازددت غضبًا".

كشف تحليل الباحثين للبيانات من ولايات أخرى عن تلاعُب حزبي في الدوائر الانتخابية لولاية ميريلاند ارتكبته الهيئة التشريعية التي يسيطر عليها الديمقراطيون لاستبعاد منافسيهم من المحافظين. أما الولايات الأخرى مثل أريزونا وأيوا التي لديها هيئات مستقلة أو مكونة من الحزبين تشرف على إنشاء الدوائر الانتخابية، فقد كان الوضع فيها أفضل. في تحليل منفصل، قام دانيل ماكجلون -محلل بيانات نظم المعلومات الجغرافية بشركة التكنولوجيا أزافي  Azavea في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا- بتصنيف الدوائر الانتخابية لكل ولاية باستخدام الدمج مقياسًا لاكتشاف التلاعب في حدود الدوائر الانتخابية، ووجد أن ولاية ميريلاند جاءت في صدارة الولايات من حيث الدوائر الأكثر تعرضًا للتلاعب. ثم جاءت نورث كارولينا في المرتبة الثانية، بينما كانت ولايات نيفادا ونبراسكا وإنديانا الأقل تعرضًا للتلاعب في دوائرها الانتخابية.

 

الارتقاء بالمستوى

في صيف عام 2016، التقى فريق من القضاة المتقاعدين الذين ينتمون إلى الحزبين بهدف تحديد ما إذا كان بإمكانهم إنشاء مجموعة أكثر تمثيلًا من الدوائر الانتخابية لولاية نورث كارولينا. منحت الخرائط التي وضعها ذلك الفريق لماتينجلي الفرصة لاختبار مؤشره. لاحظ ماتينجلي أن دوائر القضاة كانت أقل تعرضًا للتلاعب من 75% من النماذج التي تم توليدها حاسوبيًّا، وهي علامة على أن الخرائط مرسومة بشكل جيد وأنها تمثيلية. وبالمقارنة، كانت كل دائرة من الدوائر التي تم ترسيمها عن طريق الكمبيوتر وعددها 24 ألف دائرة أقل تعرُّضًا للتلاعب من الدوائر الانتخابية التي قامت بترسيمها الهيئات التشريعية للولاية في انتخابات 2012 أو 2016 على حد سواء، وهو ما ذكره ماتينجلي وجريفز وزملاؤهما في أبريل عام 2017 (Bangia, S. et al. Preprint at http://arxiv.org/abs/1704.03360; 2017).

يقول ماتينجلي: "هذه هي النتيجة التي يحدوني الأمل في أن تحصل على قوة دفع. فهي تبين أن نتائج الانتخابات لم تعبر عن إرادة الشعب في الواقع". عندما رأى ذلك العمل ممثلون من جماعة "القضية المشتركة" Com­mon Cause، وهي من الجماعات المؤيدة للديمقراطية ويقع مقرها في واشنطن العاصمة، طلبوا من ماتينجلي أن يَمثُل كشاهد خبير في قضية خاصة بالتلاعب الحزبي في الدوائر الانتخابية في ولاية نورث كارولينا سيتم البت فيها هذا الصيف. ومع ذلك يبقى السؤال للباحثين والقضاة: هل النهج الذي يتبناه ماتينجلي هو الأفضل؟

"نتائج الانتخابات لم تعبر عن إرادة الشعب في الواقع".

لا يزال علماء الرياضيات في ولايات أخرى يعملون على تطوير وسائل لتقييم التلاعب في ترسيم الدوائر الانتخابية. استطاعت ويندي تام تشو -عالِمة الإحصاء السياسي بجامعة إلينوي في إربانا-تشامبين- تصميم خوارزميات لرسم خرائط للدوائر الانتخابية باستخدام المعايير التي ينص عليها قانون الولاية، ولكنها لا تتضمن معلومات حزبية مثل تاريخ التصويت الخاص بمنطقة معينة. ومن خلال تغيير أهمية نتيجة الدمج أو مدى المساواة المطلوبة بين التجمعات السكانية المختلفة في كل دائرة، تتمكن تشو من توليد مجموعة جديدة من الدوائر الانتخابية. تقوم تشو بقياس مدى الانسجام بين الدوائر التشريعية القائمة للولاية ومليارات الخرائط غير الحزبية التي رُسمت بواسطة مجموعة الحاسبات الفائقة الخاصة بها. فإذا حدث انحراف بالغ، فالأرجح أن لدى الأشخاص الذين رسموا خريطة الدوائر تلك دوافع حزبية لترسيم الحدود بتلك الطريقة التي استخدموها، وفق ما تقول تشو.

ينتج النهج الذي تتبناه تشو خرائط أكثر عددًا من تلك التي ينتجها نهج ماتينجلي، وذلك يمنح نهجها أفضلية وفق ما تقول. ولكن ماتينجلي يرد بقوله إن خوارزمياته أكثر شفافية، ومن ثم يمكن استخدامها لحساب نتيجة ربما يفضلها القضاة. تتميز كلتا الاستراتيجيتين بالتقنية العالية، وبأنهما يتطلبان خبرة مهنية في التنفيذ والتفسير، وفق ما يقول سام وانج، عالِم الأعصاب بجامعة برينستون في نيو جيرسي، الذي يقوم بتحليل الانتخابات والتصويت في وقت فراغه بمدونة المجمع الانتخابي بجامعة برينستون Prince­ton Election Consortium. يقول وانج: "قالت المحكمة العليا إنها تبحث عن معيار ’يسهل التعامل معه‘. وربما يجد القضاة أنه من الأسهل فيما يخص المسائل الدستورية تجنب الاضطرار إلى استدعاء خبراء خارجيين".

أما نيكولاس ستيفانوبولوس -عالِم السياسة بجامعة شيكاجو في إلينوي فيتبنى نهجًا أكثر بساطة بكثير في قياس التلاعب في ترسيم الدوائر. قام ستيفانوبولوس بتطوير ما يسميه "فجوة الكفاءة" التي تقيس الأصوات المهدرة في الولاية، بمعنى جميع الأصوات التي ذهبت لمرشح خاسر في كل دائرة، وجميع الأصوات التي ذهبت للمرشح الفائز في الدائرة بنسبة تزيد عما هو مطلوب لتحقيق الفوز. فإذا حصل حزب واحد على عدد كبير من الانتصارات الساحقة والخسائر الماحقة مقارنة بمنافسيه، فربما يكون ذلك علامة على حدوث تلاعب في ترسيم الدوائر. يقول وانج إن قوة هذا المقياس تكمن في بساطته.

لكن داتشين تزعم أن المناهج التي تعمل على تحليل جانب واحد فقط من جوانب التلاعب في ترسيم حدود الدوائر -سواء أكان ذلك في صورة تفاوت كبير في مرات الفوز أو انخفاض نتائج الدمج- ليست مثالية. تفضل داتشين مقياسًا يتضمن تشكيلة متنوعة من العوامل المساهمة، مثل مقياس ماتينجلي.

رغم ذلك، يشكك مايكل ماكدونالد -عالِم السياسة بجامعة فلوريدا في جينسفيل- في صحة جميع تلك المقاييس الكمية؛ لأنها تعتمد على إيجاد عينة عشوائية لجميع الدوائر الانتخابية المحتملة، ومن المستحيل حساب مدى عشوائية العينة التي تبحثها تلك المقاييس، وفق زعمه. يقول ماكدونالد: "إن عدد الطرق المحتملة لترسيم حدود الدوائر الانتخابية في الولايات المتحدة يزيد على عدد الكواركات في الكون".

"عدد الطرق المحتملة لترسيم حدود الدوائر الانتخابية في الولايات المتحدة يزيد على عدد الكواركات في الكون".

كذلك ظهرت فجأة اتهامات بالتلاعب في ترسيم حدود الدوائر الانتخابية في المملكة المتحدة. حتى عشرين عامًا مضت كانت عملية إنشاء الدوائر الانتخابية بواسطة الهيئات الحدودية المستقلة عملية غير سياسية بدرجة كبيرة، وفق ما يوضح رون جونستون، الجغرافي بجامعة بريستول في المملكة المتحدة. وفي تسعينيات القرن الماضي، أدرك أنصار حزب العمال -الذي كان حينها في صفوف المعارضة- أن بإمكانهم التأثير على إنشاء دوائر انتخابية برلمانية بواسطة تقديم خرائطهم الخاصة إلى الهيئات الحدودية للنظر فيها، وهو الأمر الذي فتح الباب -كما يقول جونستون- أمام جميع الأحزاب الساعية نحو المنافسة على السلطة. يمكن لعملية الإصلاح الشامل التي تمضي قدمًا في الدوائر الانتخابية في المملكة المتحدة في الوقت الراهن خفض عدد أعضاء البرلمان بمعدل 50 عضوًا، ومن المتوقع أن تظهر النتيجة النهائية لعملية المراجعة التي تقوم بها الهيئات الحدودية في عام 2018. ويُتوقع من الأحزاب السياسية محاولة تغيير النتائج لصالحها، ولكن الحلول الكمية يمكنها المساعدة في تجريد العملية من الصبغة السياسية.

 

الحل يقترب

لا تزال الهيئات التشريعية في الولايات المتحدة مترددة بشأن تبنِّي حل رياضي لمسألة التلاعب في حدود الدوائر الانتخابية. ولكن القضايا المطروحة أمام المحاكم في الوقت الراهن تبيِّن أن الضغوط في ذلك الاتجاه في تصاعد مستمر، كما تقول جول. ففي القضية التي حملت اسم "ويتفورد ضد جيل" بولاية ويسكونسن، استخدم القضاة الفيدراليون مقياس فجوة الكفاءة للحكم بأن ترسيم الدوائر الانتخابية للولاية يُعَدُّ ضربًا من التلاعب الحزبي غير الدستوري. وربما يؤول الوضع إلى طرح هذه القضية أمام المحكمة العليا في وقت لاحق من العام الحالي.

إذا تعيَّن على القضاة قبول اختبار رياضي للتلاعُب في ترسيم حدود الدوائر الانتخابية، فإنهم سوف يكونون بحاجة إلى الاستعانة بشهود من أصحاب الخبرة مثل ماتينجلي لشرح وتوضيح طريقة عمل تلك الاختبارات والأسباب الداعية لاستخدامها. ولكن عدد علماء الرياضيات الذين يبحثون في هذا الموضوع لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وبالتالي لن يكون ذلك كافيًا للقضايا المنتظَر البت فيها. وحتى لو استقر عزم المحاكم على استخدام مقياس موحد، فلربما احتاج القضاة إلى خبير في كل قضية على حدة. هذا هو السبب الذي دفع داتشين إلى تنظيم معسكر صيفي مدته أسبوع لمساعدة علماء الرياضيات على تعلُّم الدقائق الأساسية لنماذج التلاعب المتنوعة وكيفية تطبيقها وشرحها. توقعت داتشين ألا يزيد عدد المسجلين للاشتراك في المعسكر عن 50 شخصًا، ولكن عدد الطلبات فاق الألف. تقول: "أدهشتنا تلك الاستجابة بدرجة كبيرة"، وسيجري تنظيم العديد من المعسكرات الآن.

سوف يكون لماتينجلي ونموذجه يوم مشهود في ساحات المحاكم هذا الصيف. فحتى لو لم تصبح خوارزمياته هي المعيار السائد، يأمل ماتينجلي في أن يجد النظام القضائي وسيلةً لوقف التلاعب واستعادة الثقة بالنظام الانتخابي، ويقول: "أنا أيضًا مواطن في هذه البلاد".