أخبار

النجوم النيوترونية تبوح بأسرارها

بعثة فضائية تُمعن النظر في المادة الأكثر كثافة في الكون.

إليزابيث جيبني
  • Published online:

على مدار نصف قرن، ظل علماء الفلك والفيزياء ينظرون إلى النجوم المشعة (pulsars) ويتساءلون: "كيف؟" كيف يمكن لشيء بحجم مدينة أن يحتوي على كتلة أكبر من كتلة الشمس؟ كيف تنظم المادة نفسها لتصل إلى مثل هذه الكثافات المذهلة المحيرة للعقول؟ إن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة داخل المختبرات أمرٌ مستحيل، غير أن هناك بعثة فضائية كان من المقرر إطلاقها في الأول من يونيو الماضي، يمكنها الإجابة عن بعضها. فللمرة الأولى، يتمكن علماء الفلك من إلقاء نظرة فاحصة متمعنة داخل القلوب المثقلة لتلك النجوم الدوارة الغامضة.

يقول تيتسو هاتسودا -عالِم الفيزياء النظرية في برنامج "ريكن" RIKEN للعلوم النظرية والرياضية ذات التخصصات المتعددة، في سايتاما باليابان-: "إنها خطوة كبيرة حقًّا نحو فهم خواص المادة الأكثر كثافة في الكون. فقد كانت حالة المادة ذات الكثافة الفائقة الموجودة في قلب النجم النيوتروني واحدة من المشكلات المستعصية في الفيزياء النووية والفيزياء الفلكية، منذ أول اكتشاف للنجوم المشعة".

النجوم المشعة هي نجوم نيوترونية، تطلق حزم إشعاعية في أثناء دورانها، وهي سمة مكَّنت من اكتشافها في عام 1967. تتكون النجوم النيوترونية من البقايا المنهارة لنجوم منفجرة، أما كيفية تنظيم المادة نفسها بداخلها فهي مسألة لها آثارها على الطريقة التي تتفاعل بها الجسيمات من خلال القوى الأساسية، وكذلك على فهمنا للثقوب السوداء وغيرها من الأجرام الكونية.

تقول ناتالي ديجينار -عالِمة الفيزياء الفلكية بجامعة أمستردام-: "قد تكون هذه هي المرة الأولى التي نحصل فيها على محدِّدات واضحة للغاية بشأن ما تبدو عليه النجوم النيوترونية من الداخل" (انظر: "داخل نجم نيوتروني"). فعند وصول مستكشف البنية الداخلية للنجم النيوتروني، "نايسر" NICER، التابع لوكالة "ناسا" –وهو عبارة عن صندوق بحجم الغسالة المنزلية- إلى محطة الفضاء الدولية، فسوف يقوم باستخدام الأشعة السينية المنبعثة من البقاع الساخنة في أقطاب النجوم الدوارة؛ لحساب أحجام تلك النجوم.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

كبر الصورة

Source: Adapted from NASA Goddard SVS

إن الحجم مهم؛ لأن كبر حجم النجم يوحي بوجود نواة صلبة، قادرة نسبيًّا على تحمُّل ضغط الجاذبية، وهو ما يعني أنها على الأرجح مكتظة بشدة بنيوترونات يصطدم بعضها ببعض بفعل قوة ضغط أكبر من ذلك الموجود في النوى الذرية. أما النجم الأصغر والمنضغط أكثر فمن شأن نواته أن تكون رخوة؛ إذ يمكن أن تذوب النيوترونات في بحر من الكواركات المكونة لها. وتشمل التصورات الأخرى -الأكثر غرابة– أن تكون النواة مكونة من "هيبرونات"، تضم بداخلها كواركات "غريبة" أثقل وزنًا.

"يمكننا استخدام النجوم المشعة كوسيلة للسفر عبر النظام الشمسي وما وراءه".

سوف يقوم المستكشف "نايسر" بتحديد أنصاف أقطار النجوم عن طريق دراسة كيفية انحناء الضوء المنبعث منها تحت تأثير مجالات الجاذبية الضخمة خاصتها. عند رؤية الضوء من محطة الفضاء، يبدو أكثر خفوتًا حين ينبعث الشعاع نحو نقطة بعيدة، ولكنه يظل مرئيًّا؛ لأن مجال جاذبية النجم يحوِّل اتجاه قدر من الضوء نحونا مرة أخرى. ومن شأن مدى خفوت الضوء عندما يتجه الإشعاع بعيدًا أن يكشف لعلماء الفلك معلومات عن مجال الجاذبية هذا، وبالتالي عن نسبة كتلة النجم إلى نصف قطره. وعند إضافة ذلك إلى مقياس للكتلة -مشتق من دراسة توقيت وصول الأشعة السينية وطاقتها، والتي تتأثر ببعض الخصائص الأخرى للنجم- يستطيع علماء الفلك استنباط حجم النجم بمستوى دقة يفوق بضعفين مستوى الدقة الذي حققته البعثات السابقة.

ولكن من أجل تحليل تلك التأثيرات المعقدة، يحتاج "نايسر" إلى تعظيم كمية الفوتونات التي يجمعها إلى أقصى حد، وتوجيهها عبر 56 تلسكوبًا مصممة للمراقبة عند الطرف الأحمر من طيف الأشعة السينية، حيث يكون أكبر سطوع للكثير من النجوم النيوترونية. وبعد ذلك سيقوم بتسجيل توقيت وصولها في كاشف من السيليكون، بدقة غير مسبوقة تتجاوز 100 نانو ثانية. يقول رونالد ريميلارد -عالِم الفيزياء الفلكية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، والذي سيستخدم المستكشف "نايسر" لرصد المادة التي تسقط في الثقوب السوداء بمجرد انتهاء المركبة من مهمتها الأولية لرصد النجوم المشعة-: "إن قدرته على حساب التوقيت أفضل بشكل مذهل من محاولات كل مَن سبقوه".

سوف تختبر البعثة أيضًا نوعًا جديدًا من الملاحة يمكن أن يتيح للمركبات الفضائية المستقبلية تحديد مواقعها من دون الحاجة إلى الاعتماد على التلسكوبات الموجودة على الأرض. وتمامًا كما يستخدم النظام العالمي لتحديد المواقع (GPS) تكات الساعات الذرية الخاصة بالأقمار الصناعية لتحديد موقع المستقبِل بالتثليث، فإن ملاحة النجوم المشعة سوف تستعين بتوقيتات وصول الضوء من هذه النجوم الوامضة بانتظام. وسوف يستكشف "نايسر" عشرة نجوم مشعة، لاختبار إمكانية استخدامها في نظام كهذا.

وفي حال نجاح الأمر، فإن بعثات الفضاء "أوريون" Orion التي تخطط لها وكالة ناسا قد تستخدم تكنولوجيا ملاحة النجوم المشعة كنظام احتياطي للملاحة التقليدية، كما يقول كيث جيندرو، عالِم الفلك بمركز جودارد لرحلات الفضاء في جرينبلت بولاية ماريلاند، والباحث الرئيس في البعثة. ويضيف جيندرو قائلًا: "يمكننا استخدام النجوم المشعة كوسيلة للسفر عبر النظام الشمسي وما وراءه".