أخبار

الجهاز المناعي الجنيني يعمل بنشاط داخل الرحم

تمتلك الأجنة البشرية أجهزة مناعية تعمل على نحو مختلف عن الأجهزة المناعية لدى البالغين.

هايدي ليدفورد
  • Published online:
بحلول الأسبوع الثالث عشر من الحمل، تكون الأجنة البشرية قد طورت أجهزة مناعية أكثر تفردًا وإثارة للدهشة مما كنا نظن سابقًا.

بحلول الأسبوع الثالث عشر من الحمل، تكون الأجنة البشرية قد طورت أجهزة مناعية أكثر تفردًا وإثارة للدهشة مما كنا نظن سابقًا.

Dopamine/SPL

يكون الجنين البشري في الثلث الثاني من الحمل منهمكًا في العمل؛ إذ يقوم بتطوير الجلد والعظام، والقدرة على السمع والبلع، وتنشيط الحركة الأولى للأمعاء. اكتشفت دراسة نُشِرَت في الرابع عشر من يونيو بدورية Nature أن الأجنة تكتسب أيضًا أجهزة مناعية فعالة تستطيع التعرُّف على البروتينات الغريبة، ولكنها أقل نزوعًا للهجوم من الأجهزة المناعية للبالغين (N. McGovern et al. Nature http://dx.doi.org/10.1038/nature22795; 2017).

تمثل تلك النتائج إضافة للمؤلفات العلمية المتنامية التي تبين أن الأجهزة المناعية الجنينية أكثر نشاطًا مما سبق تقديره. يقول جيكوب مايكلسون -عالِم المناعة بمعهد كارولينسكا في ستوكهولم-: "في المراجع العامة، تجد أن مفهوم الجنين غير المتجاوب ما زال سائدًا". ويضيف أن الجهاز المناعي متفرد؛ "فهو ليس مجرد جهاز غير ناضج، بل هو مميز".

إن الجنين النامي يتعرض باستمرار لبروتينات وخلايا غريبة تنتقل إليه من الأم عبر المشيمة. ويقول مايك ماكون -عالِم المناعة بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو-: إن هذا التعرض أكثر اتساعًا وشمولًا لدى البشر منه لدى العديد من الثدييات الأخرى. ونتيجة لذلك، تبيَّن أن فئران المختبرات تمثل نموذجًا رديئًا لدراسة نمو جهاز المناعة البشري.

لكن فهم هذا التطوُّر على نحو كامل يمكن أن يكشف عن أسباب بعض حالات الإجهاض، كما يمكن أن يفسر حالات مقدمات الارتعاج (تسمم الحمل) المقترنة باستجابات مناعية شاذة للحمل، وتتسبب فيما يصل إلى 40% من حالات الولادة المبكرة. ولطالما اهتم جراحو زراعة الأعضاء منذ زمن طويل بالكيفية التي يتحمل بها الجنين النامي والأم بعضهما بعضًا دون أن يشن أيهما هجومًا مناعيًّا على الآخر، وذلك على أمل اكتشاف وسائل لكبت هجوم الجهاز المناعي على الأعضاء المزروعة.

من وجهة نظر جيري تشان - طبيب التوليد وأمراض النساء بمستشفى كيه كيه للنساء والأطفال بسنغافورة - كان فهم الجهاز المناعي للجنين أمرًا مهمًّا من أجل هدفه المتمثل في تطوير علاجات الخلايا الجذعية والعلاجات الجينية للاضطرابات الوراثية في الأجنة النامية. أراد تشان وزملاؤه معرفة ما إذا كان هناك طور نمو يمكن عنده إعطاء تلك العلاجات دون مواجهة خطر تعرُّضها للهجوم من قبل الجهاز المناعي.

ومن أجل تحقيق ذلك، تعاون تشان مع فلورينت جينوكس، عالِم المناعة بوكالة العلوم والتكنولوجيا والبحوث في سنغافورة، بهدف دراسة الخلايا المتغصنة، وهي خلايا مناعية تعمل على تكسير المواد الغريبة وتقوم بتقديم أجزاء منها لخلايا مناعية أخرى تسمى الخلايا التائية. ومن ثم تنشط بعض الخلايا التائية لاستهداف تلك المواد الغريبة لتدميرها.

اكتشف الفريق أن الأجنة البشرية تمتلك خلايا متغصنة فعالة بحلول الأسبوع الثالث عشر من الحمل. ولكن على الرغم من أن تلك الخلايا تتصرف بطريقة مشابهة للنسخ البالغة، فإن استجابتها للبروتينات البشرية الغريبة مختلفة؛ فبدلًا من وسم المادة الغريبة من أجل إبادتها، تميل الخلايا المتغصنة الجنينية إلى تنشيط فئة خاصة من الخلايا التائية تسمى الخلايا التائية التنظيمية، والتي تثبط الاستجابات المناعية.

قد يعكس هذا الحاجة إلى تجنُّب استجابة مناعية كارثية ضد خلايا الأم. يقول جينوكس: "لسنا نرغب في حدوث استجابة مناعية أقوى مما ينبغي لدى جنين نامٍ. هذا خطير للغاية، وتلك نقطة حرجة في مراحل النمو".

يقول جينوكس إن دراسات سابقة اكتشفت وجود خلايا مناعية متخصصة - من بينها الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية - في أجنة صغيرة جدًّا لا يتجاوز عمرها تسعة أسابيع.

ويقول مايكلسون إن اكتشاف الخلايا المتغصنة أمر شديد الأهمية؛ لأن تلك الخلايا تنسق الاستجابات المناعية، ومن دونها لا يستطيع الجسم استهداف مادة غريبة محددة من أجل تدميرها.

يقول ويليام برلينجهام - عالِم مناعة زراعة الأعضاء بجامعة ويسكونسن في ماديسون-: إن هذه النتائج تلقي الضوء على حقيقة أن الجهاز المناعي للجنين ليس مجرد نسخة غير ناضجة وأقل نشاطًا من نظيره الناضج، وإنما هو جهاز له وظيفة خاصة به.

كان مختبر برلينجهام يدرس استجابات المناعة الجنينية بغية إيجاد سبل لمساعدة متلقي الأعضاء على التكيُّف مع الأعضاء الجديدة دون الاعتماد على عقاقير مثبطة للمناعة. ولكن الضجة السياسية التي ثارت في الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية حول البحوث التي تستخدم الأنسجة الجنينية جعلته يتجه إلى دراسة الجهاز المناعي لحديثي الولادة والذي غالبًا ما يعمل بطريقة أشبه بطريقة عمل جهاز المناعة الناضج. 

يقول ماكون إن دراسة دورية Nature تلقي الضوء على الكيفية التي يمكن أن تدفع بها مجالات بحثية عديدة ثمن هذا التحول. ويضيف: "من المهم بالنسبة لنا أن نفهم وظيفة الجهاز المناعي الجنيني البشري؛ حتى نتمكن من معالجة الأجنة التي تواجه متاعب. وُيعد تحليل خلايا البالغين وحديثي الولادة - كما صرنا نعلم الآن - أمرًا غير ذي صلة؛ فالجهاز المناعي الجنيني مختلف".