أخبار

فيروسات معدَّلة تميت البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية

الميكروبات المعدَّلة وراثيًّا تستخدم "كريسبر"؛ لجعل الاستجابة المناعية البكتيرية تنقلب على نفسها.

سارة ريردون
  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

AMI Images/SPL

قد تكون الفيروسات المعدَّلة وراثيًّا، التي تدفع البكتيريا لقتل نفسها، هي الخطوة التالية في مكافحة العدوى الناتجة عن العوامل المُمْرِضة المقاوِمة للمضادات الحيوية.

قامت عدّة شركات بالتعديل الوراثي لفيروسات كهذه، تُدعى "العاثيات البكتيرية"؛ لتستخدم نظام التحرير الجيني "كريسبر" CRISPR؛ لقتل أنواع محددة من البكتيريا، وذلك وفقًا لعرض قُدّم في شهر يونيو الماضي في مؤتمر "كريسبر 2017" في بيج سكاي، مونتانا. وبوسع هذه الشركات أن تبدأ تجارب إكلينيكية للعلاجات مع بداية العام المقبل.

نجحت الاختبارات الأولية في إنقاذ الفئران من إصابتها بعدوى البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية، التى كانت ستقضي عليها، إنْ لم يتم علاجها، حسب قول رودولف بارانجو، كبير المسؤولين العلميين في شركة "لوكوس بيوساينسز" في منطقة "ريسيرتش تريانجل بارك" بولاية نورث كارولينا، في كلمته في المؤتمر.

لطالما استُخدمت العاثيات البكتيرية المعزولة والمُنَقَّاة من البرية لعلاج العدوى لدى الناس، وخاصة في أوروبا الشرقية. تصيب هذه الفيروسات أنواعًا أو سلالات معينة من البكتيريا فقط، ولذا، فإن تأثيرها على المجمعات الميكروبية الطبيعية، أو الميكروبيوم، في الجسم البشري  لا يُذكر، مقارنةً بتأثير المضادات الحيوية. ويُعتقد بشكل عام أنها آمِنة للغاية للاستخدام البشري.

ولكن تطوُّر العلاج بالعاثيات بطيئًا، ويرجع ذلك – جزئيًّا - إلى أن هذه الفيروسات توجد بشكل طبيعي، وبالتالي لا يمكن تصنيعها. كما تستطيع البكتيريا أن تطوِّر مقاوَمةً للعاثيات الطبيعية بسرعة، وهذا يعني أنه يتعين باستمرار على الباحثين عزل عاثيات جديدة، يمكنها التغلب على السلالات أو الأنواع البكتيرية نفسها، حيث سيكون من الصعب على الهيئات التنظيمية الاستمرار في مَنْح الموافَقات لكل علاج جديد.

الموت برعاية "كريسبر"

لتفادي هذه المشكلات، تسعى "لوكوس"، وعدد من الشركات الأخرى، لتطوير عاثيات تحوِّل الجهاز المناعي البكتيري المعروف باسم كريسبر ضد نفسه. تسطو عاثيات "لوكوس" على نظام الدفاع العادي الخاص بالبكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية، والمحرَّر بتقنية كريسبر. ينتج الحمضُ النووي DNA - الذي تُدخله العاثيات - الحمضَ النووي الريبي الإرشادي RNAs المعدَّل، الذي يحتل جزءًا من الجينات المقاوِمة للمضادات الحيوية.

وبمجرد أن يتعلق الحمض النووي الريبي الإرشادي بالجينات المقاومة، فإنه يستنهض إنزيمًا يُدعى "كاس3" Cas3 – تنتجه البكتيريا في الأحوال الطبيعية لقتل العاثيات - لتدمير هذا التسلسل الجيني، بدلًا من ذلك. وفي النهاية  يدمر "كاس3" كل الحمض النووي، مؤديًا إلى قتل البكتيريا.

تلجأ شركة أخرى، هي "إليجو بيوساينس" في باريس، إلى نهج مماثل. فقد أزالت جميع التعليمات الوراثية التي تتيح تكاثر العاثيات، وأدخلت حمضًا نوويًّا يشفّر الحمض النووي الريبي الإرشادي، والإنزيم البكتيري "كاس9" Cas9. يعمل "كاس9" على قطع الحمض النووي للبكتيريا في نقطة محددة، ويدفع هذا القطع بالبكتيريا إلى تدمير ذاتها. سوف يستهدف هذا النظام مسبِّبات أمراض الجهاز الهضمي البشري، حسب قول خافيير دوبورتيه، الرئيس التنفيذي لشركة "إليجو"، على الرغم من رفضه تحديد أيّها يعني.

وتأمل الشركتان في بدء التجارب الإكلينيكية خلال 18-24 شهرًا. ويتمثل هدفهما الأول في علاج حالات العدوى البكتيرية التي تصيب بأمراض خطيرة، ولكنهما في النهاية تريدان تطوير عاثيات، من شأنها أن تتيح لهما هندسة الميكروبيوم البشري بدقة، عن طريق إزالة البكتيريا الموجودة طبيعيًّا، المرتبطة بحالات مرضية، مثل السمنة، والتوحّد، وبعض أنواع السرطان. يقول بارانجو: "نعتقد أننا سنتمكن من الوصول إلى أي موضع داخل جسم الإنسان، والقضاء على أي بكتيريا نختارها".

يعترف كل من بارانجو، ودوبورتيه بأن الارتباط السببي في الوقت الراهن بين الميكروبيوم البشري وهذه الحالات ضعيف في أفضل الأحوال، ولكنهما يأملان في فَهْم أفضل لهذا الارتباط، ريثما يثبت أمان وفعالية علاجاتهما في البشر. وربما تتيح العاثيات للباحثين أيضًا التحكم في ميكروبيومات حيوانات التجارب، وهو ما قد يساعدهم على فهْم كيفية تأثير أنواع معينة من البكتيريا على حالات معينة، مثل التوحد، حسب قول تيموثي لو، عالِم البيولوجيا الاصطناعية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، والمؤسس المشارك في شركة "إليجو".

تعمل شركات أخرى على دفع العاثيات لأداء مهام مختلفة. ويمكن للعاثيات ’فائقة القوة‘ - التي ابتكرتها مجموعة في شركة "سينثيتك جينومكس" في لاهويا، كاليفورنيا - أن تمتلك عشرات المواصفات الخاصة، بما في ذلك الإنزيمات التي تفكِّك الأغشية الحيوية، أو البروتينات التي تساعد على إخفاء العاثيات من الجهاز المناعي البشري.

وما زال يتعين على العاثيات المهندَسة التغلب على بعض العقبات؛ فقد يحتاج علاج العدوى إلى قَدْر كبير من العاثيات، حسب قول إليزابيث كوتر، المتخصصة في الأحياء الدقيقة في كلية إيفرجرين الحكومية في أولمبيا، واشنطن. وليس واضحًا ما إذا كان هذا الأمر سيحفز استجابات مناعية، ربما يتداخل بعضها مع العلاج، أم لا. كما يُحتمل أن تتمكن العاثيات من نقل الجينات المقاوِمة للمضادات الحيوية إلى البكتيريا غير المقاوِمة، وفقًا لقولها.

يضيف لو قائلًا إنّ البكتيريا قد تستمر في تطوير المقاوَمة، حتى تجاه العاثيات  المعدَّلة وراثيًّا. ولذا، قد يتعين على الباحثين تعديل العاثيات مرارًا؛ لمواكبة الطفرات البكتيرية.

وتقول كوتر إنه مع انتشار مقاوَمة المضادات الحيوية، ستكون هناك مساحة كبيرة للعلاجات، التي تَستخدِم كلا من العاثيات  المعدَّلة وراثيًّا، والعاثيات الطبيعية، التي تزداد رواجًا كذلك. وتضيف: "أعتقد أنها ستكون مكمِّلة للمهام التي تستطيع العاثيات الطبيعية القيام بها، والتي تطورت على مدار مئات الآلاف من السنوات".