أخبار

تقنية "كريسبر" للتحرير الجيني تسعى لإنتاج طماطم مثالية

علماء الوراثة يصحِّحون التفاعلاتِ الضارةَ لاثنتين من الطفرات النباتية المرغوبة.

هايدي لِدفورد
  • Published online:
زُرعت الطماطم منذ القِدَم على مدار آلاف السنين.

زُرعت الطماطم منذ القِدَم على مدار آلاف السنين.

Philippe Huguen/AFP/Getty

مِن ثمرةٍ عملاقة إلى نباتات مُكتَنِزة، هكذا تَشَكَّلت الطماطم الحالية، من خلال الاستنبات على مدار آلاف السنين، لكنّ الطفرات المرتبطة بصفات ثمينة – مثل تلك التي تجعل الثمرة سهلة الحصاد – تُنتِج نباتًا غير مرغوب فيه، وذلك عندما تجتمع مع بعضها البعض، حسبما اكتشف علماء الوراثة.

وذلك مثال نادر لِجِينٍ سُخِّرَ في أثناء تعديل النبات، وأعاق جهودَ تحسينِ المحصول فيما بعد، كما يقول عالِم الوراثة زَكاري لِبمان من مختبر "كولد سبرينج هاربور" في نيويورك. فبعد تحديد الطفرات، استخدم لبمان وزملاؤه تقنية "كريسبر" للتحرير الجيني؛ لتصميم نباتاتٍ أكثرَ إنتاجية، وهي استراتيجية يتوق المزارعون إلى إدخالها.

"إنه أمر مثير للغاية"، كما يقول رود وينج، المتخصص في علم وراثة النبات بجامعة أريزونا في توسون، الذي يضيف قائلًا: "يمكن تطبيق هذا النهج من أجل تحسين المحصول، ليس فقط في الطماطم، ولكن في جميع المحاصيل".

يَعرِفُ لبمان طريقَه في مزرعة الطماطم. ففي فترة المراهقة، كان يقضي فصول الصيف في التقاط الثمار بيديه، وهي مهمة كان يكرهها. إنّ "الطماطم متعفنة، وتظل رائحتُها تلازمك طوال اليوم"، كما يقول، ويضيف: "دائمًا ما كنت أدعو أن يهطل المطر في يوم جَمْع محصول الطماطم".

لكن بعد سنوات، أعادَه اهتمامُه بقواعد علم الوراثة - التي تتحكم في شكل النبات - إلى حقول الطماطم ثانيةً، ليكشف التغيرات الوراثية التي صنعها المزارعون، دون أن يعلموا. في خمسينيات القرن الماضي، عثر الباحثون على صفة جديدة في سلالة بريَّة ذات صلة بالطماطم، تنمو في جُزُر جالاباجوس، إذ كانت تفتقر إلى ذلك الجزء المنتفخ من الساق، الذي يُسمَّى "المِفْصَل".

والمفاصلَ هي مناطق ضعيفة في ساق النبات، تسمح بتساقط الثمار منه. وتستفيد النباتات البرية من عملية تساقط الثمار تلك، إذ إنها تساعد على تناثر البذور. وبظهور آلات جمْع الطماطم، أراد المزارعون لثمارهم أن تبقى على فروع النبات، وسارعوا إلى إدماج صفة "غياب المِفْصَل" في الطماطم الخاصة بهم، بيد أن هذه الصفة صاحبها جانبًا سلبيًّا، فعندما تم إدماجها في سلالات الطماطم الموجودة؛ أصبحت للنباتات الناتجة فروع حاملة للأزهار، أنتَجت فروعًا إضافية كثيرة، فبدت كمقَشَّة، في نهايتها مجموعة من الأزهار. وكانت كثرة الأزهار بمثابة استنزاف لموارد النبات، وهو ما يقلل عدد الثمار الناتجة. ومن ثم، استمر المزارعون ينتخبون الأصنافأصنافًا وراثية أخرى؛  أبطلت هذا العيب، لكنْ بعد عقود، أخذ فريق لبمان يبحث عن الجينات المسؤولة عن هذه الظاهرة.

صَوابان يصنعان خطأً

فحصَ الباحثون في السابق 4,193 صِنفًا من الطماطم؛ بحثًا عن النباتات ذات أنماط التفرُّع غير العادية (Z. B. Lippman et al. PLoS Biol. 6, e288; 2008). ومن تلك المجموعة، تَعَقَّبوا الأشكال المختلفة لجينين، سَبَّبا معًا تفرعًا مفرطًا يشبه ما رآه مزارِعو النباتات. أحد الجينين - حسبما أورد الفريق في بحثٍ نُشِرَ في دورية "سِل" Cell على الموقع الإلكتروني، في الثامن عشر من مايو (S. Soyk et al. Cell http://doi.org/b7gp; 2017) - هو المسؤول عن خاصية غياب المفصل.

أما الجين الآخر، فيميل إلى تكوين قبعة خضراء ضخمة، من بِنى تشبه الأوراقَ، تظهر على قمة الثمرة - وهي صفة انتُخِبَت منذ آلاف السنين، في الفترات المبكرة لاستزراع الطماطم، إلا أن الفوائد الناجمة عن هذه الصفة غير واضحة، كما يقول لبمان، لكنها ربما ساعدت النباتَ على حمْلِ ثمارٍ أثقل وزنًا.

وبالكشف عن هذين الجينين، استخدم فريق لبمان تقنية "كريسبر-كاس9" للتحرير الجيني؛ من أجل التخلص من تأثيرهما، وكذلك تأثير جينٍ ثالثٍ يؤثر أيضًا على عدد الأزهار، في توليفات مختلفة. وقد خلقَ ذلك مجموعةً من البِنى النباتية المختلفة، بدايةً من فروع حاملة للأزهار، مغزلية وطويلة، حتى مجموعات من الأزهارِ الكثيفة الشبيهة بالقرنبيط. وقد تَحَسَّنَ إنتاجُ بعض النباتات.

ومن شأن هذه الاكتشافات أن تساعد على تخفيف الشكوك الموجودة لدى المزارعين حول مسألة أن التفاعلات السلبية التي تجري بين الصفات الوراثية المرغوبة هي قوة يجب وضعها في الحسبان، حسبما يقول أندرو باترسون، أحد مستنبِتي النباتات في جامعة جورجيا بمدينة أثينا. وكانت الفكرة موضعَ جدلٍ، كما يقول، بسبب صعوبة تحديد التأثيرات إحصائيًّا.

ويعمل فريق لبمان حاليًّا مع مستنبِتي النباتات، لاستخدام التحرير الجيني؛ لإنتاج طماطم لها فروع وأزهار تتناسب مع حجم الثمرة، فالنباتات ذات الثمار الأكبر حجمًا، على سبيل المثال،  قد تنتِج محصولًا أفضل من النباتات ذات الثمار الأصغر عندما يقلّ عدد فروعها المزهرة.

يقول لبمان: "نحن نسعى إلى فهم الأسس المعرفية، وتطبيقها في الزراعة. ومن المفارقة أن يكون ذلك مع المحصول الذي كنت أنفر من حصادِه في المزرعة".