أخبار

إجراءات صارمة ضد التلاعب بتجارب الدواء بالصين

يواجه الباحثون والمُصَنِّعون احتمال السَّجْن أو الإعدام، لتقدُّمِهم بطلباتٍ احتيالية إلى إدارة الأدوية الصينية.

ديفيد سيرانوسكي

  • Published online:
تكافِح الصين لتزيد من سرعة وصرامة إجراءاتها الخاصة باعتماد الأدوية.

تكافِح الصين لتزيد من سرعة وصرامة إجراءاتها الخاصة باعتماد الأدوية.

Jacky Chen/REUTERS

قد ينتهي المطاف بأولئك الذين يقدِّمون بياناتٍ ملفَّقةً خاصة بتجارب إكلينيكية إلى دخول السجن، أو إلى الإعدام - في الحالات القصوى –وذلك في ضوء تفسير جديد للقانون الجنائي الصيني، الذي أُعلِنَ عنه في شهر إبريل الماضي.

تأتي هذه النقلة في سياسة الدواء ضمن حزمة إجراءات تنفِّذها الصين لتسريع عملية التصريح بالأدوية التي تشتهر بالبطئ الشديد، ولتطهير السوق من الأدوية غير الفعالة أو الخطرة . وتُعَدّ هذه الخطوة هي "أقوى تحذير حتى الآن لكل مُصنعي العقاقير، والقائمين على التجارب الإكلينيكية، وكبار الباحثين والأطباء، بأن الصين الآن جادَّةٌ جدًّا فيما يتعلق بالبيانات الإكلينيكية"، حسب قول دان جانج، المدير التنفيذي لمؤسسة "فاونتين مِدِيكال ديفيلوبمِنْت" Fountain Medical Development التي تتخذ من بكين مقرًّا لها، والتي تساعد الشركات على إجراء البحوث الإكلينيكية، وتُعَدّ هي نفسها واقعة تحت طائلة المساءلة، طبقًا للسياسات الجديدة.

ظهرَ ملمحٌ لعُمْق المشكلة، بعد أن أصدرت "إدارة الأغذية والأدوية الصينية" CFDA في عام 2015 أمرًا للشركات بإعادة تقييم "صحة ونزاهة ومطابقة بيانات التجارب الإكلينيكية" في طلبات التصريح بأدوية جديدة. أعلمت الوكالةُ الشركاتِ بأنه إذا اكتَشف مُحَقِّقوها لاحقًا أيَّ انتهاكات، فإن الشركات لن يصبح بمقدورها التقدم بطلبات اعتمادٍ لأدوية أخرى. وتبعًا لوثائق إدارة الغذاء والدواء الصينية، فإن أكثر من 80% من الطلبات سَحْبُها المتقدمون بها بمحض إرادتهم، وتم لاحقًا رفض ربع الطلبات الباقية، بسبب مشكلات في صحة البيانات.

سوف تُوَسِّع السياسةُ الجديدة مظلةَ القوانين الحالية؛ لتغطي التقدم ببيانات التجارب الإكلينيكية، حسبما يقول ليو يِي، وهو محامٍ يتولى القضايا الطبية في "شركة هايشانج للمحاماة" Haishang Law Firm في شنجهاي.

وكان تصنيع النُّسَخِ المزيفة من الأدوية وبَيْعها أمرين مُجَرَّمَييْن بالفعل، لكن التقدمَ ببياناتٍ ملفقةٍ في إطار عملية الترخيص كان اختصاص غير خاضع للوائح القانونية، حسبما يقول سُو لِنْج، مدير معهد العلوم المنظِّمة للعقاقير بجامعة شينيانج لعلوم الصيدلة، والشريك المساهم في صندوق استثمار "ليلي إيشان فنشرز" Lilly Asian Ventures. أجازت  لجنةُ مراجعةٍ قضائية السياسة الجديدة في يوم 10 إبريل، وسوف تدخل حيز التنفيذ عندما تنشرها المحكمة العليا، وهو ما يُتوقَّع أن يتم في غضون أشهر قليلة. وبموجب القانون نفسه، مَن يتقدم ببياناتٍ ملفقةٍ عن تجارب إكلينيكية يعتبر مذنبًا شأنه شأن المُزَوِر.

وطِبقًا لهذا القانون، إذا تَسَبَّبَ العقارُ الذي تمت إجازته في مشكلات صحية، فمن الممكن أن يؤدي ذلك إلى السجن مدة عشر سنوات، أو إلى عقوبة الإعدام، في حال حدوث تبعات خطيرة أو مُفضية إلى الموت. وحتى إذا لم يصرَّح بالدواء، أو إذا لم يتضرر أحد من دواءٍ مصرَّح به، فإن الذين يخرقون القانون بتقديم بيانات كاذبة قد يواجهون عقوبة السَّجن لمدة ثلاث سنوات. تضع السياسةُ الجديدة أيضًا مَن يقدِّمون بيانات عن تجارب إكلينيكية كاذبة تحت طائلة الملاحَقة القضائية، بموجب قانون يحظر شهادةَ الزور.

ستعتمد نتيجة هذه الخطوة على كيفية تنفيذ السياسة الجديدة، حسبما يقول سو. ولم يزل من غير الواضح كيف سيتم تحديد الشخص المسؤول عن مشكلة البيانات، من بين العدد الكبير من الأشخاص القائمين على البحث. ويتساءل سو أيضًا عن المدى الذي قد تبلغه قسوة الحكم، قائلًا: "هل ستُعتبر بياناتٌ كاذبةٌ عن مريض واحد خرقًا للقانون، أم يتحتم أن تشمل البياناتُ عشرةَ مرضى، أو مئةَ مريض؟"، ويضيف قائلًا إنّ المحاكمة الأولى سوف توضح ذلك، "فربما تَصنعُ الحكومةُ عِبرةً من شخص ما".

يُشكِّك البعضُ في إمكانية إعدام أيُّ شخص بموجب السياسة الجديدة، لكنّ آخرين يقولون إنّ ذلك محتمل الحدوث. ففي عام 2007، أَعدمت الصينُ الرئيسَ السابقَ لوكالةِ الدواء الصينية؛ لتقاضيه رشوات، نظير التصريح بأدويةٍ، أدّى بعضُها إلى قتلِ الناس. يقول جانج: "إنه احتمالٌ بعيد، ولكنْ إذا بدأ الأطفال يتعاطون تطعيمات فاسدة، على سبيل المثال، وماتوا؛ فإنني أراها فرصةً مؤكدة لصدور أحكام بالإعدام"، من ناحية أخرى يقول ليو إنه ربما يكون من الصعب تنفيذ العقوبة، ويضيف: "إذا لم يمكن إثبات القصد الجنائي؛ فلن تكون هناك جريمة، ومن الصعب جدًّا إثبات ذلك القصد".

لطالما رأى النقاد - - أن صناعة الدواء الصينية حافلةٌ بالمشكلات. وكانت وراء موجةِ سَحْب الطلبات التي شهدَها العامُ الماضي مجموعة متنوعة من الأسباب، منها سوء التوثيق، والبيانات "المزورة"، وإهمال بروتوكولات المواصفات القياسية، وذلك وفق ما أَدلَى به أحد موظفي إدارة الأغذية والأدوية الصينية.

اقتفاء أثر الأدلة

تكشف البحوثُ المنشورة من داخل المستشفيات الصينية عن واقعة  مشابهة، حسبما يقول جون يوانيديس، أحد الباحثين في مجالِ سياسات الصحة في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا. إذ يفشل الصينيون غالبًا في توثيق ما إذا كانت طريقة التعْمِيَة المزدوجة قد اتُّبِعَتْ في التجارب، أو ما إذا كانت أهداف الدراسة قد تحققت، أو ما إذا تم الحصول على الموافقةُ الواعية للمرضى، أو ما إذا كانت الاعتبارات الأخلاقية قد رُوعِيَت، أو إذا كان انتقاء مجموعات الاختبار ومجموعات الضبط قد تم عشوائيًّا؛ لتقليل الانحياز. وَجدت الدراساتُ أيضًا أن احتمال أن تُظهِر التجارب الصينية أثرًا إيجابيًّا لعقار ما، هو احتمالٌ مرتفع جدًّا، حتى إذا كان الدواء قد فشل في مكانٍ آخر. يقول يوانيديس: "يرجع أغلب هذه المشكلات إلى محاولة الباحثين اتِّباع أقصر وأسرع الطرق لنشر بحوثهم في دوريات علمية أفضل، بهدف جَنْي المنافع المترتبة على ذلك".

يقول سو إن السياسة الجديدة ستؤدي إلى تراجع كثير من المحتالين، الذين تُسبِّب طلباتُهم إعاقةً لعملية اعتماد العقاقير، وسوف يُفسح ذلك الطريقَ أمام العقاقير الجيدة، التي كانت تحصل على الاعتماد بمعاناة كبيرة بسبب بُطء الإجراءات. فعادة ما تكون هناك فترةُ انتظارٍ، تمتد إلى أربع سنوات، أو أكثر، قبل اعتماد الإدارة الصينية لأدوية تم اعتمادها بالفعل في الولايات المتحدة وأوروبا.

اتخذت "إدارة الأغذية والأدوية الصينية" خطواتٍ أخرى لتسريع العملية المنظِّمة، وجعْلها أكثرَ صرامة. ففي الفترة بين منتصف عام 2015، ونهاية عام 2016، ضاعفَتْ عددَ الموظفين أربع مرات بإضافةِ 450 مراقبًا جديدًا، وتتوقع إضافة 300 آخرين هذا العام. وبدءًا من مايو الماضي، سُمح لـ"مركز تقييم الدواء" بأن يصرح بأدوية، للبدء في استخدامها في التجارب الإكلينيكية، بدون الحصول على خاتم الإدارة الصينية للغذاء والدواء؛ المنظَّمة الأم، التي تؤخر العملية أشهر.

يساور سو القلق كذلك من أن تؤدي هذه الجهود إلى "نتائج عكسية"، ويقول إن الناس الذين يفتقرون إلى الخبرة الخاصة بتصنيع وتنظيم العقاقير يمكن أن يصرحوا بأدوية عديمة التأثير، أو حتى خطرة، وسيكون ذلك كارثيًّا، حسب قوله.