NATURE | كتب وفنون

كيف يتلقى العقلُ الموسيقى

تسبر إليزابيث هيلموث مارجوليس أغوار دراسة تحلِّل كيفية فهم الدماغ للألحان والإيقاعات.

إليزابيث هيلموث مارجوليس

Nature (2017) doi:10.1038/546351a | Published online | English article

تظل طريقة معالجة الدماغ البشري للموسيقى لغزًا.

تظل طريقة معالجة الدماغ البشري للموسيقى لغزًا.

George Pickow/Three Lions/Getty

سواء بنقر القدم على إيقاع ألحان السامبا، أو البكاء عند سماع أغنية، تكاد الاستجابة البشرية للموسيقى تبدو غريزية. ومع ذلك فإن قليلين هم الذين يستطيعون توضيح كيفية عمل الموسيقى. كيف تستثير تتابعات الأصوات العواطف، وتلهم الأفكار، بل تحدِّد الهويات أيضًا؟

بحث علماء الإدراك والأنثروبولوجيا والأحياء والموسيقى جميعًا هذه القضية (انظر: go.nature.com/2sdpcb5)، ويقتفي آدم أوكلفورد أثرهم. يستند كتاب "مقارنة النغمات" Comparing Notes إلى خبرات مؤلفه كملحن، وعازف بيانو، وباحث في الموسيقى، والأهم من ذلك كله، كمعلم موسيقى عمل لعقود مع أطفال يعانون من الاعتلال البصري، أو مصابين بالتوحد، ويتمتع كثير منهم بقدرات موسيقية استثنائية. من خلال هذا "المنشور الذي يحلل كل ما هو لافت للنظر بشكل واضح"، يسعى أوكلفورد إلى إلقاء الضوء على كيفية تصوُّرنا وإدراكنا جميعًا للموسيقى. ويؤكد أوكلفورد أن النماذج الموجودة المعتمدة على أطفال غير مصابين بالتوحُّد يمكن أن تتجاهل حقائق أكبر عن القدرة البشرية على تعلُّم الموسيقى وفهمها.

ورغم أن بعض الأطفال الذين يتحدث عنهم كتاب أوكلفورد قد يعانون (لأسباب متنوعة) من صعوبات في ربط أحذيتهم، أو إجراء محادثة بسيطة، فإنهم يستطيعون -قبل الوصول إلى سن العاشرة- سماع مقطوعة موسيقية معقدة لأول مرة، وعزفها على البيانو على الفور؛ فأصابعهم تسرع إلى عزف النغمات الصحيحة. وينبهنا أوكلفورد إلى أن هذه المهارة لا يطولها بالغون كثر من الذين درس معهم في "الأكاديمية الملكية للموسيقى" في لندن. وبتجميع الخيوط التي تسمح لهؤلاء الأطفال بإنجاز هذه الأعمال المذهلة، يقدم أوكلفورد حجة لإعادة التفكير في معارفنا التقليدية عن تعليم الموسيقى.

يضع أوكلفورد ما يسمى بالنغمة المطلقة (وهي قدرة نادرة على تمييز النغمات والألحان من دون أي مساعدة مرجعية) أساسًا لهذه القدرات على الارتجال والسماع والعزف. واحد فقط من كل 10,000 فرد من غير المصابين بالتوحد في الغرب لديه تلك القدرة على ذكر النغمة الصادرة عن آلة كمان أو مكنسة كهربائية (وهي نغمة فا مرتفعة)، دون جهد، ودون سياق. وبين المصابين بالتوحد يرتفع الرقم إلى 8%، أي 1 من كل 13 شخصًا تقريبًا. وبالنسبة لمَن ولدوا مكفوفين، أو فقدوا أبصارهم في وقت مبكر من طفولتهم، تبلغ النسبة 45%. ويؤكد أوكلفورد أن تلك القدرة تمكِّن الأطفال من  نطق الإيقاعات المألوفة، وتعديلها. ويؤدي هذ التجريب إلى فهم عميق للبنية الموسيقية.

كثير من الأطفال الذين يعمل معهم أوكلفورد وُلدوا مكفوفين، أو مصابين بالتوحد. وبالنسبة لهم، القدرة على التنبؤ بالنغمات على آلات المفاتيح التي يجدونها من خلال منظور قدرتهم النادرة يمكن أن تثير افتتانهم. فقد عرض البرنامج التليفزيوني الأمريكي "60 دقيقة" لقطات للموهبة الموسيقية الفذة، ريكس لويس–كلاك، عندما كان طفلًا صغيرًا؛ فبينما كان يغفو إلى جانب البيانو، نرى يده تمتد بتكاسل لتعزف نغمتين أخيرتين قبل أن يغط في سبات عميق. يستطيع الأطفال الذين يتمتعون بهذا النوع من الوله قضاء مئات الساعات على البيانو ليحولوا الصوت إلى حركة.

وتدعم تجربة مع ديريك بارافيتشيني -أحد أبرع طلاب أوكلفورد، والذي صار بالغًا الآن- فكرة أن النغمة المطلقة تشكل الأساس الذي تقوم عليه البنية الموسيقية، وليست مجرد قدرة دورُها الوحيد تقديم أداء متميز فحسب. طلب أوكلفورد من بارافيتشيني أن يعيد عزف نسختين للمقطوعة نفسها، بحيث لا تتبع إحداهما القواعد التقليدية للإيقاع الغربي، بينما تتبعها الأخرى. كان أداء بارافيتشيني للثانية أكثر دقة، مما يؤكد اعتماده على الحدس بشأن البنى القياسية في الموسيقى الغربية التي تعرض لها في أثناء فترة حاسمة من ليونة الدماغ.

يكرس أوكلفورد جزءًا كبيرًا من كتابه للتنقل - بطريقة مسلية، ولكن خاصة للغاية - عبر دروب النظرية الموسيقية وعلم النفس، بما في ذلك "نظرية المحاكاة" zygonic theory التي وضعها هو نفسه، والتي تفيد بأن تكرار العناصر الموسيقية وتحويلها يمكن أن يُنظر إليه باعتباره محاكاة متعمدة، وهي رؤية متعمقة وليدة ألعاب الارتجال التي يمارسها مع طلابه. ورغم أن قليلًا من الناس هم مَن يعترضون على الفكرة المحورية في النظرية، فإنها لم تكتسب زخمًا كبيرًا؛ ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن تدوينها المعقد لا يبدو أنه يقدم أفكارًا مختلفة عن تلك التي تقدمها أدوات أبسط. ففي أحد الرسوم البيانية، يبين سهمٌ بين نغمتين متطابقتين أن التكرار يؤدي إلى إحساس بالمحاكاة والاشتقاق، وهو أمرٌ من المؤكد أنه يمكن التعبير عنه بصورة أفضل بعبارة بسيطة. ولا يبدو أن الرسوم البيانية متزايدة التعقيد أكثر كفاءة في توصيل المفاهيم الأساسية، مثل التحويل (تكرار نسق من النغمات على مستوى طبقة صوت مختلف).

فَوَّت أوكلفورد أيضًا بعض الفرص لتطوير أفكاره حول كيفية عمل البنية والتكرار. ففي مقارنة الموسيقى باللغة، يشير أوكلفورد مرة واحدة فقط إلى كتاب أنيروده باتل المهم "الموسيقى واللغة والدماغ" Music, Language, and the Brain (أوكسفورد يونيفرسيتي برس، 2008)، الذي يسبر أغوار هذا المبحث. كما أنه لا يذكر مطلقًا دراسة ديانا دوتش حول وهم تحويل الكلام إلى أغنية، وهو عرض لكيفية تحويل التكرار العبارة المنطوقة إلى أغنية (D. Deutsch J. Acoustical Soc. Am. 124, 2471;2008)، أو كتابي "عن التكرار" On Repeat (أوكسفورد يونيفرسيتي برس)، الذي نُشر عام 2014، ويستخدم نهجًا نفسيًّا لفهم كيف "يداعب" التكرار في الموسيقى العقول.

تعتمد أمثلة كثيرة في كتاب "مقارنة النغمات" على القدرة على قراءة الموسيقى، إلا أنه يعرض موضوعات (مثل تعريف السلم الموسيقي) سيفهمها معظم القادرين على متابعة الأمثلة. وبالتالي، يبدو القراء المستهدفون في حيرة. ولفهم أتم لكيفية عمل الموسيقى، أوصي بالاطلاع على لمحة عامة عن علم الموسيقى، مثل كتاب مارك إيفان بوند "أنصت إلى هذا" Listen to This (برنتيس هول، 2008)، ولمحة عن علم النفس، مثل كتاب دانييل ليفيتين "هذا دماغك في الموسيقى" This is your Brain on Music (داتون بنجوين، 2006). ورغم ذلك، يذكِّرنا تأريخ أوكلفورد العميق لخبراته مع عازفي موسيقى استثنائيين بأن هذا لغز نحتاج إلى مواصلة البحث فيه وسبر أغواره. 

إليزابيث هيلموث مارجوليس مدير "مختبر الإدراك الموسيقي" Music Cognition Lab بجامعة أركنساس في مدينة فايتفيل.

البريد الإلكتروني: ehm@uark.edu