كتب وفنون

ما وراء ابتسامة الموناليزا

فيليب بال مفتون بتحليل لوحة ليوناردو الشهيرة.

فيليب بال 
  • Published online:
المهندس باسكال كوت أمام صور ممسوحة مختلفة للموناليزا صُنِعَت باستخدام "طريقة التضخيم الطبقي" التي ابتكرها.

المهندس باسكال كوت أمام صور ممسوحة مختلفة للموناليزا صُنِعَت باستخدام "طريقة التضخيم الطبقي" التي ابتكرها.

Paul Ellis/AFP/Getty

تُعَدُّ لوحة الموناليزا -رائعة ليوناردو دافنشي التي تعود للقرن السادس عشر- واحدةً من الأيقونات الثقافية التي لا تثير اهتمامي البتة، تمامًا مثل تمثال "ديفيد" لمايكل أنجلو أو موسيقى فرقة سميث. يمكنني سرد عدد كبير من لوحات عصر النهضة التي أفضِّل قضاء الوقت في تأمُّلها. لذلك فإن التحليل الذي ظهر مؤخرًا للموناليزا -وهو تحليل لمارتن كيم الخبير بأعمال ليوناردو، والاقتصادي وهاوي التاريخ جيوسيب بالانتي- يمثل تحديًا. فهل يمكن أن يقنعني هذا التحليل بأن تلك الضجة مبررة؟

إلى حد ما، أجل. فقصة الموناليزا لها طبقات عديدة كاللوحة نفسها، وكلما تكشَّف المزيد من الطبقات، ينزلق المرء في أغوار هاتين العينين الثاقبتين وذلك المنظر الحالم. ويبدأ المرء يدرك أن ليوناردو، في أثناء رسم اللوحة، قام ببعض الأفعال التي ظلت محيرةً حتى الآن، باستخدام تقنية تكاد تكون إعجازية. كتب كيم وبالانتي يقولان: "كان يعلم أن أحدًا لم يفعل شيئًا مثل هذا من قبلُ قَطُّ. ونحن نعلم الآن أنه لا أحد فعل شيئًا مثله تمامًا منذ ذلك الحين"، ولسبر أغوار هذا العمل الفذ، عَمِلا على جمع بحوث شديدة التدقيق حول التواريخ العائلية للرسام، والعميل، والمرأة التي تظهر في الصورة، ومعرفة عميقة بتقاليد فن عصر النهضة وإيحاءاته، وتحليلات علمية لهذا العمل العظيم.

كانت النتائج شيئًا يشبه أحجية الصور المقطعة. تعقب بالانتي بعناية قصص الأشخاص الذين شاركوا في إنتاج الصورة، على الرغم من أنه لا شيء يلفت الانتباه على نحو خاص بشأن التاجر الفلورنسي فرانشيسكو ديل جيوكوندو، الذي طلب رسم تلك اللوحة، أو زوجته ليزا. وكانت أعمال التحريعن ليوناردو أكثر تشويقًا، إذ سلطت الضوء على المراهِقة اليتيمة كاترينا ليبي أم الفنان، الذي وُلِدَ خارج إطار الزواج عام 1452. غير أن القصة تصبح مثيرة حقًّا عندما يبدأ الكشف المنظم عن غاية ليوناردو.

كانت أعمال فناني عصر النهضة على وجه العموم عبارةً عن تعبيرات تجريدية ميتافيزيقية، وتتفوق الموناليزا على معظم الأعمال في تلك الناحية. كتب المؤلفان يقولان إن تلك "اللوحة الصغيرة نسبيًّا" (مقاس 79 في 53 سنتيمترًا) كانت بمنزلة "وسيلة مميزة"، فيها "وضع ليوناردو قدراته كرسام، فأصبحت اللوحة تعبيره الشخصي عما يمكن لـ'علم الرسم' تحقيقه".

غالبًا ما يتلخص "علم الرسم" هذا في تأكيدات على وحدة العلم والفن في عصر النهضة. ولكن كما يوضح الكتاب، فإنه يستلزم ما هو أكثر من استخدام الفنان لمبادئ علمية مثل المنظور لخلق واقعية إنسانية. شعر ليوناردو أن الفن يمكنه أن يكشف عن الحقائق بشيء يشبه مرجعية البرهان العلمي. وعلى نحو حاسم، استطاع الفنان -الذي كانت مهمته التأكيد على التناسقات في الشكل الطبيعي والبنية- تشكيل هذا الإلهام.

وهكذا يفسر كيم كيف أن المنظر الغريب المضطرب خلف ليزا يرمز إلى معتقدات حول التناظرات بين الأرض والجسد، وهي علاقة بين عالم صغير وعالم كبير. ويعكس النسيج المسترسل لردائها فكرة ليوناردو عن أشكال التدفق الكوني. فقد كتب في دفتر ملحوظاته عن الأقمشة وكيف أن "الطبيعة تجعلها تتدفق"، وحدد أوجُه الشبه بين تدفق الماء وانسدال الشعر. إضفاء الحزن على خلفية المنظر بواسطة البُعد، وهو ما أطلق عليه ليوناردو اسم "المنظور الهوائي"، كان قائمًا على نظرية تفصيلية عن الضوء والهواء، متسوحاة من النظرية الذرية الكلاسيكية. كذلك فإن كتابات ليوناردو ورسوماته -حول الهندسة والتشريح والجيولوجيا على سبيل المثال- تستلهم الحس نفسه بالحوار بين الرصد والإدراك والتصوير والخلق (انظر M. Clayton Nature 484, 314–316; 2012).

درس ليوناردو البصريات الهندسية من خلال سجلات رصد دقيقة ومن خلال نصوص مثل "كتاب البصريات" Book of Optics لابن الهيثم الذي يعود للقرن الحادي عشر (انظر J. Al‑Khalili Nature 518, 164–165; 2015). لكن على الرغم من أنه كان يرى أهمية أن يكون الفنانون على دراية بتلك القواعد، فإنه لم يتبعها على نحو صارم؛ فقد كان يغيرها لتناسب أغراضه. وقد كتب كيم وبالانتي يقولان إن الموناليزا "متوارية خلف بصريات عدم اليقين". كان الرسم في ناظري ليوناردوا "ابتكارًا بارعًا" تُلاحظ فيه حساسيةُ الفنان القوانينَ لتكشف عن حقيقة أعمق بشأن كيفية ما نراه وماهيته.

يتطلب انعدام اليقين فحصًا جنائيًّا للسطح المرسوم، حيث الكثير من الوهم الخادع؛ إذ "تذوب الملامح الواضحة لوجه ليزا في الغموض". وطبقات الجلد الدقيقة مصنوعة بواسطة طبقات طلاء ملساء بغاية الرقة حتى إن التقنيات الحديثة مثل التحليل الطيفي بواسطة الأشعة السينية تميز بينها بصعوبة بالغة. أما الظلال فمصنوعة من طبقات طلاء ملساء متكررة من لون العنبر المحروق ومخلوطة بإتقان رائع. فحص المؤلفان تصوراتٍ جديدة لتقنيات ليوناردو، كشف عنها مسح فائق الدقة بأطوال موجية مختلفة، وهو ما يسمى "طريقة التضخيم الطبقي" التي ابتكرها المهندس باسكال كوتي. ومع ذلك فتفسير ما نراه ليس واضحًا دائمًا.

كي نفهم الموناليزا بشكل كامل، علينا أيضًا أن نربطها بأعراف فن الرسم في عصر النهضة. فالابتسامة الغامضة، على سبيل المثال، يمكن أن تُعزَى إلى مفاهيم الأنوثة التي مثلتها بياتريس في "الكوميديا الإلهية" لدانتي. وحتى تلك القواعد وُضِعَت ليتم خرقها؛ إذ تتحدى نظرة ليزا المباشرة قواعد صورة الأنثى المحتشمة. فالابتسامة والعينان كانت من أجل فرانشيسكو وليس ليراها مجموعة من الناظرين المحدقين في معرض. لكن مع استرسال ليوناردوا في رسم الصورة، يبدو أنه أخفق في الالتزام بمتطلبات عميله. فقد كان يعلم أنه يصنع تعبيرًا شخصيًّا جريئًا، وربما كان هذا هو السبب الذي جعله يحتفظ باللوحة طوال حياته.

أما وإنه لم يعد من الممكن لأحد أن يتأمل اللوحة عن كثب بما يسمح بتطوير علاقة ملائمة معها، فإنني لا أعلق آمالًا كبيرة على أنني سوف أحبها، لكن هذا الكتاب يعطيني الفرصة لذلك.

فيليب بال كاتب مقيم في لندن. أحدث كتابين ألفهما هما كتاب "مملكة الماء" وكتاب "أنماط في الطبيعة".

بريد إلكتروني: p.ball@btinternet.com