NATURE | تعليقات

التعامل مع الأراضي كمشاعٍ عالمي

فيليكس كروتزيج يدعو إلى تنسيق دولي في مجال استخدام الأراضي لضمان استفادة الجميع من عائداتها.

فيليكس كروتزيج

Nature (2017) doi:10.1038/546028a | Published online | English article

محمية ولاية بوتورانسكي الطبيعية في شمال سيبريبا الوسطى تبدو وكأنها لم يمسسها بشر.

محمية ولاية بوتورانسكي الطبيعية في شمال سيبريبا الوسطى تبدو وكأنها لم يمسسها بشر.

ESA/CC BY-SA 3.0 IGO

قد تبدو مساحات اليابسة شاسعة على كوكب الأرض. فحين عبرتُ سيبيريا على متن القطار بعد انتهائي من دراسة الدكتوراة، كنت أرى أشجار البتولا على طول الطريق التي امتدت ساعات وساعات. وفي وقت لاحق اجتزت باتاجونيا، فكنت أرى بقرةً كل عشر دقائق. تبعد هذه الأماكن عن المدن المزدحمة في أوروبا وأمريكا الشمالية، لكنها آخذة في الارتباط ببعضها على نحو متزايد. فحتى المساحات الطبيعية النائية تتعرض لضغوط متزايدة بفعل النمو السكاني والتنمية الاقتصادية والتغير المناخي.

تتحول اليابسة حول العالم إلى أحد الموارد النادرة1 ففي يومنا هذا، نحو ثلثي (63) مساحة اليابسة غير المغطاة بالجليد في العالم مستغلة في أغراض زراعية أو سكنية أو مكسوة بالغابات (انظر: "ضغط متزايد" وبحلول عام 2050، سوف نحتاج إلى ضِعف مساحات الأراضي الزراعية غير المستغلة في الوقت الراهن2. فتوفير الغذاء لأعداد أكثر من الناس سوف يتطلب زيادة الأراضي الزراعية بنسبة 10-20 3 (أو 1.5 مليون إلى 3.0 ملايين كيلومتر مربع). ولعزل غاز ثاني أكسيد الكربون الجوي، سنحتاج على الأرجح إلى مساحة بحجم الهند لزراعة محاصيل الطاقة، وقد نحتاج إلى مساحة مماثلة للتشجير4. وسيجري تدمير ما يصل إلى خُمس الغابات الطبيعية والمراعي وأراضي السافانا3. وفي الوقت نفسه، سيتم تعبيد 2% من أخصب أراضي العالم (0.3 مليون كيلومتر مربع) بحلول عام 2030 نظرًا لتوسع المدن5. يتسبب البشر في عمليات إبادة واسعة النطاق؛ إذ فُقد خُمس غابات الأمازون المطيرة بالبرازيل منذ عام 1970 (0.8 مليون كيلومتر مربع).

يتزايد أيضًا التوجه نحو تجارة الأراضي؛ فمنذ عام 2000 اشترت دول منها المملكة المتحدة والصين أراضي زراعية في أفريقيا وأماكن أخرى تزيد مساحاتها الإجمالية عن مساحة ألمانيا بهدف زراعة المحاصيل الغذائية. هذا في حين تنتج دول أخرى كميات أكبر من المحاصيل لتصديرها؛ إذ ارتفعت صادرات الحبوب على مستوى العالم بمعدل ستة أضعاف في الفترة بين عام 1960 وعام 2010، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن تجارة الأغذية قد تقلل من العجز المحلي، فإنها تعرِّض حوالي 200 مليون فقير في بلدان مثل الجزائر والمكسيك والسنغال لصدمات الأسعار حال تقلُّص صادرات الدول المنتجة الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا وفيتنام، هذا بينما تعتمد بعض البلدان مثل مصر على استيراد الأغذية.

ومع ذلك لم يُطرح موضوع إدارة الأراضي عالميًّا على الطاولة السياسية حتى هذه اللحظة، فيما يجري التفاوض على تخفيف آثار تغيُّر المناخ على الصعيد الدولي منذ 30 عامًا. وقد جرى الإعلان رسميًّا عن اعتبار الهواء والجليد والماء مشاعات عالمية، أي موارد مشتركة يحظى كل فرد بحصة متساوية فيها. وتتكفل المعاهدات بحماية الغلاف الجوي والقارة القطبية الجنوبية وأعالي البحار.

المصدر: مرجع 1- 4

لا تحظى الأرض بالحماية الكافية. والسبب هو: تنوُّع أغراض استغلالها وتعدُّد أصحاب المصالح، فنرى أن تربية الماشية المنتشرة في ولاية أيوا، والعقارات الشاهقة في سنغافورة، وقطع الأشجار في غابات الأمازون المطيرة، كل أمرٍ منها يخضع لتشريعات مختلفة. وتشكل السياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي مثالًا نادرًا للتعاوُن الدولي في مجال الأراضي، لكنها لا تزال غير مستدامة بقدر كبير. أما أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة فلا تدعو صراحة إلى التنسيق العالمي لاستخدامات الأراضي، على الرغم من أن الوصول إلى موارد الأراضي هو محور الأهداف، ولا سيما تلك المتعلقة بالجوع والمدن والإنتاج والاستهلاك والمناخ والحياة على اليابسة.

بدأت الأمور تتغير؛ ففي هذا العام، ستنشر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر توقعاتها لمستقبل الأراضي في العالم، وفيها تتناول إدارة الأراضي في سياق التنمية المستدامة. كما سيُصدر الفريق الحكومي الدولي المعني بتغيُّر المناخ (IPCC) تقريرًا عن استخدام الأراضي وتغيُّر المناخ في عام 2019. ولكن هناك حاجة إلى اهتمام أكبر بتلك القضية: اهتمام يجمع كافة الأطراف لتنسيق استخدامات الأراضي في جميع أنحاء العالم لتحقيق الاستدامة.

أرى أنه لا بد من إدراج اليابسة ضمن المشاعات العالمية، فيتولى ذلك الباحثون على المستوى النظري فيما يتولاه المجتمع الدولي على الصعيد القانوني. يعتمد عزل الكربون وخدمات النظام الإيكولوجي -مثل المياه النظيفة والموارد الطبية وإعادة تدوير المغذيات والترفيه - على اليابسة، وهي سلع عامة عالمية6. والحيلولة دون حصول الناس على السلع والخدمات الأساسية المتوفرة على الأرض، مثل الغذاء والسكن، تمثل انتهاكًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وينبغي على الباحثين وصانعي السياسات أن يركزوا على هدف واحد، ألا وهو: توفير نواتج كافية من الأرض تدعم جميع سبل العيش في الوقت الحالي وفي المستقبل.

الأرضية المشتركة

ثمة نقاش دائر بين الفلاسفة حول حقوق الناس في الأرض على الأقل منذ عصر جون لوك وهوجو جروتيوس في القرن السابع عشر.في عام 2012، طرح الفيلسوف ماتياس ريس حجة قوية حول ملكية البشر جميعًا للأرض في كتابه "عن العدالة العالمية" On Global Justice7. غير أن حججه لم تحظ باهتمام إلا لدى عدد قليل من علماء البيئة وصناع السياسات.

ينص إعلان حقوق الإنسان على وجوب تمتُّع الجميع بمستوى معيشي "كافٍ" من الغذاء والملبس والمسكن والدواء، وجميعها من منتجات الأرض. أما حد الكفاية فهو أمر مفتوح للنقاش؛ إذ يفترض مقدمو المساعدات الغذائية أن الحد الأدنى من النظام الغذائي ينبغي أن يشمل عددًا معينًا من السعرات الحرارية. وكذلك يؤكد الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة على الاحتياجات الغذائية.

ويذهب بعض الفلاسفة إلى أبعد من ذلك ويطرحون إتاحة تقاسم موارد اليابسة بين جميع سكان الأرض على قدم المساواة، ومن هؤلاء جوبال سرينيفاسان من جامعة ديوك في دورهام بولاية نورث كارولينا8. ويمكن تحقيق ذلك عن طريق فرض ضرائب على الأراضي، أو إعادة توزيع المنتجات والأرباح الأخرى المتحققة من الأراضي.

ستظل الملكية الخاصة مشمولة بحماية الملكية المشتركة للأراضي العالمية، وستتحول مجموعة الحقوق والواجبات ذات الصلة لتشمل قدرًا أكبر من رعاية الأراضي وحماية الأجيال المقبلة والأشخاص الذين يعيشون في أماكن أخرى. وقد بات الآن لا يحق لملاك الأراضي في ولاية أيوا ممارسة الإنتاج الحيواني الصناعي إلا في ظل عدم الإضرار بالعقارات المجاورة أو التقليل من قيمتها.

الحوكمة العالمية

توفر بلدان الرفاه الشمالية مثل السويد لجميع مواطنيها الغذاء الكافي والمأوى وأماكن طبيعية للاستجمام، بيد أنها تستورد الكثير من السلع التي تحتاجها، وكذلك تعتمد في غذائها على موارد الأراضي العالمية. وما من سبيل للوصول إلى نظام مفتوح للتجارة العالمية يدير آثار الإنتاج والاستهلاك القائمة على الأرض على نحو مستدام ومنصف سوى التعاون العالمي.

ونظرًا لوجود عدد كبير ومتنوع من أصحاب المصالح، فإن تنسيق استخدامات الأراضي على الصعيد الدولي سيكون أصعب من حكم القارة القطبية الجنوبية أو الوفاء بالمعاهدات المتعلقة بتغير المناخ. وربما ينصح بعض النقاد بأنه يكفي التركيز على قضية واحدة في ذلك الوقت، مثل الأمن الغذائي أو الحفاظ على التنوُّع البيولوجي، إلا أن هذه القضايا متداخلٌ بعضها مع بعض.

ويمكن للتعاون العالمي في مجال استخدام الأراضي أن يستفيد من الخطط المحلية الناجحة وأن يتعلم منها، والتي تتنوع لتشمل الحيازة الجماعية لمروج الجبال العالية والغابات في سويسرا، وكذلك الإدارة المشتركة للقنوات والمياه من قبل مجتمع زنجيرا في الفلبين9. أما بلدية كوريتيبا في البرازيل فتشرف على النمو الحضري على طول محاور المرور لحماية الثروات البيئية المحيطة. في حين تفرض سنغافورة وطوكيو، اللتان تعانيان من قلة المساحات، ضريبةً على الأراضي لتمويل وسائل النقل العام وغيرها من الخدمات المخصصة للمواطنين. ولا تقتصر فوائد ضرائب الأراضي على المناطق الحضرية. كما أن فرض ضرائب على الأراضي الزراعية وفق المنطقة يحفز إنتاج معدلات أكبر من المحاصيل مع الحفاظ على الحياة البرية والتنوع البيولوجي10.

ويمكن تخصيص حقوق استخدام الأراضي لفترة محدودة. فعلى سبيل المثال، يحصرها قانون الملكية الصيني في 40 أو 50 أو 70 عامًا. ويمكن توزيع الفوائد على الأجيال القادمة من خلال نهج مثل صندوق ألاسكا الدائم الذي يستحوذ على 25 من عائدات الولاية من النفط ويعيد توزيع الأرباح السنوية على السكان.

وقد حددت الاقتصادية إلينور أوستروم وزملاؤها ثمانية مبادئ لإدارة المشاعات المحلية ينبغي تطبيقها على مستوى العالم11، وتشمل: وضع حدود واضحة للمجموعة، ومطابقة القواعد التي تحكم استخدام المشاعات وفق الاحتياجات والظروف المحلية، وتوفير الوسائل للسكان المحليين للطعن في القواعد أو تعديلها، وفرض عقوبات على المخالفين.

الخطوات التالية

يجب تشجيع العمل الجماعي بفاعلية؛ نظرًا لأن عوائد تنسيق إدارة الأراضي قد يجنيها أشخاص آخرون أو لا يظهر أثرها إلا في المستقبل. وفي ظل غياب قوة كبرى، مثل الصين أو الولايات المتحدة، ذات مصلحة راسخة في تحقيق أهداف المشاعات، ينبغي للعلماء والخبراء توعية العامة بالمنافع التي تعود عليهم.

وستتيح توقعات مستقبل الأراضي في العالم وتقييمات التنوع البيولوجي الصادرة من منتدى التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية (المقرر صدوره في عام 2018)، وتقرير استخدام الأراضي لعام 2019 الصادر من الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، وغيرها من التقييمات العلمية بعضًا من الأدلة التي تثبت الفائدة. وبالإضافة إلى ذلك، يلزم نشر المطالبة باعتبار اليابسة من المشاعات العالمية، ويمكن أن يُعهَد بهذا إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وثمة حاجة إلى تعميق العلاقات على نحو أفضل بين المنظمات الدولية، بما في ذلك وكالات الأمم المتحدة المسؤولة عن الغذاء والمأوى والطاقة والتنوع البيولوجي وتخزين الكربون الأرضي.

ولا بد من وجود نظام متداخل للحوكمة الدولية يتضمن إجراء تغييرات تنظيمية في أربعة مجالات. الأول: زيادة التمويل الدولي لصون البيئة والجهود المبذولة لتخزين الكربون على الأرض. والأمر الثاني: مواءمة معايير طموحة لصون البيئة. أما الأمر الثالث فهو: وجوب نقل الأساليب الابتكارية في التكنولوجيا والإدارة لتحسين المحاصيل وتخزين الأغذية. والرابع: الحاجة إلى أنماط استهلاكية مستدامة تقلل من كمية الأراضي المطروحة للبيع. ويجب أن تنعكس هذه المجالات الأربعة في القوانين الدولية العامة والخاصة، مثل لوائح منظمة التجارة العالمية.

ينبغي على الدول أن تلتزم بالمبادئ الفعالة لإدارة الأراضي، وقد تسهم الأدوات المالية مثل ضرائب الأراضي في تقسيم عائدات الأراضي على نحو عادل في النظم الاقتصادية الحديثة.

References

  1. Lambin, E. F. & Meyfroidt, P. Proc. Natl Acad. Sci. USA 108, 3465–3472 (2011). | article
  2. Canadell, J. G. & Schulze, E. D. Nature Commun. 5, 5282 (2014). | article

  3.  Smith, P. et al. Phil. Trans. R. Soc. B 365, 2941–2957 (2010). | article
  4. Smith, P. et al. Nature Climate Change 6, 42–50 (2015) | article

  5. Bren d’Amour, C. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA http://dx.doi.org/10.1073/pnas.1606036114 (2016) | article
  6. Hertel, T. W. Rev. Dev. Econ. 21, 213–236 (2017). | article
  7. Risse, M. On Global Justice (Princeton Univ. Press, 2012). | article
  8. Sreenivasan, G. The Limits of Lockean Rights in Property (Oxford Univ. Press, 1995) | article
  9. Ostrom, E. Governing the Commons (Cambridge Univ. Press, 2015). | article
  10.  Kalkuhl, M. & Edenhofer, O. Int. Tax Public Finan. 24, 350–380 (2017)| article
  11. McGinnis, M. & Ostrom, E. in The International Political Economy and International Institutions Vol. 2 (ed. Young, O. R.) 465–493 (Edward Elgar, 1996( |  article

التعريف بكاتب المقال: يرأس فيليكس كروتزيج مجموعة عمل استخدام الأراضي والبنى التحتية والنقل في معهد ميركاتور البحثي المعني بالمشاعات العالمية وتغير المناخ ومقره برلين بألمانيا، كما أنه أستاذ بجامعة برلين التقنية.

بريد إلكتروني: creutzig@mcc-berlin.net

حساب تويتر: @efesce