NATURE | أخبار

الحمض النووي لإحدى المومياوات يكشف أصل المصريين القدماء

تحليل وراثي يكشف صلةً وطيدةً بالشرق أوسطيين، وليس سكان وسط أفريقيا.

تريسي واتسون

Nature (2017) doi:10.1038/546017a | Published online | English article

عمليات التنقيب في قرية "أبو صير الملق" القديمة.

عمليات التنقيب في قرية "أبو صير الملق" القديمة.

Petr Bonek/Alamy

أخرجت لنا مقابر مصر القديمة قلادات ذهبية وأساور عاجية، لكنْ هناك كنز آخر، كان بعيد المنال، ألا وهو الحمض النووي البشري. تمكَّن العلماء مؤخرًا من الحصول على كَمّ كبير من المعلومات الجينومية من المومياوات المصرية، تكشف أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالشرق أوسطيين القدماء، ما يشير إلى احتمال اختلاف الجذور الوراثية لسكان شمال أفريقيا عن سكان جنوب الصحراء الكبرى.

تضمنت الدراسة - التي نُشرت في الثلاثين من مايو في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز"Nature Communications1- بيانات مستنبطة من 90 مومياء التي دُفنت في الفترة ما بين عام 1380قبلالميلادخلال عصر الدولة الحديثة بمصر، وعام 425 بعد الميلاد في العصر الروماني. وتشير النتائج إلى أن أقرب الأجناس إلى هذه المومياوات همالمزارعون القدامى في المنطقة، التي تضم ما يُسمى اليوم إسرائيل، والأردن، بينما ورث المصريون المعاصرون جزءًا أكبر من أحماضهم النووية من سكان وسط أفريقيا.

تشير الاكتشافات الأثرية والوثائق التاريخية إلى وجود علاقات وثيقة بين مصر والشرق الأوسط، لكن "ما أروع أنْ تطرح هذه الدراسة الآن دليلًا تجريبيًّا على ذلك على المستوى الوراثي"، كما يقول عالِم الأنثروبولوجيا التطورية عمر جوكومِن، من جامعة ولاية نيويورك في بافالو.

إن مناخ مصر الحارق، وعملية تحنيط الجثث،التي كانت تُمارَس قديمًا، جعلا مسألة استعادة المادة الوراثية بحالتهاالسليمة مهمة عسيرة. ولعل تسلسلاتالحمض النووي الأولى، التي اعتُقِد أنها قد أُخذت من إحدى المومياوات،كانت أغلب الظن نتيجة تلوث حديث؛فكثير من العلماء يشككون3 في المعلومات الوراثية المزعومة، التي أُخذت من مومياء الملك توت عنخ آمون4.

وقد نجح التحليل الأخير عبر تجاوز النسيج الرخو – الموجود بكثرة في المومياوات المصرية – في الحصول على الحمض النووي من العظام، ومن الأسنان. وقد فحص الباحثون الحمض النووي بعناية؛ لاستبعاد أي ملوثات تَسَبَّب فيه أي شخص تعامَل مع المومياوات منذ وقت التنقيب عنها قبل قرن مضى، في قرية أبوصير الملق القديمة.

ومن جانبه،يقول الباحث المشارك يوهانس كراوسه، أخصائي علم الوراثة القديمة في "معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري" في ينا بألمانيا: "أكثر من نصف المومياوات التي درسناها كانت محتفظة بالحمض النووي بدرجة جيدة".

أما هانز شرودر،­ أخصائي علم الوراثة القديمة في جامعة كوبنهاجن، فيقول إن الفريق قد "نجح فيما أخفقت فيه الدراسات السابقة على المومياوات المصرية، أو عجزت عن بلوغه". وعَقَّبَت سونيا زاكشفسكي - عالمة الآثار الحيوية في جامعة ساوثامبتون بالمملكة المتحدة - قائلة إنه قد صار بإمكان الباحثين - في الوقت الحالي - أن يتطلعوا لإمكانية الحصول على إجابات لأسئلة عديدة، منها ما إذا كانت الهجرة هي السبب وراء الزيادة السكانية لدى المصريين القدماء، أم لا.

وقد حصل العلماء على معلومات عن الاختلافات الموجودة في الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا، التي تنتقل من الأم إلى الأبناء، وذلك من 90 مومياء ، لكنْ بسبب التلوث، لم يتمكن الفريق من الحصول على حمض نووي واضح  - متوارَث عن كلا الوالدين - إلا من ثلاث مومياوات فقط.

وأظهر نوعا المادة الوراثية أن المصريين القدماء يشتركون مع الأفريقيين الجدد في جنوب الصحراء الكبرى في كمية قليلة من الأحماض النووية، بينما كانت أقرب الأجناس إليهم هم الذين كانوا يعيشون خلال العصرين الحجري الحديث، والبرونزي، في المنطقة التي تُعرف باسم بلاد الشام. ومن المثير للدهشة أن المومياوات كانت أكثر ارتباطًا بسكان أوروبا والأناضول القدماء منهم إلى المصريين المعاصرين.

ويقول الباحثون إنه ربما أُدخل بعض من الحمض النووي الخاص بسكان جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى إلى مصر قبل حوالي 700 سنة. ويعني هذا الامتزاج بين المصريين القدماء والأفريقيين القادمين من أقصى الجنوب أنه يمكن للمصريين المعاصرين إرجاع أصولهم إلى سكان جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، ك بنسبة 8% أكثر من المومياوات المكتشَفة في أبو صير الملق.

هذا.. ولا يمكن للبيانات الجديدة أن تفسِّر سر التوافق الكبير بين المصريين القدماء، وسكان منطقة الشرق الأوسط؛ فهل كان ذلك بسبب الهجرة؟ أم  الأشخاص الذين كانوا يعيشون على الصيد وجمع الطعام إبان العصر الحجري في شمال أفريقيا - كانوا متشابهين وراثيًّا مع نظرائهم في بلاد الشام؟  يقول كراوسه إنه من السابق لأوانه القطع بالجواب، إلا أن فرص الحصول على إجابات قد ازدادت الآن. إنّ "هذه هي أول لمحة للتاريخ الوراثي لمصر، لكنها ليست سوى البداية"، كما يقول.

References

  1. Schuenemann, V. J. et al. Nature Commun. 8, 15694 (2017).| article
  2. Pääbo, S. Nature 314, 644–645 (1985).  | article
  3. Lorenzen, E. D. & Willerslev, E. J. Am. Med. Assoc. 303, 2471–2475 (2010).  | article
  4. Hawass, Z. et al. J. Am. Med. Assoc. 303, 638–647 (2010). | article