NATURE | أخبار

شَعْب "الأواني الجرسية" احتلَّ بريطانيا في العصر البرونزي

الأواني الشهيرة التي تأخذ شكل الأجراس ترتبط بجماعة من البشر ذات صفات وراثية متميزة، ربما أزاحت مزارعي العصر الحجري الحديث، وحلَّت محلَّهم.

Nature (2017) doi:10.1038/545276a | Published online | English article

الأواني المشابهة للأجراس من سيجوفيا، إسبانيا، تُعَدّ من أهم السمات الحضارية لشعوب "الأواني الجرسية" في العصر البرونزي.

الأواني المشابهة للأجراس من سيجوفيا، إسبانيا، تُعَدّ من أهم السمات الحضارية لشعوب "الأواني الجرسية" في العصر البرونزي.

Lanmas/Alamy

قبل 4500 عام تقريبًا، اجتاحت أوروبا في عصر ما قبل التاريخ هوس غريب بالأواني جرسية الشكل. وعلى مدار أكثر من قرن، اختلف علماء الآثار في تفسير دلالة الأواني التي تميز ثقافة شعوب "الأواني الجرسية". يقول بعض العلماء إنها كانت أكبر صيحات العصر البرونزي، التي انتشرت بين جماعات مختلفة من الناس، بينما يعتبرها آخرون دليلًا على هجرة واسعة النطاق لشعوب "الأواني الجرسية" ىفي أنحاء القارة.

ومؤخرًا، توصلت واحدة من كبرى دراسات الجينوم القديم إلى أن كلا الرأيين صحيح. فقد قامت هذه الدراسة - التي نُشرت على خادم (bioRxiv) في 9 مايو1 - بتحليل الجينوم الخاص بـ170 شخصًا من الأوروبيين القدامى، وقارنتها بمئات الجينومات الأخرى القديم منها والحديث. وتوصلت الدراسة إلى أن الهياكل العظمية التي عُثر عليها في إيبيريا وأوروبا الوسطى بالقرب من أماكن "الأواني الجرسية" تشترك في عدد قليل من الروابط الجينية، ما يعني أنها لا تنتمي إلى مجموعة سكانية مهاجرة واحدة، لكن الدراسة توصلت في الوقت نفسه إلى أن الأفراد ذات الصلة بالأواني الجرسية في بريطانيا ينتمون إلى جماعة مميزة مرتبطة وراثيًّا، حَلَّت بالكامل محل السكان الأقدم للجزيرة (انظر: "صيحة الأواني الجرسية").

وإنْ صح ذلك، فهذا يعني أن شعوب "الأواني الجرسية" الغازين قد أزاحوا مزارعي العصر الحجري الحديث في بريطانيا (الذين خلفوا صروحًا ضخمة من الأحجار، مثل "ستونهنج")، وحلوا محلهم. وعن هذه النتيجة، يقول بونتس سكوجلاند، عالِم الوراثة السكانية في كلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، الذي لم يشارك في هذا البحث: "لقد شعرتُ بالدهشة حقًّا من هذه النتيجة"، ويضيف: "الذين شيدوا ستونهنج ربما لم يتركوا ذرية من نسلهم، وحتى إنْ تركوا أي ذرية، فلا بد أنها كانت قليلة العدد للغاية".

بعض علماء الآثار يقولون إن الدراسة لا تحسم نطاق انتشار شعوب "الأواني الجرسية" في بريطانيا، لكنهم أجمعوا على أنها دراسة مهمة توضح مدى تأثير دراسات "الحمض النووي القديم" الكبيرة في إحداث زلزلة لعلم الآثار. يقول بنجامين روبرتس، عالِم الآثار في جامعة دورهام بالمملكة المتحدة: "إنه عمل رائد".

ظاهرة الأواني الجرسية

يتسبب تنوع الأواني في صعوبة حسم نسبتها إلى حضارة واحدة بعينها؛ ولهذا، يميل العديد من الباحثين إلى تسمية هذا الانتشار بـ"ظاهرة الأواني الجرسية"، كما يقول مارك فاندر، عالِم الآثار بكلية لندن الجامعية. فتلك الأواني ذات الشكل المميز، التي ربما استُعملت كؤوسًا للشرب، تنتشر في كل مكان تقريبًا، كما تنتشر أيضًا رؤوس الأسهم المصنوعة من الحجر الصوان، لكن المناطق تتفاوت فيما بينها في أنواع الخزف، وطرق الدفن. وقد تسبب النطاق الجغرافي لمواقع الأواني الجرسيةالمتسع، لكن غير المتصل في الوقت ذاته - الممتد من الدول الإسكندنافية إلى المغرب، ومن أيرلندا إلى المجر - في إحداث مزيد من الارتباك. وبعد بضع مئات من السنين، اختفت تلك الأواني من السجلات الأثرية.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

(Source: m. Vander Linden Antiquity 81, 343–352 (2007

وكَشَف تحليل أُجري في عام 2004 لنظائر السترونتيوم،، التي تتنوع وفقًا للكيمياء الجيولوجية لكل منطقة، أن بعض أفراد شعب الأواني الجرسية قد هاجروا في حياتهم2. كما أشارت أيضًا الدراسات السابقة المرتبطة بالحمض النووي القديم إلى وجود هجرة ضخمة تربط جماعات الأواني الجرسية في أوروبا الوسطى بسيل كبير من شعوب "السهوب" Steppe المنحدرة من المناطق المعروفة الآن باسم روسيا، وأوكرانيا3.

شارك في الدراسة الأخيرة التي قادها عالما الوراثة إنيجو أُولالدي، وديفيد رايك في كلية هارفارد للطب، 103 باحثين من عشرات المؤسسات، منهم علماء آثار متخصصون في العصر البرونزي. وقام فريق رايك بتحليل أكثر من مليون عينة حمض نووي وراثي من جينوم الأفراد الذين عاشوا في أوروبا بين عامي 4700، و1200 قبل الميلاد. ورفض الفريق التعليق، لأن بحثهم لم يخضع لمراجعة الأقران بعد.

استبعدت تحليلات الدراسة فكرة انتماء شعب "الأواني الجرسية" إلى مصدر واحد بعينه. فالأشخاص الذين عاشوا في شبه جزيرة إيبيريا (التي يُفترض أنها منبع تلك الحضارة) لم يشتركوا في كثير من الأجداد مع شعوب أوروبا الوسطى. وحتى الجماعات المرتبطة بشعوب الأواني الجرسية في المنطقة نفسها، قد انحدرت من سلالات وراثية مختلفة. يتعارض هذا النمط - كما يقول سكوجلاند - مع الاضطرابات السابقة في أوروبا، التي سبَّبتها الهجرات الجماعية، وعلى حد وصفه، فإن الأواني الجرسية "هي خير مثال على أن الأواني هي التي انتشرت، وليس البشر".

وقد تزامن ظهور الأواني الجرسية في بريطانيا مع اختلاف في السمات الجينية لسكان الجزيرة. وقام فريق رايك بتحليل الجينومات الوراثية لـ19 فردًا ينتمون إلى شعوب "الأواني الجرسية" على امتداد بريطانيا، وتوصَّل الفريق إلى أنهم بالكاد يتشابهون في الجينات الوراثية مع 35 مُزَارِعًا من العصر الحجري الحديث في تلك المنطقة، بل كانوا أكثر ارتباطًا بـ14 فردًا من هولندا، وكانت لديهم بشرة وعيون ذات لون أفتح من الشعوب السابقة التي حلوا محلها. بحلول عام 2000 قبل الميلاد، اختفت آثار السمات الجينية لسلالة العصر الحجري الحديث من سجل الجينوم القديم في بريطانيا، بحسب ما توصل إليه فريق رايك، حيث ساد عليها الحمض النووي الوراثي المرتبط بشعوب الأواني الجرسية. يُعَدّ مثل هذا التحول "مدهشًا للغاية"، كما يقول جاريت هيلينثال، عالم الوراثة الإحصائية في كلية لندن الجامعية، الذي قام بدراسة الأنماط الوراثية في بريطانيا. وربما يكشف المزيد من المعلومات عن مفاجآت أخرى، لكن فريق الدراسة ساق أدلة مقنعة على أن شعوب "الأواني الجرسية" قد حلوا محل المزارعين الأوائل بالمنطقة، على حد قوله.

يعتقد فريق رايك أن بريطانيا شهدت اختلافًا كبيرًا يفوق 90% في الأنماط الوراثية لسكانها، لكن روبرتس يقول إنه لا يرى أدلة على ذلك التغير الكبير في السجلات الأثرية، ويحذر من أن انتشار حرق الجثث خلال العصر البرونزي في بريطانيا، ربما أثر على النتائج، لأنه ربما قضى على عظام، كان من الممكن معاينتها للحصول على الحمض النووي الوراثي. ويقول ليندين إنه على الرغم من أن علماء الآثار سعداء بالقفزات المذهلة التي يجلبها الحمض النووي القديم في حلّ المشكلات التي أربكت مجالهم البحثي لعقود من الزمن، فإنه ما زال يتوقع معارضة قوية لاستنتاجات الدراسة الأخيرة، التي "لن تكون نهاية المطاف على الإطلاق".

References

  1. Olalde, I. et al. Preprint at bioRxiv http://dx.doi.org/10.1101/135962 (2017). | article
  2. Price, T. D. et al. Eur. J. Archaeol. 7, 9–40 (2004). | article
  3. Haak, W. et al. Nature 522, 207–211 (2015). | article