NATURE | أنباء وآراء

حول الجرذان والمرونة

يكشف تَسَلْسُلٌ زمنيّ مُنَقَّح لوصول جماعة من المستوطنين إلى جزيرة مَنْجايا في بولينيزيا عن مرونة هذه الجماعة التي تغلبت على أزمة بيئية، عن طريق اتخاذ إجراءات جريئة لدعم مجتمع مستدام. 

جِيرِد دايامُوند

Nature (2017) doi:10.1038/545032a | Published online | English article

إبان استعمار البشر لجُزُر المحيط الهادئ، التي تتألف منها بولينيزيا، كان هناك تنوع كبير في طرق تكيُّف تلك المجتمعات المبكرة مع الحياة على الجُزُر ذات البيئات شديدة التنوع1. وجعل هذا التغاير في المجتمعات والبيئات من بولينيزيا نموذجًا مهمًّا لفهم التطور الاجتماعي. نجح البولينيزيون على جزيرتي هاواي، وتونجا في إنشاء دول بدائية، بمجتمعاتٍ يبلغ عددُها مئات الآلاف1، في حين انقرض المستوطنون الأوائل لجزيرتي هِندِرْسون، وبِتكِيرن، أو هاجروا2. وفي دراسة أحادية جديدة، عنوانها "تَنْجاتاتو روكشِلْتَر" Tangatatau Rockshelter (مَنْجايا، جنوب جزر كوك)، نشر كيرش وزملاؤه3إعادةَ تحليلٍ لبياناتٍ مأخوذة من دراسةٍ آثارية ميدانية سابقة، كانوا قد أجروها على جزيرة منجايا البولينيزية، باستخدام تقنيات لم تكن متوفرة أثناء الدراسات الأولية. ويمكن للدروس المستفادة من إعادة تقييم كيفية سكنى أهل بولينيزيا لبيئة هشَّة، وتغلُّبهم على مشكلات قاسية، من قبيل الضغط السكاني، وعجز الموارد، أن تساعد على توجيه المجتمعات الحديثة - التي تصارع بالمثل - للوصول إلى طريقة مستدامة للحياة.

وفد سكان بولينيزيا الأوائل من تايوان عبر منطقة غينيا الجديدة، وبدأوا في الوصول إلى بولينيزيا الغربية في حوالي عام 1050 قبل الميلاد4،5. أما الجُزُر البولينيزية الشرقية النائية (بما فيها منجايا)، فقد استُوطِنَت بعدها بفترةٍ يُعتقَد أنها امتدت إلى حوالي 1000 سنة6، وهو ما استُدل عليه من  تأريخ أعمار المواد ذات الصلة بالإنسان، وذلك في دراساتٍ أُجريت في تسعينات القرن الماضي. أشار هذا التسلسل الزمني والبيانات الآثارية إلى أن سكان منجايا واجهوا أزمةً تدريجية طاحنةً في الموارد، امتدت إلى 1500 سنة؛ دفعتهم إلى العنف، وأكل لحوم البشر.

كان التسلسل الزمني قد افتُرض بناء على طُرق التأريخ باستخدام الكربون المشع في تسعينات القرن العشرين، التي شملت تحليل عينات ضخمة من الفحم، دون التحديد الدقيق لأنواع النباتات المحترقة. تختلف طرق التأريخ المتوافرة حاليًّا عن هذه الطريقة في أمرين، إذ يمكن بواسطة مقياس الطيف الكتلي المُعَجِّل تحديدُ تواريخ العينات الصغيرة، كما أن التحسينات التي أُدخلت على طرق فحص شظايا النبات ساعدت على التعرف على أنواع النباتات التي كانت مصادر هذا الفحم. طَبَّق كيرش وزملاؤه هذه الطرق في دراساتهم لجزيرة منجايا، وتحديدًا في تحليل صخرة مُعَلَّقة ضخمة، تُعرف باسم "تنجاتاتو روكشِلْتَر"، حيث شهدت نشاطًا بشريًّا لقرونٍ عديدة. أتاح ذلك تتبُّع الكثير من التاريخ الآثاري لجزيرة منجايا كسلسلةٍ واحدة طويلة متصلةٍ، بدلًا من الاعتماد على "إعادةِ بناءٍ"، يتم فيها تجميع لقطاتٍ لمواقع كثيرة احتُلَّتْ في أوقات مختلفة.

تُبيِّن هذه التقنيات التحليلية الجديدة أن منجايا تم استيطانها فقط في حوالي عام 1000 ميلادية، أي بعد التاريخ المعتقَد بألف سنة7. وتم التوصل إلى استنتاج وجود "فاصلٍ زمني طويل"، مدته ألفا عامٍ بين استيطان جُزُر بولينيزيا الشرقية، وجزر بولينيزيا الغربية، بشأن جزر بولينيزية شرقية أخرى أيضًا8. وبإلنظر إلى الوراء، يبدو أن التأريخ الخاطئ الذي تم التوصل إليه في تسعينات القرن العشرين يرجع إلى أن كثيرًا من الفحم أتى من أنواعٍ لأشجارٍ معَمِّرة، كانت ناميةً هناك بالفعل لمدة قرون، قبل أن يصل إليها البشر، ويحرقونها. أما الآن، فعن طريق تحديد أعمار النباتات قصيرة العمر فقط (بما فيها نباتات أَدخَلها البولينيزيون أنفسهم إلى الجُزُر)، وعظام الجرذان التي جلبها البولينيزيون، راجَعَ كيرش وزملاؤه التسلسل الزمني السكاني المُفترَض، الأمر الذي كشف أن أزمة الموارد في منجايا ظهرت في غضون قرون قليلة من استيطان البشر للجزيرة.

وجد الباحثون أن الأزمة نشأت من النمو السكاني السريع الهائل الأَوّليّ، وما صاحَبَهُ من اضمحلالٍ للمصادر في بيئةٍ هشّة. بدأ البولينيزيون في قطْع أشجار الغابات؛ ليقتاتوا، مُتَّبِعين زراعة القَطْع والحَرْق على المنحدرات البركانية، لكن تُربَة منجايا العجوز الرقيقة كانت تُستَنْزف، وفقدت بالتالي معظم مغذياتها. وبعد أن تم تجريفها، لم تكن تصلح إلا لإعادة نمو السراخس. وتم القضاء على معظم طيور اليابسة المحلية، وبعض الطيور البحرية. وبعد استنزاف عشائر الرخويات والسمك الكبير، التي تسكن الشعاب، اضطر البولينيزيون إلى الانصراف إلى الأنواع الأصغر حجمًا، التي تعطي لحومًا أقل، مقابلَ عملٍ أكثر. وكانوا يُرَبُّون الخنازير، التي كانت تستمد أهميتها من استخدامها في الطقوس، لكن هذا كان سوء استخدام للموارد، لأن إنتاج كيلوجرام واحد من لحم الخنزير يحتاج إلى عشرة كيلوجرامات من محصول نبات القلقاس.

وبحلول عام 1400 ميلادية، أسفر نَقْصُ الغذاء والضغط السكاني عن الانزلاق في أعمال العنف، وأكل لحوم البشر، اللذَيْن كانا لا يزال يتردد ذِكرهما في الحكايات التقليدية التي كان يتناقلها الناس شفاهة في العقد الأول من القرن التاسع عشر، لدى تصدِّي سكان منجايا للأوروبيين9. وتُظْهِر عظامُ 41 شخصًا، تم استخراجها من موقعٍ آثاري، دلائلَ على أنهم ذُبِحوا، وطُبِخوا، وأُلْقِيَتْ عظامُهم بالطريقة نفسها التي كانت عليها عظام الخنازير.

درَس كيرش وزملاؤه كيف تَعامَل سكان منجايا مع مشكلات شح الموارد بعد هذا الإملاق التام. تحوَّلَ سكان الجُزُر من زراعة القَطْع والحَرْق إلى الزراعة المَرْوِيَّة مرتفعة الغلة على أراضي المستنقعات المنبسطة، المخصبة بالتربة التي جُرِفت من المنحدرات (شكل 1). وقد حالفَهُم الحظّ أيضًا في الحصول على البطاطا من أمريكا الجنوبية، وهي محصولٌ أكثرُ إنتاجية من القلقاس. اختفت الخنازير من السجل الآثاري لجزيرة منجايا، وهو ما كان - على الأرجح - مُحَصِّلةً لقرار جريء بقتل جميع الخنازير، مثلما حدث على جزيرة تيكوبيا بالمحيط الهادئ10. وعندما تناولوا هم أنفسُهم القلقاسَ، بدلًا من إطعامه للخنازير، حصل سكان منجايا على سعراتٍ حرارية، قدرها عشرة أمثال ما كانوا يحصلون عليه من قبل. وللحصول على البروتين، ابتكروا طرقًا مستدامة لصيد سَمَك الماء العذب، وثعابين الماء، والبط من البِرَك.

شكل 1. تدخّل البشر في تشكيل معالم جزيرة منجايا.

تعرضت التلال البركانية على جزيرة منجايا بالمحيط الهادئ لإزالة الغابات بسرعة بعد وصول البشر، ولم تتمكن من تحمُّل الزراعة المكثفة. بدأ سكان الجُزُر عندئذ في زراعة محاصيل معينة، مثل القلقاس، في مناطق الوديان، كما هو موضح هنا. يقدم كيرش وزملاؤه3 إعادةَ تحليلٍ لبياناتٍ ميدانية أثرية، كانوا قد جمعوها من قبل على جزيرة منجايا، باستخدام تقنيات لم تكن متاحة وقت تحليل البيانات أول مرة. أنتجَتْ إعادةُ التحليل جدولًا زمنيًّا منقَّحًا لسُكْنَى البشر على الجزيرة، مما كشف عن اضطرار المجتمع المبكر إلى التغلب على أزمة بيئية، وابتكار طرق مستدامة لتوفير الطعام والموارد الكافية.

تعرضت التلال البركانية على جزيرة منجايا بالمحيط الهادئ لإزالة الغابات بسرعة بعد وصول البشر، ولم تتمكن من تحمُّل الزراعة المكثفة. بدأ سكان الجُزُر عندئذ في زراعة محاصيل معينة، مثل القلقاس، في مناطق الوديان، كما هو موضح هنا. يقدم كيرش وزملاؤه3 إعادةَ تحليلٍ لبياناتٍ ميدانية أثرية، كانوا قد جمعوها من قبل على جزيرة منجايا، باستخدام تقنيات لم تكن متاحة وقت تحليل البيانات أول مرة. أنتجَتْ إعادةُ التحليل جدولًا زمنيًّا منقَّحًا لسُكْنَى البشر على الجزيرة، مما كشف عن اضطرار المجتمع المبكر إلى التغلب على أزمة بيئية، وابتكار طرق مستدامة لتوفير الطعام والموارد الكافية.

Patrick V. Kirch

وكَمَصْدَرٍ للبروتين الثدييّ، اعتمد سكان منجايا على الجرذان، بدلًا من الخنازير، والبشر. وفي حديثهم مع الأوروبيين في العقد الأول من القرن التاسع عشر11، وصف سكان منجايا الطعام اللذيذ بتعبير: "حلو كالجرذ!" ورغم استمرار العنف على جزيرة منجايا، فقد أصبح أقلَّ حدةً بالتوحد السياسي تحت قيادة رئيسٍ ذي سلطةٍ عليا، وانتهى أكل لحوم البشر.

تثير الاكتشافاتُ أسئلةً أخرى، مثل: إلى أي مدى كانت سرعة انقراض طيور اليابسة في أعقاب وصول البولينيزيين؟ تشير بيانات الباحثين إلى أن الطيور اختفت في غضون 500 سنة، لكن درجة الدقة الزمنية في تلك البيانات تقريبيَّة، ولن تتوفر الإجابة الدقيقة، إلا بعد تحديدٍ إضافيّ لأعمار عظام الطيور، ومعها تعريف الأنواع. وسوف أراهن على أن الانقراض استغرق بضعة عقود فقط. ويبقى السؤال نفسه بغير إجابة بالنسبة إلى الحيوانات الأخرى، التي تطورت في غيابِ الإنسان الحديث. ألم تكن تلك المخلوقات تشعر بالخطر تجاه البشر، ومن ثم كانت فرائس سهلة للقنص؟

ما الذي أنهى الفاصل الزمني البولينيزي الطويل؟ هل تم عبور الطرق البحرية الواسعة بين بولينيزيا الشرقية والغربية، نتيجة لتغير أنماط الرياح، وتكنولوجيا صناعة الزوارق12؟ أم أن رَحَّالةً محظوظًا اكتشفَ أرخبيلًا شاسعًا غير مأهول بالسكان، وعاد أدراجه محملًا بالأخبار؛ فأدَّى إلى سيلٍ لاحقٍ من الرحلات13؟ ثمة لغز آخر، ألا وهو كيف وصلت البطاطا الحلوة من أمريكا الجنوبية إلى بولينيزيا، عابرةً أربعة آلاف كيلومتر من المحيط14. هل قام بعض الأمريكيين المحليين من أسلاف المستَكْشِف ثور هايردال برحلة مذهلة ذهابًا فقط من أمريكا الجنوبية إلى بولينيزيا؟ أو لعل البولينيزيين قاموا برحلة أكثر إدهاشًا من بولينيزيا إلى أمريكا الجنوبية، ثم عادوا ثانية.

إن هذه الدراسة لسكان منجايا توضح كيف أقام البشر القدماء مجتمعًا مستدامًا، وكيف غَيَّروا توقعاتهم بشأن نوع الطعام الذي يأكلونه، ومن ثم أفلتوا من مصيدة الضغط السكاني، وشُحِّ المصادر. هل سيقتدي مجتمعُنا بهم كمثالٍ للمرونة التكيفيَّة، أم أننا - بدلًا من ذلك - سنندثر مثل جماعات جزيرتي بِتْكِيرن، وهِندِرْسون؟

 

References

  1. Kirch, P. On the Road of the Winds: An Archaeological History of the Pacific Islands Before European Contact (Univ. California Press, 2000). | 
  2. Weisler, M. in The Pitcairn Islands: Biogeography, Ecology, and Prehistory (eds Benton, T. & Spencer, T.) 377–404 (Academic, 1995). | 
  3. Kirch, P. (ed.) Tangatatau Rockshelter (Mangaia, Southern Cook Islands): The Evolution of an Eastern Polynesian Socio-ecosystem (Cotsen Inst. Archaeol. Press, 2017). | 
  4. Skoglund. P. et al. Nature 538, 510–513 (2016). | article
  5. Kirch, P. Annu. Rev. Anthropol. 39, 131–148 (2010). | article
  6. Kirch, P. & Ellison, J. Antiquity 68, 310–321 (1994). | article
  7. Spriggs, M. & Anderson, A. Antiquity 67, 200–217 (1993). | 
  8. Kirch, P. V., Conte, E., Sharp, W. & Nickelsen, C. Archaeol. Oceania 45, 66–79 (2010). | 
  9. Hiroa, T. R. Mangaian Society (Bishop Mus. Press, 1934). | 
  10. Kirch, P. V. & Yen, D. E. Tikopia: The Prehistory and Ecology of a Polynesian Outlier(Bishop Mus. Press, 1982). | 
  11. Williams, J. A Narrative of Missionary Enterprises in the South Sea Islands (Snow, 1837). | 
  12. Montenegro, A., Callaghan, R. P. & Fitzpatrick, S. M. Proc. Natl Acad. Sci. USA 113, 12685–12690 (2016). | 
  13. Keegan, W. F. & Diamond, J. M. Adv. Archaeol.Method Theor. 10, 49–92 (1987). | 
  14. Roullier, C., Benoit, L., McKey, D. B. & Lebot, V. Proc. Natl Acad. Sci. USA 110, 2205–2210(2013). | 

جِيرِد داياموند من قسم الجغرافيا بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجيليس، كاليفورنيا 90095، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: jdiamond@geog.ucla.edu