أخبار

أورام قديمة تقدِّم أَدِلَّة سرطانية نادرة 

بإمكان تتابعات الحمض النووي المأخوذ من عينات أورام عمرها 100 عام أن تدعم بحوث سرطان الأطفال.

هايدي ليدفورد

  • Published online:

Eye of Science/Science Photo Library

في أعماق قبو مستشفى "جريت أورموند ستريت" للأطفال في لندن حيث يوجد الأرشيف، يعكف سام بيجاتي - وهو باحث في السرطان - على إيجاد أدلة، ربما تعينه على علاج مرضاه اليوم. فقد قام بيجاتي - في شهر مايو الماضي - هو وزملاؤه بنشر تتابعات الحمض النووي المأخوذ من جينومات ثلاث عينات من أورام الأطفال، جُمعَت في المستشفى قبل حوالي قرن مضى (A. Virasami et al. Lancet Oncol. 18, e237; 2017).

تساعد هذه الخلايا التاريخية في التعامل مع مشكلة حديثة، هي قلة عدد عينات الأورام المأخوذة من أنواع السرطان النادرة المتاحة للباحثين، كي يقوموا بوضع تسلسلها. يَعرف بيجاتي هذه المشكلة حق المعرفة؛ إذ يعكف في معهد "وِيلْكَم تراسْت سانجر" في هينكستون بالمملكة المتحدة، على اقتفاء التشابكات الجينومية الخاطئة، التي يمكن أن تُفضِي إلى أنواع نادرة من سرطانات الأطفال. ولكونه منخرطًا كذلك في علاج المرضى، فقد كان يشعر بالإحباط، بسبب ندرة الأدلة التي تدعم الكثير من ممارساته.

يقول بيجاتي: "إن الأنظمة العلاجية الخاصة بالأطفال المصابين بأنواع السرطان النادرة غير واقعية في حقيقتها، فلو كان لديك ثلاثة أو أربعة مرضى على مستوى البلاد، كيف سيتسنى لك أن تُجْرِي تجربة إكلينيكية معقولة؟"

وبغية بَسْط نطاق العينات التي بمقدوره وَضْع تسلسلها، قرر بيجاتي في عام 2014 أن يستغل التقدُّم المحقَّق في عملية تسلسل الجينوم، الذي جعل من الممكن وَضْع تسلسل الحمض النووي المأخوذ من عينات للأمراض، تبلغ من العمر عدة عقود. وقد وَفَّر له أرشيف العينات وسجلات المرضى - الخاصة بالمستشفى - التي يرجع تاريخها إلى 165 عامًا، الفرصةَ كي يرى إلى أيّ مدى يستطيع العودة إلى الماضي.

وعن هذا تعلِّق دانييل كاريك - مديرة برامج بالمعهد القومي للسرطان في الولايات المتحدة، في روكفيل بولاية ميريلاند - قائلة إن هذه الدراسة تبرز ثروة المواد المتاحة في أرشيف كهذا. كما تشير إلى أنه بمقدور التنقيب في العينات القديمة أن يوسع نطاق الخيارات المتعلقة بالتعرف على الحالات النادرة، وعلى المجموعات العرقية التي لم تتم دراستها بشكل كاف، وأن يجعل الدراسات المُجراة على نطاق التجمعات السكانية أمرًا ممكنًا.

وقد حلل الباحثون حمضًا نوويًّا مأخوذًا من عينات أقدم بكثير، وهو بمثابة شذرات من تتابعات جينومية، كانت قد استُخدمَت لدراسة التجمعات البشرية القديمة، قبل مئات الآلاف من السنين، لكنّ الحمض النووي يميل إلى أن يتلف مع مرور الزمن، ويحتاج باحثو السرطان إلى تتابعات عالية الجودة، كي يحددوا بدقة الطفرات الفردية العديدة، التي بمقدورها الإسهام في نمو الأورام.

وَجَّه بيجاتي، وأخصائي علم الأمراض نيل سيباير - من "معهد صحة الطفل"، التابع لمستشفى "جريت أورموند ستريت" في كلية لندن الجامعية - فريقهما البحثي، كي يشرع في البحث داخل أرشيف المستشفى عن عينات من عشرينيات القرن العشرين، حيث كانت المصطلحات المستخدَمة في تصنيف الأورام مشابِهة للتشخيصات الحديثة.

وصلت العينات على صورة مكعبات من شمع البارافين، يناهز طول كل جانب من جوانبها حجم أظافر الأصابع. كان كل منها يحوي أنسجة غُمرَت في محلول يحتوي على الفورمالديهايد، من أجل حفظها وجعْلها متماسكة. وبعد ذلك، أخذ سيباير وزملاؤه شريحة رفيعة من كل مكعب، وصبغوا الأنسجة بأصباغ حمراء، وأخرى وردية.

حلل الفريق ثلاث عينات: واحدة لسرطان يصيب العضلات، ويسمى الساركومة العضلية المُخطَّطة، وأخرى لسرطان يصيب الأوعية الدموية، ويُعرَف باسم الورم الوعائي الشعيري الخلوي، وثالثة لورم ليمفاوي. وبعد أن تَحَقَّق الباحثون من التشخيصات الأصلية باستخدام الشرائح المصبوغة، قام فريق بيجاتي باستخلاص الحمض النووي من جزء كبير من العينات المتبقية، ووضعوا تسلسل 366 جينًا من كل عينة منها؛ فوجدوا طفرات مرتبطة بالسرطان في العينات الثلاث.

ينوي بيجاتي مواصلة البحث في مجموعة عينات مستشفى "جريت أورموند ستريت"، وربما يعمد بعد ذلك إلى التنقيب في أرشيفات مستشفيات أخرى؛ بحثًا عن بقايا أثرية لسرطانات الأطفال. وبينما ينمو حجم مجموعته، سيقوم بالبحث عن السمات المشتركة، وعن الأهداف الدوائية المحتملة.

وبينما تجد هذه العينات - التي يبلغ عمرها قرنًا من الزمن - استخدامات حديثة، فإن الأساليب الباثولوجية التي كانت تُستخدم في تجميعها في طريقها إلى الزوال، حسبما قال بيجاتي. ويتنبأ سيباير بأنه بعد وقت ليس ببعيد ستتوقف المعامل المختصة بعلم الأمراض عن استخدام المجاهر تمامًا، وستحل محلها أجهزة قادرة على وضع تسلسل الحمض النووي والبروتينات بشكل سريع، والتعرف على المستقلبات.

وعن هذا يقول: "لم تتغير العملية تغيرًا يُعتد به على مدار أكثر من 100 عام، بيد أنني أتوقع أنه بحلول وقت تقاعدي، لن تحتاج إلى فِعْل ما أفعله أنا الآن".