NATURE | تحقيق إخباري

الحرب السرية ضد العِلْم المزيَّف

توجد بالصين سوق رائجة للكواشف البحثية المزيفة، ويسعى بعض العلماء الآن لمجابهتها.

ديفيد كيرانوسكي

Nature (2017) doi:10.1038/545148a | Published online | English article

اتّخذ هوانج سونج بعض الخطوات؛ لكبح شراء الكواشف المزيّفة في "المعهد الوطني للعلوم البيولوجية" في بكين.

اتّخذ هوانج سونج بعض الخطوات؛ لكبح شراء الكواشف المزيّفة في "المعهد الوطني للعلوم البيولوجية" في بكين.

Gilles Sabrié for Nature

في عام ، دخل هوانج سونج أحد محلات الطباعة في شمال غرب بكين، حيث عثر بالصدفة على دليل يثبت وجود تجارة إجرامية وقحة وضخمة. كان هوانج على بعد كيلومترًا فقط من المعهد الوطني للعلوم البيولوجية في بكين، الذي يُجْرِي فيه أبحاثه في مجال البيولوجيا التركيبية، وهناك اكتشف جهازًا مكتبيًّا صغيرًا يُصْدِر مئات من بطاقات التسمية التي يحتاجها في تجاربه. سأل عن إمكانية طباعة نموذج معين على ورقة مقاوِمة للحرارة، فانْتَشَى صاحب المحل بفخر، وأخرج بعض العينات التي أعدها لعملاء سابقين باستخدام الجهاز نفسه.

شعر هوانج بالصدمة حين رأى أسماء - مثل "أبكام" Abcam، و"سِل سيجنالينج تكنولوجي" Cell Signaling Technology - على بطاقات تسمية مشابِهة تمامًا لتلك التي توجد على أمبولات الأجسام المضادة باهظة الثمن، التي تنتجها الشركات الغربية. على الرغم من أن الكتابة لم تكن تعني شيئًا لصاحب المحل الودود، فقد أثبتت لهوانج ما كان يشتبه فيه هو وعدد من زملائه منذ فترة طويلة، حيث إن العديد من الأجسام المضادة التي يبيعها الموزعون الصينيون ليس أصليًّا. كان المزيفون يأتون بالكواشف البحثية المقلدة والمخففة إلى السوق، وكان هذا المتجر في "تشونج جوان تسون" - المدينة التكنولوجية الرائدة في بكين - من بين الأماكن التي يشترون منها آلات تصنيع بطاقاتهم. يقول هوانج: "كانت تساورني الشكوك، والآن تأكدت".

تشتهر الصين بتقليد أقراص الفيديو الرقمية، وحقائب "لوي فيتون"، وساعات "رولكس"، لكن الكواشف المزيفة لا تباع في الأسواق العامة المزدحمة. إنها تباع على مواقع ويب متطورة مع منتجات شرعية، وتُمَرَّر وتُباع عبر شبكة من الشركاء الذين لا علم لهم ببواطن الأمور، مثل صاحب متجر تشونج جوان تسون، بل تورط بعض عمال النظافة في الجامعات في العملية السرية لتصنيع منتجات مختبرية مزيفة، مثل الكواشف الكيميائية الأساسية، وأمصال المزارع الخلوية، وأدوات الاختبار القياسية في المختبرات. وبرغم صعوبة قياس آثار هذه التجارة غير المشروعة، علماء صينيين وبعض نظرائهم في أوروبا وأمريكا الشمالية أعلنوا أن المنتجات المزيفة قد ضللتهم، وأضاعت عليهم وقتهم وموادهم.

ويخشى البعض في الصين أن تقوض هذه المشكلة جهود البلاد الرامية إلى أن تكون إحدى الدول الرائدة في مجال العلوم. ولا زالت خيارات مكافحة المُزَيِّفِين محدودة؛ حيث تُحْجِم شركات الكواشف التي تلوثت سمعة علاماتها التجارية — وكذلك العلماء الذين تعرضوا للخداع بالكواشف المزيفة — عن اتخاذ الإجراءات القانونية، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى الشعور بالحرج، وإلى ضعف الثقة في قدرة هيئات إنفاذ القانون على السيطرة على هذا المجال. يقول هوانج: "لا يمكنك ردعهم؛ فهامش الربح مرتفع للغاية".

ومن جهتهم، يبتكر العلماء والمورِّدون - في الوقت الراهن - استراتيجيات قد تسهم في تغيير الموقف؛ حيث أطلقت كبرى الشركات المصنِّعة للكواشف حملات توعية، يقص فيها العلماء حكاياتهم المخيبة للآمال، إضافة إلى تقديم النصائح؛ لتجنب المنتجات المقلدة. وقد أسهَم هوانج في تأسيس شركة لاستيراد الكواشف، تمتلك الحكومة حصة منها تستفيد من إجراءات الجمارك والحَجْر الجديدة؛ وهو أمر يساعد في تقليص حجم سوق الكواشف المزيفة، غير أن هذه التدابير لن تساعد الجميع؛ إذ قد يتعرض الباحثون في الجامعات والمعاهد البعيدة عن المدن الكبرى - مثل بكين، وشنجهاي - للخطر. وعن هذا يقول كان زي، عالِم الفيزياء الحيوية في جامعة بكين: "أعرفُ الكثير من المختبرات التي لا تزال تشتري الكواشف الكيميائية المستوردة المزيفة، وتستخدمها، وهو أمر مؤسف".

سلسلة التوريد

تمثل الصين هدفًا جذابًا لهذا النوع المتخصص من التزوير. فقد زادت الاستثمارات في البحوث بسرعة؛ فتضاعفت ميزانية العلوم الطبية الحيوية للمؤسسة الوطنية للعلوم الطبيعية الصينية أربع مرات خلال العقد الماضي. ونظرًا إلى اتساع رقعة البلاد، فقد صارت الشركات الأجنبية — غير القادرة على تلبية الطلب، وغير الراغبة في الخضوع لنظام التوزيع الصعب في الصين — تعتمد على الموزعين المحليين. يقول جاي دونج، نائب رئيس مجلس إدارة "سِل سيجنالينج تكنولوجي"، والمدير العام لأعمالها بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، وهي شركة تصنِّع الأجسام المضادة في دانفرز بولاية ماساتشوستس: "ينطوي التوزيع في الصين على العديد من التحديات، ناهيك عن الصعوبات اللوجستية للشحن".

لذا، غالبًا ما تتولى الشركات المحلية دور التوزيع المهم للغاية. وبعض هذه الشركات حاصل على تصريح من الشركات المصنِّعة، لكن أكثرها يعمل بدون تصريح، ويصعب على العلماء في الغالب أن يحددوا الفرق بينها، وذلك على حدّ قول جاك لينج، الرئيس التنفيذي لشركة "شنجهاي يونيفرسال بايوتيك"، وهي واحدة من أكبر موزعي الأجسام المضادة في الصين. ويمكن أن يستفيد التجار سيئو السمعة من تضخم الأسعار، وطول مدد الانتظار الناجمة عن صعوبة إجراءات الجمارك ومراقبة الجودة في الصين؛ فهم يقدمون أسعارًا أقل، وخدمة سريعة لمنتجات تبدو كالأصلية تمامًا، ويدَّعون في بعض الأحيان أنها بضائع مهرَّبة. يقول دونج: "تعاني الصين من التزييف أكثر من باقي دول العالم".

يقول زي - الذي عمل في الولايات المتحدة كباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة - إنه قضى بضع سنوات بعد عودته إلى الصين في عام حتى أدرك أن بعض الكواشف الكيميائية التي كان يشتريها كانت دون المستوى، فيما يزعم الموزعون أنهم ممثلون لشركات أجنبية ذات منتجات متميزة، ولكنهم في الواقع يبيعون بضائع رخيصة منتَجة محليًّا. لم يستطع زي القَطْعَ بمسؤولية الكواشف ذات الجودة المنخفضة عن فشل تجاربه، لكنه أضاف أنه عثر على "مواد غامضة غير قابلة للذوبان" في بعض المحاليل، ولعل هذه كانت علامة تحذيرية. وهو الآن لا يشتري احتياجاته إلا من شركات معروفة، لها فروع في الصين.

شاهَد هوانج - الذي يشغل منصب نائب مدير الإدارة في معهده - زميلًا له يواجه مشكلات مماثلة في عام ، عندما اكتشف بعد ستة أشهر من نشره لأحد الأبحاث أنه لا يستطيع تكرار نتائج بعض التجارب. تتبَّع الباحث جميع الخطوات المعتادة لاستكشاف الأخطاء وإصلاحها، وطلب من الزملاء مساعدته، ثم ما لبث أن اكتشف - في نهاية المطاف - أن أحد الكواشف التي استُخدمت في إدخال الحمض النووي في الخلايا يعوق جهوده لتكرار النتائج. والآن، يعزو هوانج هذه المشكلات إلى الكواشف المزيفة، ويقول: "آخِر شيء تفكر فيه هو الكاشف. وهذا نوع من التوتر، مكلف للغاية".

تمثل الأجسام المضادة المزيفة مصدرًا شائعًا للإحباط. فالأجسام المضادة تؤدي دورًا بارزًا في مجموعة متنوعة من التجارب البيولوجية، وتتيح إمكانية تسمية البروتينات وتتبُّعها في مجموعة من النظم الحية، لكن حتى الأصلية منها قد تفرض بعض الصعوبات، إذ ربما يكون هناك تنوع طبيعي بين دفعة وأخرى، كما أنها قد تستهدف بروتينات غير متوقَّعة.

تلك المستويات المختلفة من عدم اليقين الذي يكتنف النتائج يجعل من الصعب الكشف عن المنتجات المزيفة. يقول تشو ويمين، نائب الرئيس الأول لتكنولوجيا الأجسام المضادة في أبكام، ومقرها في كامبريدج بالمملكة المتحدة، ولها قاعدة إقليمية في شنغهاي: "عندما ترى نتيجة سلبية، فقد يكون ذلك لأسباب كثيرة. إن المشكلة خطيرة".

ولا تقتصر آثار هذا الارتباك والغموض على الصين وحدها. ففي عام ، على سبيل المثال، أبلغ باحثون في لندن، وبياليستوك في بولندا، عن استخدامهم لمجموعة أجسام مضادة، اسمها إليزا ELISA، للكشف عن بروتين معين في دم الأشخاص الذين يعانون من أمراض الكلى المزمنة1، ولكنْ عندما اشترى هربرت لين - أخصائي أمراض الكلى بمستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن – المجموعة نفسها - المكتوب عليها أنها أحد منتجات "يوسكن لايف ساينس" USCN Life Science، والمصنَّعة في ووهان بالصين - وأخضعها لاختبارات صارمة؛ وجد أنها تستهدف بروتينًا مختلفًا تمامًا2. اتفق واضعو الدراسة الأصلية على أنه قد بات من الواضح الآن أن الجسم المضاد كان يستهدف بروتينًا خاطئًا2، فكتبوا يقولون: "كان لابد أن ينبهنا تجاهل الشركات المصنعة لرسائلنا عبر البريد الإلكتروني بخصوص تقييماتها، إلى وجود شيء مريب".

أما باحث أمراض السرطان، إيونيس براساس، في مستشفى ماونت سيناي في تورونتو بكندا، فلديه تجربة مماثلة مع مجموعات إليزا، التي تحمل العلامة التجارية "يوسكن" . ويقول براساس إن فريقه قضى عامين، وأنفق حوالي ألف دولار أمريكي في محاولة تحديد المشكلة3.

ومن جانبها، أعلنت كريس صن - التي ترأس تطوير التكنولوجيا في شركة "كلاود-كلون كوربوريشن"، الكائنة في ووهان، والتي تبيع منتجات يوسكن - أن الشركة قد فتحت تحقيقًا حول المجموعة التي اشتراها براساس، لكنها لم تتوصل إلى أصل المشكلة. عَوَّضت الشركة براساس تعويضًا جزئيًّا، لكنها نَفَت أن تكون قد تعمَّدت بيع أجسام مضادة رديئة. وقالت صن: "لدينا آلاف الأجسام المضادة التي أنتجناها بأنفسنا، وليس هناك أي سبب يدعونا لاستخدام أجسام مضادة مزيفة، بينما نمتلك أجسامًا مضادةً حقيقية"، وأضافت قائلة إنه لم يسبق أن وصلتنا أي شكاوى بشأن المجموعة التي تبين للين وجود مشكلات بها.

في متجر طباعة شبيه بهذا في سوق "تشونج جوان تسون" في الصين، وجد أحد الباحثين أدلة تثبت الإتجار في الكواشف المزيفة.

في متجر طباعة شبيه بهذا في سوق "تشونج جوان تسون" في الصين، وجد أحد الباحثين أدلة تثبت الإتجار في الكواشف المزيفة.

Gilles Sabrié for Nature

وأضافت صن أن معظم مجموعات "يوسكن" يُباع عن طريق موزعين، وقد اكتشفت الشركة - في بعض الأحيان - وجود منتجات مقلَّدة، تحمل علامتها التجارية.

إن تقدير حجم المشكلة صعب، على الرغم من أن بعض الشركات تحاول ذلك. ففي أواخر العام الماضي، أحصت شركة "أبكام" الشكاوى التي بلغتها في هذا العام من علماء في الصين حول صحة المنتجات التي تحمل اسم "أبكام"، وبعد التحقق من الترميز الرقمي، وأرقام الشحنات، ومواعيد الشراء، توصلت الشركة إلى أن المنتجات المقلدة مسؤولة عن 42% من المشكلات المثارة.

المكونات السرية

إن ما يجده العلماء في الأمبولات قد يختلف. يقول جيد تشانج - المدير العام لفرع "أبكام" في شنغهاي  - إنه في بعض الأحيان تُعاد تسمية الأجسام المضادة الرخيصة الشائعة، وتباع بثمن باهظ على أنها نادرة. ويحاول المقلدون العثور على جسم مضاد ذي وزن جزيئي مماثل، بحيث لا يرتاب العلماء الذين يُجْرُون اختبارات سريعة للتحقق من الكواشف، لكنْ في التجارب، لن تصيب الأجسام المضادة أهدافها.

أمّا الأمر الأكثر شيوعًا من استبدال الأجسام المضادة، فهو تخفيف التركيز. يقول لينج إن المزوِّرين يشترون منتجات أصيلة من الموزعين الصينيين، أو من الخارج، ثم يخففون العبوة الواحدة، ليحصلوا منها على خمس عبوات. ويضيف لينج: "يحصل العملاء على منتجات أضعف بكثير. وأحيانًا يمكنهم الاستفادة منها، وفي أحيان أخرى لا يحققون أي استفادة".

يقول دونج إن المزيفين "يعملون بكدّ لتقليد التعبئة والتغليف، وإنتاج الأنابيب، وبطاقات التسمية التي تشبه بطاقاتنا إلى حد كبير، بحيث تصعب معرفة الفارق. ويبدو أن مشكلة التقليد تقوم عليها شريحة صغيرة، ولكنها نشطة في السوق".

هناك أطراف كثيرة لا تدرك أنها متورطة؛ فها هو صاحب المتجر في تشونج جوان تسون، حيث لم تكن لديه أدنى فكرة عن تورطه في نشاط غير مشروع. يقول هوانج: "إنهم جميعًا يمثلون حلقات في هذه السلسلة، لكنهم ليسوا أشرارًا".

في عام 2015، لاحظ هوانج في مختبره وجود عاملة نظافة تستخرج الزجاجات الفارغة من القمامة، وتنحيها جانبًا. شعر بالحيرة، وسألها عن سبب ما تفعله، وقال: "حَذَّرْتُها من أن تشرب فيها"، لكنها قالت إن شخصًا ما يأتي لشراء هذه الزجاجات الفارغة، مقابل 40 يوانًا (حوالي 5 دولارات أمريكية) لكل زجاجة. وكانت هذه لحظة كاشفة أخرى.

كانت الزجاجات تحتوي - في الأصل - على مصل بقري جنيني (FBS)، وهو منتَج واسع الانتشار من مزارع الخلايا، مشتق من الدماء المجمَّعة من المسالخ، غير أن الحظر على واردات منتجات لحوم الأبقار من الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا، بسبب الأمراض المعدية، قد أعاق توريد أمصال بقرية جنينية عالية الجودة.

تضاعفت أسعار احتياطيات الأمصال من المواقع المحظورة خلال السنوات القليلة الماضية، حتى وصل ثمن الزجاجة الواحدة إلى حوالي 10 آلاف يوان، في حين تكلف الأمصال منخفضة الجودة الواردة من مصادر أخرى حوالي ربع تكلفة الواردات المحظورة، لكنها أقل جودة. وقد لاحظت شركة "ثيرمو فيشر ساينتيفيك" في والثام بولاية ماساتشوستس - صاحبة إحدى أشهر العلامات التجارية للأمصال - وجود المشكلة، وأنتجت بطاقات تسمية وزجاجات يصعب تقليدها. وهنا، يأتي دور جهود "إعادة التدوير" التي يبذلها عمال النظافة؛ حيث يمكن للمزوِّرين بكل بساطة إعادة تعبئة الزجاجات الفارغة بالأمصال ذات الجودة المنخفضة، وبيعها بأسعار باهظة.

وعلى الرغم من صعوبة معرفة مدى انتشار المشكلة، فإن هوانج قَدَّم تقديرات أوّلية، بناء على عدد الزجاجات المستهلَكة، التي تتخلص منها المختبرات الكبرى، فتوصَّل إلى أن حجم التداول في سوق مُقَلِّدي المصل البقري الجنيني في بكين وحدها ربما بلغ عشرات ملايين اليوانات سنويًّا.

يُعَدّ المزيفون أهدافًا مراوِغة، يصعب النيل منها. ففي معظم الأحوال، يعيد الموزعون ثمن البضائع المباعة، أو يستبدلونها، إذا اشتكى العميل، وهذا يعني أنه لا توجد وسيلة أمام الباحثين لاتخاذ إجراءات قانونية للتعويض عن الوقت والموارد المهدَرة، وهي خسائر حقيقية ضخمة. يقول لينج: "إن الشرطة لن تنظر سوى إلى الخسائر المباشرة؛ التي لا تمثل شيئًا ذا بال".

تَفقِد الشركات عائداتها، وقد تتعرّض لتشويه سمعة علامتها التجارية، ولكنْ ليس أمامها ملاذ. واجهت شركة أبكام بعض الموزعين غير المعتمَدين، الذين كانوا يبيعون منتجات مقلَّدة تحمل علامتها التجارية. قال الموزعون إنهم لم يكونوا يعرفون مصدر الأجسام المضادة، أو كيف حدثت المشكلة. ونصح محامو الشركة بعدم اتخاذ إجراءات قانونية، لأنها ستكون مكلفة، والأرجح أنها لن تحقِّق الكثير. يقول تشانج: "إذا أغلقنا إحدى شركات التوزيع، فستظهر أخرى". ويوافقه لينج الرأي، ويقول إن الشركات المقلدة، التي يقوم عليها عادةً شخص، أو شخصان، "تسجِّل شركةً جديدة كل عام، ثم تكرِّر الأمر مرة أخرى".

ويقول تشانج إن بعض العلماء - على الرغم من غضبهم - لا يريدون إثارة جلبة، حتى لا يلتفت أحد إلى حقيقة أنهم استخدموا منتجات مزيفة؛ فالاعتراف بذلك قد يثير الشكوك بشأن نتائج أبحاثهم السابقة.

 

خطة رادعة

لا يريد هوانج نفسه تتبُّع عمال النظافة، والقائمين على الطباعة، وغيرهم ممن هم مجرد "تروس" في ماكينة التزوير، لأنهم يسعون فقط وراء لقمة العيش. ويقول: "إذا كانت الطابعة تطبع نسخة من بطاقات التسمية، فما الخطأ في ذلك؟ إنّ الأشخاص الذين يعقِّمون الزجاجات يقومون - على الأرجح - بعمل جيد حقًّا".

ولكن يمكن للعلماء التعامل مع هذا الأمر بطرق أخرى. وقد تَبَنَّى هوانج نهجًا مركزيًّا في طلب أكثر الكواشف المُستخدمة التي يحتاجها معهده، وبذلك يمكنه أن يضمن أنه - بالنسبة إلى أغلب المشتريات - لا يتعرض العلماء للخداع، ووضع أيضًا نظامًا يُلْزِم الباحثين بإعادة زجاجات الأمصال القديمة، قبل الحصول على زجاجات جديدة؛ ويجري التخلص من الزجاجات المستعملة.

وصرَّح آخرون لدورية Nature أنه بعد أن تضرروا، صاروا يدفعون أسعارًا أعلى؛ لتجنب الحصول على المنتجات من الموزعين. يقول لو وي - عالِم الكيمياء في "أكاديمية شنتشن لعلم القياس وفحص الجودة" ، وهي شركة اختبارات مستقلة - إنّ الإنزيم المحفِّز للنشا الذي اشتراه كانت له رائحة غير مألوفة، وتعبئته مثيرة للريبة. كانت بطاقة التسمية تذكر أنه من صنع "سيجما ألدريتش" بسانت لويس بولاية ميزوري، كما أن رقم الدفعة والمعلومات كانت مطابِقة لتفاصيل منتجات على موقع الشركة، إلا أن شركة "سيجما" أكدت أنها لا تَستخدِم زجاجات بيضاء - كتلك التي كانت مع لو وي - في تعبئة هذا المنتج. وهكذا، تَبَيَّن أن المنتج مزيف.

كما وضعت شركات كواشف برامجَ لمكافحة المزيِّفين، فكانت شركات "أبكام"، و"سِل سيجنالينج تكنولوجي"، و"يونيفرسال بيو" تعقد ندوات، وتُصْدِر كتيبات إرشادية على الإنترنت؛ لتعريف العملاء الحاليين والمحتمَلين بكيفية اكتشاف المنتجات المزيفة. كما وفرت أيضًا خطوطًا للشكوى، يلجأ إليها مَن يشتبهون في وجود منتجات مزيفة. يقول تشانج: "كان أمامنا خياران.. إمّا اللجوء إلى الإجراءات القانونية، أو توعية عملائنا. وقد اخترنا الخيار الثاني".

يمكن للعلماء التعاون على نشر الوعي، إذ تعج غُرَف الدردشة على الإنترنت بنصائح عن تجنُّب المنتجات المزيفة، وغالبًا ما تكون تلك النصائح قائمة على خبرات سابقة. وبعض هذه النصائح يحتوي على قوائم سوداء بالشركات سيئة السمعة، التي تَبَيَّن أنها توفِّر منتجات رديئة.

يقول تشانج إنّ عددًا كبيرًا من العلماء الصينين الذين يعملون في غير مراكز البحوث الرئيسة، تقل أمامهم خيارات الموزعين، وقد لا تصل إليهم هذه الأخبار. وقد يكون أيضًا التمويل المتاح لهم أقل من نظرائهم في مراكز البحوث الرئيسة، ولذلك، يُعَدّ السعر عاملًا مؤثرًا في معادلاتهم الشرائية، ولذلك يسهل إقناعهم بمزاعم شراء بضائع مهرَّبة وعالية الجودة بسعر منخفض. ويضيف تشانج: "نعتقد أن معظم العملاء لا يعرفون أنهم يحصلون على منتجات مزيفة".

يرى هوانج أن الحل النهائي لهذه المعضلة هو تدمير أرباح هذه الصناعة. وقد ساعد في تأسيس شركة "آي بيو" iBio، التي تمتلك الدولة نسبة 60% من أسهمها، والتي بدأت العمل في ديسمبر 2015، وفيها يجتمع التفتيش الجمركي، والحجر الصحي تحت سقف واحد، داخل حرم المعهد الذي يعمل فيه. ويقول هوانج - الذي لا يحصل على أيّ ربح من هذا العمل - إن غالبية الكواشف تصبح متوفرة في غضون عشرة أيام، فيما كان يستغرق توفيرها قبل ذلك شهرًا، أو أكثر. وقد أُنشئت شركات مماثلة في شنغهاي، وسوتشو.

إن السرعة في الحصول على الكواشف تضع العلماء الصينيين على قدم المساواة مع نظرائهم على مستوى العالم. يقول هوانج: "كل تجربة تحتاج إلى كاشف، أو اثنين يمثلان عنق زجاجة". فإذا احتاج العلماء الصينيون إلى أَشْهُر للحصول عليها، بينما يحصل عليها غيرهم في غضون أيام، "فلا مجال حينئذ لمنافسة العلماء الصينيين لنظرائهم في دول العالم الأخرى".كان هذا هو المنطق الذي أقنع المسؤولين الحكوميين في عام بتعديل اللوائح، وهو ما مَكَّن من الإسراع باستيراد الكواشف البيولوجية، إلا أن هذا التغيير استغرق وقتًا.يشعر هوانج بالامتنان لهذه التطورات التي تبشِّر بأنْ يصير العِلْم الصيني أكثر قدرة على المنافسة. وقد تكون هناك فائدة إضافية، تتمثل في الآثار المباشرة لهذه الخطوات على المزيفين. وفي هذا الصدد، يقول هوانج: "إذا تخلَّصنا من العبء الجمركي؛ سندمر هامش ربح هؤلاء المزورين". ومن وجهة نظره، هذا أفضل من تعقُّب المتهمين. يقول: "إذا قضينا على المصدر؛ فلن نحتاج حينها إلى تَعَقُّبهم".

References

  1. Rumjon, A. et alAm. J. Nephrol. 35, 295–304 (2012). | article
  2. Gutiérrez, O. M., Sun, C. C., Chen, W., Babitt, J. L. & Lin, H. Y. Am. J. Nephrol. 36, 332–333 (2012). | article
  3. Prassas, I. & Diamandis, E. P. Clin. Chem. Lab. Med. 52, 765–766 (2014). | article
ديفيد كيرانوسكي يكتب لدورية Nature من شنجهاي، الصين.