NATURE | صندوق الأدوات

أقراص التخزين تعود إلى الحياة

إن استرجاع البيانات من قرص مرن قديم، أو شريط مغناطيسي، ليس بالأمر السهل، لكنْ يمكن القيام بذلك بمساعدة الأجهزة والبرمجيات الذكية.

مونيا بيكر

Nature (2017) doi:10.1038/545117a | Published online | English article

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

Project Twins

في عام 2012، ذهب ويليام باركر وزملاؤه للبحث عن مجموعة بيانات لمراحل نمو أكثر من 50 ألف شجرة تنوب بيضاء، مزروعة بعناية، على مدار عقد من الزمن، وعلى مساحة قدرها 1500 كيلومتر، فوجدوا بكرة شريط مغناطيسي، وقُرْصًا حديثًا نسبيًّا بحجم 3.5 بوصة، وصندوقًا من أقراص أخرى أَقْدَم، بحجم 5.25 بوصة. تضمنت هذه الأقراص بيانات التجارب الميدانية التي أُجريت في أواخر سبعينيات القرن الماضي، بهدف زيادة إنتاج الأخشاب التجارية. وكان باركر - الذي يعمل في "معهد أونتاريو لبحوث الغابات" في سو سانت ماري بكندا - بحاجة إلى طرق وآليات؛ لتقييم كيف يمكن لاستراتيجيات بعينها - مثل "الهجرة المدعومة" - أن تحافظ على الغابات، في ظل ارتفاع درجة حرارة الكوكب. ويقول باركر إنه وجد ضالته في هذه الدراسة المنهجية طويلة المدى: "عندما وجدناها، هتفتُ: وَجَدْتُها! وجدتها! أخيرًا وجدتها!"

لم يكن الأمر بهذه السهولة، فقد قام باركر بتشغيل حاسوب قديم لقراءة الأقراص، بيد أنه عجز عن قراءة القرص الأحدث من بينها. ولم يكن لدى أي أحد أجهزة تمكِّنهم حتى من محاولة قراءة بقية الأقراص.

أشار موظفو تكنولوجيا المعلومات في المعهد إلى باركر بالتوجه إلى شركة متخصصة في استرجاع البيانات، فاتضح أن الأقراص القديمة هي أقراص مرنة مزدوجة الجانب، ومسجَّل عليها بصيغ لا يستطيع قراءتها سوى عدد قليل من مشغلات الأقراص. تمكَّن المتخصصون - في نهاية المطاف - من قراءة الأقراص باستخدام آلة لثقب البطاقات، وُضعت عليها بعناية، مع قليل من تكنولوجيا الفحص الجنائي الرقمية، وبعض البرمجة التي حولت البرمجيات القديمة إلى جداول بيانات حديثة.

تجسِّد تجربة باركر المشكلات التي يواجهها العديد من الباحثين، فاسترجاع البيانات من وسائط تخزين لم يعد يستخدمها أحد هو أشبه بفتح مجموعة من الأقفاص المتتالية، حسب قول بيرترام ليونز، خبير الأرشفة في "إيه في بريزيرف" AVPreserve في ماديسون بولاية ويسكونسن. ويضيف: "لدى العلماء معلومات حبيسة في صيغ قديمة. بعضها يمثل عوائق مادية، والبعض الآخر هياكل مشفرة؛ وكلاهما قد يبطل تمامًا".

لذا، يجب على العلماء الراغبين في استرجاع البيانات من وسائط التخزين القديمة البحث أولًا عن جهاز قادر على قراءتها ونقلها إلى جهاز حاسوب حديث، غير أن نقل الملفات إلى وسائط تخزين حديثة ليس سوى الخطوة الأولى، تليها خطوة فهْم وتحليل محتوياتها؛ ما يتطلب مجموعة أخرى من الأدوات.

 

الانتقال إلى الحداثة

تُعتبر المكتبة المحلية أحد الأماكن الجيدة التي يمكن البدء بها، للبحث عن الأجهزة القديمة. فمثلًا، يحتوي مختبر الذاكرة (Memory Lab) - الموجود في المكتبة العامة في واشنطن العاصمة - على قسم للخدمة الذاتية، يتيح للأفراد تحويل أقراص مرنة بحجم 3.5 بوصة إلى الصيغ الحديثة، كما توفِّر مكتبات جامعة ستانفورد خدمة مشابِهة، لتحويل أقراص بحجم 5.25 بوصة. ولدى جافان مكارثي - مدير مركز "إي سكولارشيب" للبحوث، التابع لجامعة ملبورن في أستراليا - ما يُسميه متحف التكنولوجيا المفرطة، الذي يمكنه التعامل مع العديد من الصيغ. يقول مكارثي: "إذا كان لديك الشريط والقرص، وأي شيء يمكنك إدخالهما فيه، فستجد لدينا وسيلة التوصيل".

وهناك شركات يمكنها المساعدة، إذ تقدِّم خدمة تحويل البيانات مقابل حفنة من الدولارات لكل قرص، مثل شركة "فلوبي ديسك" في ليك فوريست بكاليفورنيا، وشركة "ريترو فلوبي" في كاري بكارولينا الشمالية. وبإمكان شركات استرجاع البيانات أن تفعل ذلك هي الأخرى، فهي متخصصة في معالجة وسائط التخزين التالفة. إذ تمتلك شركة "درايف سيفرز" - وهي شركة لاسترجاع البيانات، ومقرها نوفاتو في كاليفورنيا - ما يقرب من 20 ألف جهاز تخزين - أقدمها قرص صلب من فئة "شوجارت" Shugart ST-506 - يرجع إلى عام 1980. ولاسترداد بياناته، استعان باركر بشركة "سي. بي. إل. داتا ريكافري" في تورنتو بأونتاريو، التي تعاقدت من الباطن مع شركة "مولر ميديا سيرفيسيز" (التي أصبحت الآن "جورج بلاد أوديو" في مانهاست بنيويورك)، ودفع مقابل ذلك 3000 دولار أمريكي تقريبًا.

يعتمد نجاح الأمر على مدى حساسية الوسائط، وطريقة تخزينها. فالأقراص المرنة بحجم 5.25 بوصة تتلف بسهولة، إذا ما تعرضت لزيوت أو ضغط، أما أقراص "أيوميجا زيب"، فهي غير مستقرة. ويقول مكارثي إن السبب في صعوبة قراءة الوسائط القديمة ليس فقط تلف البيانات “bit rot” البيانات أو وسائط التخزين نفسها، بل إن "عدد الأجهزة وقطع الغيار يتناقص بسرعة لا تُصَدَّق"، كما يقول. ومن المفارقات أن الورق أكثر استقرارًا.

"عدد الأجهزة وقطع الغيار يتناقص بسرعة لا تُصَدَّق".

إنّ مَن لديهم مشغِّلات الأقراص القديمة وكابلات الكهرباء قد تستهويهم فكرة إعداد أجهزتهم الخاصة بأنفسهم، لكنهم سرعان ما يكتشفون أن أجهزة الحاسوب الجديدة لم تعد تحتوي على اللوحات والوصلات البينية المطلوبة للتوصيل. فبعض مشغِّلات الأقراص القديمة من نوع "زيب" مثلًا كان يتصل بمنفذ "موازٍ" – أي طابعة – وهو بمثابة واجهة تَواصل بينية، اختفت حاليًّا بشكل كبير، لكن هناك مجموعة من المحوِّلات النافعة، يستخدمها بصورة رئيسية خبراء الأرشفة وعشاق ألعاب الفيديو. أكثر هذه الأدوات تقدمًا هو جهاز "كريو فلاكس"، الذي أنتجته جمعية الحفاظ على البرمجيات، ويمكنه نقل بيانات الأقراص المرنة من خلال منفذ USB. وتتقاضى مجموعة "كريو فلاكس" لتكنولوجيا الحفظ في ميدستون بالمملكة المتحدة حوالي 100 دولار من المستخدمين الفرديين، مقابل الحصول على الجهاز.

ربما تعجز نظم التشغيل في الحواسيب الحديثة أيضًا عن قراءة الملفات ذات الصيغ القديمة. تقول لوري إيميرسن - مدير مختبر علم آثار البيانات في جامعة كولورادو في بولدر - إن مساعدة أحد المتاحف المحلية للعلوم على استرجاع ملف مبهم من على قرص "زيب" تتطلب العثور على الحاسوب المناسب (جهاز Power Macintosh 8100 من عام 1994، يعمل بنظام OS 7) لقراءة الملف، الذي اتضح أنه بمثابة مكتبة من نسخة قديمة من برنامج إدارة المراجع "إند نوت" EndNote.

ومن جانبه، يرى جويدو باولي - أخصائي الكيمياء الطبية في جامعة إلينوي في شيكاغو - أن الوسيلة المثلى لحماية البيانات من التلف والتحلل هي مواكبة التقنيات الحديثة. يتولى باولي مهمة الحفاظ على قاعدة البيانات NAPRALERT، التي تتيح للباحثين البحث عن المنتجات الطبيعية، كالمستخلصات النباتية، والأنشطة البيولوجية المُعلَن عنها. بدأت القاعدة على بطاقات فهرسة، نَظَّمَها المشرف على رسالة جويدو للدكتوراة، وانتقلت منذ ذلك الوقت عبر الشرائط المغناطيسية وصيغ متنوعة من الأقراص. وهي توجد الآن على مواقع التخزين السحابي، وعلى الأقراص الصلبة في قارتين. يقول باولي: "لديَّ بعض الوسائط القديمة، لكني لا أعتمِد على قراءتها".

 

الغوص في البيانات

يتمثل التحدي التالي في عملية استرجاع البيانات القديمة في فهم ملفات البيانات نفسها. وبالنسبة إلى خبراء الأرشفة الرقمية، تتمثل الخطوة الأولى للحفظ في التقاط صورة للقرص، وهي نسخة من كل وحدات بت في البيانات الرقمية على الجهاز، بما في ذلك الملفات المكتوب عليها، والملفات الخفية، وذلك من اختصاص تقنيات الفحص الجنائي الرقمي، إلا أن التراخيص التجارية لمثل هذه الأدوات قد تكلِّف آلاف الدولارات. وإضافة إلى ذلك، فمع تركيزهم على التطبيقات القانونية، يهملون بعض الوظائف المهمة لخبراء الأرشفة، مثل مراجعة المعلومات الحساسة.

وقد دفع ذلك خبراء الأرشفة إلى إنشاء "بت كيوريتور" BitCurator - وهو "آلة افتراضية" مفتوحة المصدر، تلتقط صورة للقرص، وترشد المستخدمين عبر الخطوات الأولى لتفسير محتوياتها، مثل اكتشاف كيف تتم صياغة وحدات بت وبايت تلك في صورة ملفات يمكن قراءتها من خلال نظام التشغيل Windows NT، على سبيل المثال، أو Linux، أو Dos. وكلما كانت الصيغة أكثر إبهامًا؛ زادت صعوبة الأمر.

وقد قام كريس مولر - مؤسِّس شركة "مولر ميديا" Muller Media - بإنشاء برامج لفتح الملفات القديمة، إلا أن المؤشرات البشرية قد تكون في بعض الأحيان أكثر قيمة، كما يقول. يطلب مولر من العملاء إرسال صورة من الوسائط الأصلية عبر البريد الإلكتروني، في بدايات أي مشروع محتمَل. ففي بعض الأحيان، تكون الخطوط الشخبطة المرسومة بقلم تخطيط - التي لا معنى لها بالنسبة إلى العميل – حروفًا وأرقامًا، تمكِّن مولر من تخمين الصيغة والبرنامج المستخدَم.

أما الخطوة التالية، فهي الوصول إلى الملفات، كما يقول كريستوفر لي من كلية علوم المعلومات والمكتبات في جامعة نورث كارولينا في مدينة شابل هيل، وإحدى القوى الرئيسية التي تدعم "بت كيوريتور". وحسب قوله، قد تكون صيغة الملفات غير معروفة؛ ما يجعل من الصعب معرفة البرنامج الذي قد يفتح هذه الملفات. ويضيف: "غالبًا ما يكون البرنامج هو العائق". لذا، بإمكان الباحثين استخدام برامج الحاسوب المعروفة باسم "محرِّري هيكس"، لعرض المحتوى الثنائي الأساسي لهذه الملفات. ومع قليل من الحظ، قد يَكشِف ذلك عن البرنامج الذي كُتب به الملف، أو يتيح استخراج البيانات القابلة للاستخدام بشكل مباشر. كما يتعامل "بت كيوريتور" أيضًا مع مشروع "مكتبة مَراجِع البرمجيات"، الخاص بالمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (www.nsrl.nist.gov)؛ لملاءمة الملفات مع البرنامج الذي استُخدم لإنشائها.

يستطيع الباحثون - في كثير من الأحيان، وبعدد قليل من المؤشرات - تحديد البرامج الحديثة لفتح الملفات من برمجيات أخرى مماثلة، لكنْ أقدم، ومن ثم تحويلها إلى صيغ أحدث. والبديل لذلك، بافتراض أن البرنامج الأصلي متوفر، هو "المحاكاة"، أي إعادة إنشاء منصة نظام التشغيل القديم في جهاز حديث. فموقع "أرشيف الإنترنت" Internet Archive - على سبيل المثال - يحتوي على أدوات محاكاة لمنصات معينة، مثل MS-DOS، يمكن تشغيلها عبر متصفح الإنترنت. يقول كلاوس ريشيرت - من معهد علوم الحاسب الآلي في جامعة فريبيرج في ألمانيا - إن المحاكاة فعالة التكلفة أكثر عند إعداد البرامج لمهام محددة للغاية، أو لتصميمات مرئية، ولا يمكن تحويلها بسهولة إلى الصيغ الحديثة. وقد قام ريشيرت مؤخرًا بإعداد أداة محاكاة؛ لإعادة إنتاج تحليلات مستقاة من دراسة في اللغات الطبيعية، كانت قد أنتجت خرائط لغوية مخصَّصة في برنامج التنضيد "لاتيكس" LaTeX.

أحد الخيارات الأخرى هو "علم الآثار الرقمية"، أي إنشاء البرامج، لجعل الملفات القديمة مقروءة ومفهومة، إلا أن هذا المسار باهظ التكلفة، ولا طائل من ورائه في العادة، كما أنه عادة ما يقتضي توفُّر قدر لا بأس به من التصورات عما يحتويه الملف. في مثال بسيط نسبيًّا، بحث ديفيد شميت من شركة "ريترو فلوبي" عن مجموعات الرموز المتكررة التي تتطابق مع حروف من اسم العميل، لصياغة مصفوفة تحويل، ومن ثم استرجاع البيانات من نظام مبهم من أنظمة IBM، مخزَّن على قرص مرن بحجم 8 بوصات. تتخصص شركات مثل "جورج بلاد"، و"إيه في بريزرف" في إصدارات من هذه المشكلات أكثر تعقيدًا.

من جانبهم، يرى خبراء الأرشفة الرقمية أن العقبة الأكبر في بعض الأحيان هي الإنسان، وليست التكنولوجيا. فلا يكفي لاستخراج أحد الملفات أن تَعْلَم فقط أنه يحتوي على 6 أعمدة، و100 ألف صف؛ فالباحثون يحتاجون أن يعرفوا ما تعنيه الأرقام. فمثلًا، قامت مجموعة من خبراء الأرشفة - بقيادة إيمي بيينتا، في اتحاد الجامعات للبحوث السياسية والاجتماعية في آن أربور بولاية مشيجان - بشراء قارئ متجدد للبطاقات المثقوبة؛ لاسترجاع البيانات من دراسة كبيرة تمت على مدار فترة طويلة من الزمن حول التقاعد منذ خمسينات القرن الماضي، لكن بعد تحويل الثقوب إلى رموز رقمية بنظام ASCII، احتاجوا إلى كتب الشفرة المحفوظة؛ لمعرفة معاني الأرقام، فهل يعني الرمز "1" نعم، أم لا؟

ولقصة باركر خاتمة مثيرة، فقد احتوت البيانات الرقمية على قيم متوسطة فقط لمجموعات من الأشجار، لكن كشفت مكالمة هاتفية جاءة في الوقت المناسب أن الأوراق المسجَّل بها قياسات كل شجرة على حدة ما زالت محفوظة. وقد استغرق منه الأمر قيادة سيارته لبضع ساعات؛ لمقابلة العالِم الأصلي، والحصول على أوراق البيانات.

يقول مكارثي من جامعة ملبورن: "إذا كنتَ ترغب في حفظ شيء ما، عليك إذًا أن تبدأ في التحرك الآن، وكل هؤلاء الأشخاص لا زالوا هنا".