تعليقات

مقاوَمة المضادّات الحيوية تعاني مشكلة لُغوية

الفشل في استخدام الكلمات بوضوح يُضْعِف الاستجابة العالمية حيال تَراجُع فاعلية المضادات الميكروبية، لذا يدعو مارك مندلسون ورفاقه إلى توحيد المصطلحات.

مارك مندلسون، ومانيكا بالاسيجارام، وتيم جينكس، وسيلين بولسيني، ومايك شارلاند
  • Published online:
طبيب يفحص رجلاً مصاباً بالسل. وشأنه شأن البكتيريا المسبِّبة للعديد من حالات العدوى الشائعة، أصبح السل مقاوِمًا بدرجة متزايدة للعقاقير.

طبيب يفحص رجلاً مصاباً بالسل. وشأنه شأن البكتيريا المسبِّبة للعديد من حالات العدوى الشائعة، أصبح السل مقاوِمًا بدرجة متزايدة للعقاقير.

Rajesh Kumar Singh/REX/Shutterstock

يدرك الأطباء منذ فترة طويلة أن الميكروبات - مثل البكتيريا، والفيروسات، والفطريات - صارت تقاوِم العقاقير المستخدَمة لعلاجها على نحو مثير للقلق، إلا أن هناك استجابة عالمية لهذا التهديد الصحي المعقّد - الذي يُطلق عليه عادةً مسمى "مقاوَمة مضادات الميكروبات" – تتطلب تدخل عدد أكبر من الجهات المعنية من حكومات، وجهات رقابية، وعامة الناس، بجانب خبراء الصحة، والغذاء، والبيئة، والاقتصاد، والتجارة، والصناعة.

وكل يغني على ليلاه في هذه الدوائر المختلفة؛ إذ إن العديد من المصطلحات المتداولة لوصف المشكلة يساء فهمه، أو يُفسَّر على نحو مختلف، أو يُثقل بدلالات غير مفيدة.

في 16 مارس الماضي، شكلت الأمم المتحدة فريقًا مشتركًا بين الوكالات؛ لتنسيق مكافحة مقاومة العقاقير1. ونحن نحثُّ على أن تكون أولى خطوات هذا الفريق هي استعراض المصطلحات التي تستخدمها الأطراف الرئيسة المعنية، فهذا الجهد من شأنه تعزيز التفاهم في جميع المجالات، ويساعد على تحفيزاستجابة عالمية متسقة وواضحة الأهداف.

صعوبة فَهْم المصطلحات العلمية

 بَيَّنَ استطلاعٌ أجرته "منظمة الصحة العالمية" في عام 2015 في 12 دولة عدم تعرض الناس لسماع مفهوم مقاومة المضادات الحيوية2، فمِن بين حوالي 10 آلاف شخص شاركوا في هذا الاستطلاع، لم يسمع سوى أقل من نصفهم عن مصطلح "مقاوَمة مضادات الميكروبات"، فيما لم يَعرف سوى خُمْسهم فقط اختصار المصطلح "AMR" وفي المقابل، عرف أكثر من ثلثي المشاركين مصطلحي "مقاومة المضادات الحيوية" أو "مقاومة العقاقير".كشفت دراسة مماثلة نُشرت في العام نفسه لأشخاص من المملكة المتحدة – أجرتها مؤسسة "وِيلْكَم تراسْت" الخيرية المتخصصة في مجال الطب الحيوي بالمملكة المتحدة – عن وجود نتائج مماثلة3.

وقد يؤدي استخدام الصحفيين والعلماء لمصطلحات متشابهة في النشرات العلمية والاجتماعات إلى نتائج عكسية على جميع الأصعدة. ولنأخذ مثالًا على ذلك في مجال إنتاج الغذاء، ففي السنوات الأخيرة، دعت قطاعات مختلفة الدولَ للتوقف عن استخدام "مضادات الميكروبات"  التي تساعد على نمو الحيوانات أو إلغائها تمامًا، وذلك لحماية البشر من زيادة مستويات البكتيريا المقاوِمة للعقاقير4.

غير أن مضادات الميكروبات تشمل - بحكم تعريفها - العقاقير التي تؤدي دورًا حاسمًا في الحفاظ على المستويات الحالية لإنتاج الدواجن في جميع أنحاء العالم، عبر الحَدّ من التهاب الأمعاء، الذي تسبِّبه طفيليات الأُكْرِيَّات. إن العقاقير المضادة لهذه الطفيليات ليس لها تأثير يُذكر على البكتيريا، ولا تؤدي إلى المقاومة البكتيرية لدى البشر أو الحيوانات الأخرى، ولذلك، المطالَبة بإلغاء جميع مضادات الميكروبات المستخدَمة في تعزيز النمو أمر يفتقر إلى الدقة، وقد يضر بالأمن الغذائي.

ومن شأن المصطلحات البسيطة الواضحة، التي لا لبس فيها، أن تساعد على ضمان تركيز الجهد العالمي لمكافحة مقاوَمة العقاقير على أكبر التحديات الطارئة، المتمثلة في ظهور بكتيريا مقاوِمة للعقاقير، تتسبَّب في أمراض شائعة، ناجمة عن كثرة استخدام البشر للمضادات الحيوية. وقد يُحَسِّن هذا أيضًا من فهْم الناس ومشاركتهم. وقد توصلت دراسة "وِيلْكَم تراسْت" إلى أن المواطنين إمّا لا يفهمون اللغة التي يستخدمها العلماء ووسائل الإعلام بخصوص مقاوَمة المضادات الحيوية، أو أنهم ينأون بأنفسهم عن التعامل مع المشكلة، لأنهم يشعرون بالعجز عن فعل أي شيء حيال ذلك.

قوة الكلمة

 للكلمات تأثير كبير، فقد كشفت دراسة أُجريت في عام 2015 5عن استخدام الكلمات في شبكات وسائل الإعلام الاجتماعية، على سبيل المثال، أن تداول مصطلحي "تغير المناخ"، و"الاحتباس الحراري" كانت له آثار متباينة على المعرفة والوعي. كما كشف استطلاع أُجري في عام 2013 6أن استخدام مصطلح "الاحتباس الحراري" كان أكثر نفعًا من مصطلح "تغيُّر المناخ" في تحفيز الأمريكيين لدعم الجهود الأمريكية الكبيرة وصغيرة الحجم؛ لمعالجة المشكلة، ولعل ذلك يرجع إلى أن العبارة تضفي إحساسًا أكبر بوجود خطر يمس الشخص مباشرة.

وبالمثل، فإن استخدام مصطلح "التعرض للتدخين السلبي" في السنوات الأربعين الماضية قد أسهَم إسهامًا بارزًا في تعريف الجماهير بمخاطر التدخين7، وأسهم أيضًا قرار تسمية الفيروس المسبِّب للإيدز بفيروس نقص المناعة البشرية في عام 1986، بدلًا من فيروس الليمفاويات التائية البشرية (HTLV-III)، أو الفيروس المصاحب لاعتلال العقد الليمفاوية ، في تعريف الناس بأن المرض ناجم عن فيروس يضر بالجهاز المناعي. ومِن هذا المنطلق، أسهمَت هذه التسمية الجديدة في إزالة وصمة العار والتخلص التدريجي من مصطلحات مثل "طاعون المثليين"، الذي كان شائعًا في السابق عن مرض الإيدز.

ستستفيد الجهود القوية الرامية إلى وقف انتشار مسبِّبات المرض - مثل المكورة العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسلين - من توحيد المصطلحات.

ستستفيد الجهود القوية الرامية إلى وقف انتشار مسبِّبات المرض - مثل المكورة العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسلين - من توحيد المصطلحات.

Jeff Swensen/NYT/Redux/eyevine

أتاح تعيين فريق الأمم المتحدة المشترَك بين الوكالات فرصة لممارسة قوة الكلمات على مقاوَمة العقاقير، ونحن نحث هذا الفريق على التركيز على ثلاث مشكلات رئيسية.

العدوى المقاوِمة للعقاقير نقترح أن يكون هذا هو المصطلح الشامل المستخدَم (باللغة الإنجليزية) لوصف العدوى التي تسبِّبها الكائنات الحية المقاوِمة للعلاج، بما في ذلك تلك التي تسبِّبها البكتيريا التي لا تستجيب للمضادات الحيوية. وقد أشارت استطلاعات الرأي التي أجرتها "منظمة الصحة العالمية"، ومنظمة "وِيلْكَم تراسْت" إلى أن معظم الناس يفهمون هذا المصطلح، وأنه متداوَل بالفعل مع مرض السل، (فمن المعتاد أن يتداول ممارسو الطب وغيرهم مصطلح "السل المقاوِم للعقاقير"). ونقترح أيضًا استخدام كلمات أكثر دقة، مثل "المضادات الحيوية"، أو "المضادات الفطرية"، وتفضيلها على "المضادات الميكروبية" عند الإشارة إلى عقاقير مضادة لنوع معين من الكائنات الحية.

الاستخدام الأمثل "Stewardship

يَرٍد هذا المصطلح كثيرًا في المناقشات الدائرة عن مقاومة العقاقير، لا سيما أنه يشير إلى مدى تأثير الاستخدام المناسب للمضادات الحيوية على زيادة فعاليتها الحالية، وزيادة فرص إتاحتها للأجيال القادمة، إلا أن المصطلح دائمًا ما يُتَداوَل على نطاق ضيق للغاية.

ومن الناحية التاريخية، مارست برامج المستشفيات الاستخدام الأمثل للمضادات الحيوية. ويستخدم كثير من الناس هذا المصطلح، للإشارة إلى أعمال أخصائيِّي العدوى، والصيادلة. وفي الوقت الراهن، يُمارس هذا على نطاق أوسع (انظر: "الكثير من المعاني" ) وقد يتمثل الاستخدام الأمثل للمضادات الحيوية في التزام فردي، أو متعدد التخصصات، أو خاص بمستشفى، أو على صعيد المجتمع المحلي؛ لضمان الاستخدام الأمثل للمضادات الحيوية لدى هؤلاء المرضى، أو الحيوانات التي تعاني من عدوى بكتيرية تتطلب العلاج، وكذلك لضمان مراعاة جميع جوانب الإرشادات الطبية (من جهة الجرعة، والمدة، وغير ذلك). وعلى الجانب الآخر، تعمل "منظمة الصحة العالمية" في الوقت الحالي على وضع إطار عالمي للاستخدام الأمثل، قد يكون شبيهًا باتفاقية "منظمة الصحة العالمية" الإطارية بشأن مكافحة التبغ.

وإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يُتداول مصطلح "المحافظة" كمرادف لمصطلح "الاستخدام الأمثل"، إلا أن هذا المصطلح له معنى أوسع، يشمل أيضًا الوقاية من العدوى في المقام الأول، وذلك - على سبيل المثال - عبر التطعيم، أو عبر تحسين جودة المياه، والصرف الصحي.

كبر الصورة

كبر الصورة

الحرب

إنّ الخطاب المتداوَل بخصوص مقاوَمة العقاقير يُبَيِّن الإنسان وكأنه في صراع ضد البكتيريا. فعلى سبيل المثال.. يذكر الناس - في كثير من الأحيان - مصطلحَي "الحرب ضد البكتريا المقاوِمة للمضادات الحيوية"، و"مكافحة مقاوَمة مضادات الميكروبات". وفي إطار البحث عن عدو، غالبًا ما تُلقَى المسؤولية عن زيادة البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية على عاتق البشر على العاملين في مجال الصحة الحيوانية وصناعة الماشية، والمزارعين، والجرّاحين البيطريين.

ولن يجدي الخطاب المحمَّل بلَوْم الآخرين نفعًا، فاستخدام المضادات الحيوية في الحيوانات ي البكتيريا المقاوِمة للعقاقير، التي قد تنتقل من المزارع إلى الطعام، إلا أن العامل الأهمّ وراء مقاوَمة المضادات الحيوية لدى البشر هو الضغط الشديد الناتج عن إساءة استخدام المضادات الحيوية، وإفراط الناس في تناولها. كما فشل السرد العدائي أيضًا في تناول العلاقات التكافلية، التي تربط بيننا وبين البكتيريا، فكلما "هاجمناها"؛ زاد احتمال تَوَقُّف الأدوار الحيوية للبكتيريا في أحشائنا ومسالكنا الهوائية، وعلى بشرتنا. فهناك قرابة 100 تريليون بكتيريا تعيش في أمعائنا وحدها، وغالبيتها تساعدنا في الحفاظ على صحتنا.ربما كانت عبارات الحرب والتهديد فعالة في يوم من الأيام، لكننا في الوقت الحالي بحاجة إلى مفردات موحدة، وأكثر دقة واتزانًا، وتراعي التوازن البيئي.

الأفعال أَبْلَغ من الأقوال

 نظرًا إلى أن المصطلحات تتأثر بالاختلافات الجغرافية والاجتماعية، وتُستخدم بمعانٍ مختلفة بين المجالات، الأمر الذي يؤثّر على فهمها وتفسيرها، فإن هناك حاجة إلى برنامج بحثي يعمل على تحسين المعجم المستخدَم في مختلف البلدان، وبمختلف اللغات. ويمكن تنفيذ هذا البرنامج في إطار الهدف الأول لخطة العمل العالمية الحالية لمنظمة الصحة العالمية، ذلك الهدف المعنِيّ بزيادة الوعي بمقاومة العقاقير، واستيعابها، عبر التواصل الفعال، والتعليم، والتدريب. وبإمكان هذا البرنامج البحثي أن يحدد المصطلحات التي تُتداول على الصعيد العالمي وأن يحدد ما إذا كانت الترجمة المباشرة للكلمات الإنجليزية إلى اللغات الأخرى ستوصِّل المعاني المستهدَفة، أم لا. فعلى سبيل المثال.. لا تَستخدِم فرنسا مصطلح العدوى المقاوِمة للعقاقير، ولا ترجمة مقاوَمة مضادات الميكروبات - résistance aux antimicrobiens- لكنها فضلت استخدام مصطلح مقاوَمة المضادات الحيوية "antibiorésistance". كما يمكن لهذا البرنامج أن يستكشف كيف يفسِّر الناس - من مختلف الأطياف - هذه العبارات، وتقييم تأثير اختلاف اللغة على الفهم ومعدلات العدوى، وتحقيق تَوافُق عالمي على المصطلح العلمي الخاص بمقاوَمة العقاقير، ودمْج هذه المصطلحات في برامج التعليم العالمية، واستراتيجيات التواصل.

كان وليام شكسبير هو أُسطون المعاني المتعددة، وليس أدلّ على ذلك مما سرده على لسان جولييت، حين قالت "ما قيمة الاسم وحده ...؟" التي تبدو وكأنها قد توغلت في الطبيعة الاعتباطية للأسماء، ولكنْ نظرًا إلى خطورة ما نحن بصدده، فقد حان وقت أن نضع في حسباننا قدرة الكلمات على تغيير مسار الأحداث. إنه درسٌ ينبغي أن يعيه مَن يحاولون مِنّا نشر توعية بهذه الأزمة.

References

  1. UN News Centre. ‘UN announces interagencygroup to coordinate global fight againstantimicrobial resistance’ (2017); available athttp://go.nature.com/2pcqx28 | article
  2. World Health Organization Antibiotic Resistance:Multi-Country Public Awareness Survey(WHO, 2015); available at http://go.nature.com/2ptdypm | article
  3. Wellcome Trust Exploring the ConsumerPerspective on Antimicrobial Resistance(Wellcome Trust, 2015); available at http://go.nature.com/2pkwcbw | article
  4.  The Review on Antimicrobial Resistance TacklingDrug-resistant Infections Globally: Final Report andRecommendations (HM Government/WellcomeTrust, 2016); available at http://go.nature.com/2oj9uan| article
  5. Lineman, M., Do, Y., Kim, J. Y. & Joo, G.-J. PLoSONE 10, e0138996 (2015). | article
  6.  Leiserowitz, A. et al. What’s In A Name? GlobalWarming Versus Climate Change (Yale Projecton Climate Change Communication/GeorgeMason University Center for Climate ChangeCommunication, 2014); available at http://go.nature.com/2pubszd| article
  7. Viet Nam News ‘Campaign launched againstsecondhand smoke’ (2016); available at http://go.nature.com/2oqotcb | article
مارك مندلسون منصب أستاذ الأمراض المعدية، ورئيس شعبة الأمراض المعدية وعلاج فيروس نقص المناعة البشرية في مستشفى جروت شور، التابعة لجامعة كيب تاون، جنوب أفريقيا. وتشغل مانيكا بالاسيجارام منصب مدير المشارَكة العالمية للبحوث والتطوير في المضادات الحيوية، ومبادرة عقاقير الأمراض المهمَلة بجنيف، سويسرا. أما تيم جينكس، فهو رئيس برنامج العدوى المقاوِمة للعقاقير في "وِيلْكَم تراسْت" في لندن، المملكة المتحدة. وتشغل سيلين بولسيني منصب أستاذ الأمراض المعدية في مستشفى جامعة نانسي، وتقود فريقًا بحثيًّا في جامعة لورين في نانسي، فرنسا. أما مايك شارلاند، فهو أستاذ الأمراض المعدية لدى الأطفال في "معهد العدوى والمناعة"، التابع لمستشفى سانت جورج في جامعة لندن، المملكة المتحدة. البريد الإلكتروني marc.mendelson@uct.ac.za